على مدى قرابة قرن، ظل علماء علوم الأرض يتساءلون عن لغز محيّر: أين ذهبت العناصر الخفيفة الموجودة في الأرض؟ فعند مقارنة كمياتها بكمياتها الموجودة في الشمس وبعض النيازك، يتضح أن الأرض تحتوي على كميات أقل من الهيدروجين والكربون والنيتروجين والكبريت، فضلًا عن الغازات النبيلة مثل الهيليوم، إذ يقل بعضها بأكثر من 99 في المئة.
يمكن تفسير جانب من هذا التفاوت بفقدان هذه العناصر إلى الفضاء المحيط بالنظام الشمسي أثناء تشكّل كوكبنا، لكن الباحثين اشتبهوا منذ فترة طويلة في وجود عوامل أخرى أيضًا.
ومؤخرًا، أعلن فريق من العلماء عن تفسير محتمل، مفاده أن هذه العناصر تختبئ في أعماق اللب الداخلي الصلب للأرض. فعند الضغط الهائل السائد هناك، والبالغ 360 غيغاباسكال، أي ما يعادل 3.6 ملايين ضعف الضغط الجوي، يتصرف الحديد بطريقة غريبة ويتحوّل إلى إلكترِيد، وهو شكل غير معروف على نطاق واسع من أشكال المادة المعدنية، قادر على امتصاص العناصر الخفيفة.
يقول دوك يونغ كيم، المشارك في تأليف الدراسة والفيزيائي المتخصص في فيزياء الحالة الصلبة لدى مركز شنغهاي المتقدم لعلوم وتكنولوجيا الضغط العالي، إن امتصاص هذه العناصر الخفيفة ربما حدث تدريجيًا على مدى ملياري سنة تقريبًا، وربما لا تزال هذه العملية مستمرة حتى اليوم. ومن شأن ذلك أن يفسّر سبب إشارة حركة الموجات الزلزالية التي تعبر الأرض إلى أن كثافة اللب الداخلي أقل بنسبة تتراوح بين 5 و8 في المئة مما يُتوقع لو كان مكوّنًا من الحديد وحده.
تجذب الإلكترِيدات الاهتمام حاليًا من أكثر من ناحية. فهي لا تقتصر على احتمال المساعدة في حل لغز كوكبي، بل أصبح من الممكن أيضًا تصنيعها في درجة حرارة الغرفة وتحت الضغط العادي باستخدام مجموعة متنوعة من العناصر. وبما أن جميع الإلكترِيدات تحتوي على مصدر للإلكترونات التفاعلية التي يسهل منحها لجزيئات أخرى، فإنها تُعد محفزات مثالية، فضلًا عن إمكانية استخدامها في تطبيقات أخرى تساعد على دفع التفاعلات الكيميائية الصعبة إلى الحدوث.
يُستخدم أحد الإلكترِيدات بالفعل لتحفيز إنتاج الأمونيا، وهي مكوّن أساسي في الأسمدة. ويزعم مطوّرو هذه التقنية في اليابان أن العملية تستهلك طاقة أقل بنسبة 20 في المئة مقارنة بالطرق التقليدية لتصنيع الأمونيا. وفي الوقت نفسه، يكتشف الكيميائيون إلكترِيدات جديدة قد تتيح تطوير طرق أقل تكلفة وأكثر استدامة لإنتاج المستحضرات الصيدلانية.
ويتمثل التحدي اليوم في العثور على المزيد من هذه المواد المثيرة للاهتمام، وفهم القواعد الكيميائية التي تحدد الظروف التي تتكوّن فيها.
الإلكترِيدات تحت الضغط العالي
تتكوّن معظم المواد الصلبة من شبكات بلورية منتظمة من الذرات، لكن الإلكترِيدات تختلف عن ذلك. إذ تحتوي شبكاتها على جيوب صغيرة تستقر فيها الإلكترونات بصورة مستقلة.
في المعادن العادية، توجد إلكترونات غير مرتبطة بذرة واحدة بعينها. وهي الإلكترونات الخارجية، أو إلكترونات التكافؤ، التي تستطيع التحرك بحرية بين الذرات، مُشكّلة ما يُشار إليه غالبًا باسم «بحر من الإلكترونات غير المتمركزة». وهذا ما يفسّر قدرة المعادن على توصيل الكهرباء.
