خلال الأسابيع الأولى من الحمل، تبدأ الأمهات بنقل عنصر غذائي أساسي يُسمّى الفولات إلى أطفالهن في طور النمو. لكن الجنين لا يحصل على كمية كافية من الفولات في بعض حالات الحمل، مما قد يؤدي إلى اضطرابات في النمو. وفي كلية مدينة سانتا باربرا بالولايات المتحدة، يبحث عالم الأعصاب الدكتور جورج أيوب في كيفية تسبب نقص الفولات أثناء الحمل في حالات نمائية عصبية، مثل السنسنة المشقوقة، وربما اضطراب طيف التوحّد.
تحدّث بلغة عالم أعصاب
الفولات: فيتامين أساسي يُعرف أيضًا بفيتامين ب9، وهو مهم لنمو الخلايا وانقسامها.
مستقبل الفولات ألفا: بروتين ينقل الفولات عبر المشيمة إلى دماغ الجنين النامي.
الأجسام المضادة الذاتية لمستقبل الفولات ألفا: أجسام مضادة ينتجها الجهاز المناعي وتعيق مستقبل الفولات ألفا عن أداء وظيفته.
حمض الفوليك: شكل اصطناعي من الفولات.
الأنبوب العصبي: قناة ضيقة تتطور لتشكّل الدماغ والحبل الشوكي.
المشيمة: عضو مؤقت يربط الجنين بالأم أثناء الحمل ويوفر له العناصر الغذائية.
ناقل الفولات المختزل: بروتين ينقل أشكالًا محددة من الفولات عبر المشيمة.
الفولات، المعروف أيضًا باسم فيتامين ب9، عنصر غذائي أساسي يساعد الجسم على تكوين حمض نووي جديد (DNA)، ويدعم نمو الخلايا وانقسامها، ويؤدي دورًا مهمًا في نمو الجنين أثناء الحمل. وفي حياتنا اليومية، نحصل على الفولات من تناول أطعمة مثل الخضراوات الورقية والبيض والحمضيات والبقوليات. ونظرًا إلى الأهمية الكبيرة للفولات في نمو الجنين، تُنصح النساء الحوامل واللواتي يخططن للحمل أيضًا بتناول حمض الفوليك، وهو الشكل الاصطناعي من هذا الفيتامين.
يوضح الدكتور جورج أيوب، عالم الأعصاب في كلية مدينة سانتا باربرا: «يؤدي الفولات دورًا بالغ الأهمية خصوصًا في انغلاق الأنبوب العصبي، الذي يتطور ليشكّل الدماغ والحبل الشوكي، خلال الأسابيع الأولى من الحمل. ويؤدي نقص الفولات إلى زيادة خطر عيوب الأنبوب العصبي، وقد يؤثر في نمو الدماغ على نطاق أوسع، مما قد يسهم في الإصابة باضطراب طيف التوحّد».
وعلى الرغم من أن اضطراب طيف التوحّد ينشأ نتيجة تداخل معقد بين عوامل عديدة ومختلفة، يبدو أن الفولات يؤدي دورًا مهمًا في بعض الحالات.
كيف يصل