أما في الإلكترِيدات، فإن الإلكترونات الخارجية لا تعود تدور حول ذرة محددة، لكنها لا تستطيع التحرك بحرية أيضًا. وبدلًا من ذلك، تُحتجز في مواقع تقع بين الذرات، تُسمّى «مراكز التجاذب غير النووية». ويمنح هذا الترتيب المواد خصائص فريدة.
في حالة الحديد الموجود في لب الأرض، تعمل الشحنات الإلكترونية السالبة على تثبيت العناصر الخفيفة عند مراكز التجاذب غير النووية التي تتكوّن تحت تأثير الضغوط الهائلة، التي تعادل نحو 3000 ضعف الضغط عند قاع أعمق محيط في العالم. ويمكن لهذه العناصر أن تنتشر داخل المعدن، وهو ما يفسّر اختفاءها الظاهري.
كان الصوديوم أول معدن يُكتشف أنه يتحوّل إلى إلكترِيد تحت الضغط العالي، وقد أُعلن عن ذلك عام 2009. فعندما يتعرّض لضغط يبلغ 200 غيغاباسكال، أي مليوني ضعف الضغط الجوي، يتحوّل من معدن لامع عاكس وموصل للكهرباء إلى مادة شفافة شبيهة بالزجاج وعازلة للكهرباء.
يصف ستيفانو راتشيوبي، الكيميائي المتخصص في الكيمياء الحاسوبية والنظرية بجامعة كامبريدج في المملكة المتحدة، هذه النتيجة بأنها «غريبة جدًا». وقد عمل راتشيوبي على دراسة إلكترِيدات الصوديوم في مختبر إيفا زورِك بجامعة بوفالو في ولاية نيويورك. ويوضح أن النظريات الأولية كانت تتوقع أن تتحرك الإلكترونات الخارجية للصوديوم بحرية أكبر بين الذرات عند تعرّضه لضغط مرتفع.
ظهرت أولى المؤشرات على اختلاف سلوك هذه المواد من خلال التنبؤات في أواخر تسعينيات القرن العشرين، عندما استخدم العلماء المحاكاة الحاسوبية لنمذجة المواد الصلبة استنادًا إلى قواعد نظرية الكم. وتحدد هذه القواعد مستويات الطاقة التي يمكن للإلكترونات امتلاكها، ومن ثم النطاقات المحتملة للمواقع التي توجد فيها داخل الذرات، والمعروفة باسم المدارات الذرية.
أظهرت محاكاة الصوديوم الصلب أنه عندما تتعرّض ذرات الصوديوم لضغط مرتفع وتُدفع إلى الاقتراب بعضها من بعض، فإن الإلكترونات التي تدور حول كل ذرة تقترب بعضها من بعض أيضًا. وهذا يجعلها تتعرّض لقوى تنافر متزايدة فيما بينها.
ويشرح راتشيوبي أن هذا الأمر يغيّر مستويات الطاقة النسبية لكل إلكترون يدور حول نواة الذرة، مما يؤدي إلى إعادة تنظيم مواقع الإلكترونات.
ما النتيجة؟ بدلًا من شغل مدارات تسمح للإلكترونات بالانتشار والتحرك بين الذرات، تتخذ المدارات شكلًا جديدًا يجبر الإلكترونات على الاستقرار في مواقع مراكز التجاذب غير النووية. وبما أن الإلكترونات تصبح محصورة في هذه المواقع، تفقد المادة الصلبة خصائصها المعدنية.
واستكمالًا لهذا العمل النظري، تعاون راتشيوبي وزورِك مع باحثين في جامعة إدنبرة للعثور على أدلة تجريبية تؤكد وجود إلكترِيد الصوديوم تحت ضغوط قصوى. وضغط الباحثون بلورات الصوديوم بين ماسيْن، واستخدموا حيود الأشعة السينية لرسم خريطة لكثافة الإلكترونات داخل البنية المعدنية. وفي سبتمبر 2025، أفادوا بأن النتائج أكدت أن الإلكترونات توجد بالفعل في مواقع مراكز التجاذب غير النووية المتوقعة بين ذرات الصوديوم.
الخيار المثالي للمحفزات الكيميائية
تُعد الإلكترِيدات مرشحة مثالية للاستخدام بوصفها محفزات، أي مواد تسرّع التفاعلات الكيميائية وتقلّل الطاقة اللازمة لحدوثها. ويرجع ذلك إلى إمكانية منح الإلكترونات المنعزلة الموجودة في مواقع مراكز التجاذب غير النووية للمساعدة في تكوين الروابط الكيميائية وكسرها. لكن لكي تكون هذه المواد مفيدة عمليًا، يجب أن تتمكن من العمل في الظروف المحيطة العادية.
خلال السنوات العشر الماضية، اكتُشفت عدة إلكترِيدات مستقرة من هذا النوع، صُنعت من مركّبات غير عضوية أو جزيئات عضوية تحتوي على ذرات معدنية. ومن أبرز هذه المواد «الميينيت»، الذي اكتُشف بالمصادفة عام 2003، عندما كان هيديو هوسونو، عالم المواد في معهد طوكيو للعلوم، يدرس نوعًا من الأسمنت.
الميينيت هو أكسيد ألومينات الكالسيوم الذي يُشكّل بلورات تحتوي على مسام صغيرة جدًا، يبلغ عرضها بضعة نانومترات، وتُسمّى أقفاصًا، وتحتوي هذه الأقفاص على أيونات الأكسجين. وعندما يُمرَّر بخار معدن مثل الكالسيوم أو التيتانيوم فوق هذه المادة عند درجة حرارة مرتفعة، فإنه يزيل الأكسجين، ولا يتبقى سوى الإلكترونات المحصورة في تلك المواقع، لتتكوّن بذلك مادة إلكترِيدية.
على خلاف الإلكترِيدات المعدنية التي تتكوّن تحت الضغط العالي وتتحوّل من موصلات إلى عوازل، يبدأ الميينيت بوصفه مادة عازلة. لكن الإلكترونات المحصورة فيه تستطيع الآن الانتقال بين مواقع الأقفاص عبر عملية تُسمّى «النفق الكمومي»، مما يحوّله إلى موصل للكهرباء، وإن كانت موصليته أقل من موصلية معادن مثل الألومنيوم أو الفضة بمقدار يتراوح بين 100 و1000 مرة.
كما يصبح الميينيت محفزًا ممتازًا، إذ يستطيع منح الإلكترونات للمساعدة في تكوين الروابط الكيميائية وكسرها أثناء التفاعلات.
بحلول عام 2011، بدأ هوسونو تطوير الميينيت ليكون محفزًا أكثر كفاءة واستدامة لتصنيع الأمونيا. ويُنتج العالم سنويًا أكثر من 170 مليون طن متري من الأمونيا، يُستخدم معظمها في صناعة الأسمدة، من خلال عملية هابر بوش، التي تساعد فيها أكاسيد المعادن غازي الهيدروجين والنيتروجين على التفاعل معًا تحت ضغط ودرجة حرارة مرتفعين. وتستهلك هذه العملية كميات كبيرة من الطاقة وتكلف الكثير، إذ تستأثر مصانع هابر بوش بنحو 2 في المئة من استهلاك الطاقة العالمي.
في عملية هابر بوش، ترتبط الغازات بسطوح المحفزات، التي تمنحها إلكترونات تساعد على كسر الرابطة الثلاثية القوية التي تربط ذرتي النيتروجين في جزيء غاز النيتروجين، فضلًا عن الروابط الموجودة في غاز الهيدروجين. وبما أن الميينيت يتمتع بقدرة كبيرة على منح الإلكترونات، اعتقد هوسونو أنه قد يؤدي هذه المهمة بكفاءة أكبر.
في التفاعل الذي طوّره هوسونو، لا يرتبط الميينيت نفسه بالغازات، بل يعمل مادةً داعمة لجسيمات نانوية من معدن يُسمّى الروثينيوم. في البداية، تمتص هذه الجسيمات النانوية غازي النيتروجين والهيدروجين. ثم يمنح الميينيت الإلكترونات للروثينيوم، فتنتقل هذه الإلكترونات إلى جزيئات النيتروجين والهيدروجين، مما يجعل كسر روابطها أسهل.
وهكذا تتكوّن الأمونيا عند درجة حرارة أقل، تتراوح بين 300 و400 درجة مئوية، وضغط أقل يتراوح بين 50 و80 ضغطًا جويًا. أما عملية هابر بوش فتُجرى عند درجة حرارة تتراوح بين 400 و500 درجة مئوية، وضغط يتراوح بين 100 و400 ضغط جوي.
في عام 2017، تأسست شركة «تسوبامي بي إتش بي» (Tsubame BHB) لتسويق محفز هوسونو تجاريًا، وافتُتح أول مصنع تجريبي لها عام 2019، بطاقة إنتاجية تبلغ 20 طنًا متريًا من الأمونيا سنويًا. ومنذ ذلك الحين، افتتحت الشركة منشأة أكبر في اليابان، وتعمل على إنشاء مصنع لإنتاج الأمونيا الخضراء في البرازيل بطاقة تبلغ 20 ألف طن سنويًا، بهدف إحلال جزء من إنتاج الأسمدة في البلاد المعتمد على الوقود الأحفوري.
وتقدّر الشركة أن هذا المشروع سيجنّب الغلاف الجوي انبعاث 11 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، وهي كمية تعادل تقريبًا الانبعاثات السنوية الصادرة عن 2400 سيارة.
ويشير هوسونو إلى وجود تطبيقات أخرى لمحفز الميينيت، منها تحويل ثاني أكسيد الكربون إلى مواد كيميائية مفيدة مثل الميثان والميثانول والهيدروكربونات الأطول سلسلة، مع استهلاك طاقة أقل. كما اقترح علماء آخرون أن بنية الميينيت القائمة على الأقفاص تجعله مناسبًا لتثبيت نفايات النظائر المشعة في محطات الطاقة النووية. إذ يمكن للإلكترونات التقاط الأيونات السالبة، مثل أيونات اليوديد والبروميد، واحتجازها داخل الأقفاص.
ودُرس الميينيت أيضًا بوصفه نظام دفع منخفض الحرارة للأقمار الصناعية في الفضاء. فعندما يُسخّن إلى 600 درجة مئوية في بيئة مفرغة، تندفع إلكتروناته المحصورة إلى الخارج من الأقفاص، مما يولّد قوة دفع.
الإلكترِيدات العضوية
تستمر قائمة المواد المعروفة بقدرتها على تكوين الإلكترِيدات في التوسع. ففي عام 2024، اكتشف فريق بقيادة الكيميائي فابريتسيو أورتو من جامعة ليستر في المملكة المتحدة، بالمصادفة، إلكترِيدًا آخر مستقرًا في درجة حرارة الغرفة. وتتكوّن هذه المادة من أيونات الكالسيوم المحاطة بجزيئات عضوية كبيرة، وتشكل هذه المكونات معًا ما يُعرف باسم «مركّب تناسقي».
كان أورتو يستخدم طريقة تُعرف بالكيمياء الميكانيكية، ويشرحها قائلًا: «تضع شيئًا داخل وعاء للطحن، ثم تهزّه بقوة شديدة، فتوفّر هذه العملية الطاقة اللازمة لحدوث التفاعل».
لكن ما أثار دهشته هو أن الإلكترونات القادمة من البوتاسيوم الذي أضافه إلى مركّب الكالسيوم لم تنتقل إلى أيونات الكالسيوم. وبدلًا من ذلك، تكوّنت مادة «كانت تحتوي على إلكترونات تطفو داخل النظام»، على حد تعبيره، وتُحتجز في مواقع تقع بين المعدنين.
على خلاف الميينيت، لا يوصل هذا الإلكترِيد الكهرباء، لأن إلكتروناته المحصورة لا تنتقل بين المواقع. ومع ذلك، تتيح له هذه الإلكترونات تسهيل تفاعلات يصعب بدء حدوثها بطرق أخرى، وذلك من خلال تنشيط الروابط غير التفاعلية، مؤديًا وظيفة تشبه وظيفة المحفز. وتعتمد هذه التفاعلات حاليًا على محفزات البالاديوم باهظة الثمن.
نجح العلماء في استخدام هذا الإلكترِيد في تفاعل يربط حلقتين من البيريدين، وهو مركّب يتكوّن من حلقة كربونية تحتوي على ذرة نيتروجين. ويبحث الفريق الآن في إمكانية استخدام الإلكترِيد للمساعدة في تفاعلات عضوية شائعة أخرى، مثل استبدال ذرة هيدروجين في حلقة البنزين بذرة أو مجموعة أخرى. وتُعد هذه التفاعلات صعبة لأن الرابطة بين ذرة الكربون في حلقة البنزين وذرة الهيدروجين المرتبطة بها مستقرة للغاية.
ولا تزال هناك مشكلات تحتاج إلى حل. فإلكترِيد الكالسيوم الذي طوّره أورتو شديد الحساسية للهواء والماء، مما يجعله غير مناسب للاستخدام الصناعي. ويبحث أورتو حاليًا عن بديل أكثر استقرارًا، قد يكون مفيدًا على نحو خاص في صناعة الأدوية لتصنيع الجزيئات الدوائية، إذ تُستخدم التفاعلات من النوع الذي أثبت أورتو إمكان تنفيذه على نطاق واسع في هذا المجال.
ألغاز لا تزال قائمة في اللب
لا تزال هناك ألغاز كثيرة لم تُحل بشأن الإلكترِيدات، من بينها ما إذا كان اللب الداخلي للأرض يحتوي عليها بالفعل. فقد استخدم كيم وزملاؤه عمليات محاكاة للشبكة البلورية للحديد للعثور على أدلة تشير إلى وجود مراكز تجاذب غير نووية، لكن راتشيوبي يرى أن تفسيرهم للنتائج لا يزال «موضع جدل إلى حد ما».
تمتلك ذرات الصوديوم وغيرها من معادن المجموعتين الأولى والثانية في الجدول الدوري، مثل الليثيوم والكالسيوم والمغنيسيوم، إلكترونات خارجية ضعيفة الارتباط بالذرة. وهذا يجعل انتقال الإلكترونات إلى مراكز التجاذب غير النووية وتكوين الإلكترِيدات أمرًا سهلًا نسبيًا.
لكن الحديد يجذب إلكتروناته الخارجية بقوة أكبر، كما أن هذه الإلكترونات تشغل مدارات مختلفة الشكل. ويوضح راتشيوبي أن ذلك يقلل من أهمية الزيادة في قوى التنافر بين الإلكترونات عند تعرّض الحديد للضغط، ومن ثم يجعل تحوّله إلى إلكترِيد أكثر صعوبة.
يقول لي بيرتون، عالم المواد الحاسوبية في جامعة تل أبيب، إن الإلكترِيدات لا تزال مواد غير معروفة على نطاق واسع ولم تحظَ بقدر كبير من الدراسة. فلا توجد حتى الآن نظرية أو نماذج قادرة على التنبؤ بالظروف التي تتحول فيها مادة ما إلى إلكترِيد. ويضيف: «نظرًا إلى أن الإلكترِيدات لا تتصرف وفق الأنماط الكيميائية المعتادة، فلا يمكنك الاعتماد على حدسك الكيميائي لفهمها».
يبحث بيرتون عن قواعد قد تساعد العلماء على التنبؤ بالمواد التي يمكن أن تكوّن إلكترِيدات، وقد حقق بعض النجاح من خلال فحص مجموعة تضم 40 ألف مادة معروفة، عثر ضمنها على مواد يُحتمل أن تكون إلكترِيدات. ويستخدم الآن الذكاء الاصطناعي للعثور على المزيد منها.
ويقول: «إن الأمر يتعلق بتفاعل معقد بين خصائص مختلفة، قد يعتمد بعضها على بعض. وهنا يمكن لتعلّم الآلة أن يقدم مساعدة حقيقية».
ويتمثل العامل الأساسي في توافر بيانات موثوقة لتدريب أي نموذج. فلا يمتلك فريق بيرتون بيانات تجريبية فعلية إلا عن عدد محدود من البنى الإلكترِيدية التي تأكد وجودها حتى الآن بالتجارب. لكن الفريق يستخدم أيضًا أساليب النمذجة المستندة إلى نظرية الكم، على غرار الأساليب التي استخدمها راتشيوبي، لإنشاء محاكاة عالية الدقة لكثافة الإلكترونات داخل المواد.
ويُجري الباحثون هذه المحاكاة لأكبر عدد ممكن من المواد. ثم يستخدمون المواد التي يؤكد وجودها التجريب العملي لتدريب نموذج للذكاء الاصطناعي على تحديد المزيد من المواد المرجح أن تكون إلكترِيدات، أي المواد التي تحتوي على جيوب منفصلة ذات كثافة إلكترونية مرتفعة، وهي سمة مميزة لمواقع الإلكترونات المحصورة.
ويختتم بيرتون قائلًا: «إن الإمكانات هائلة».
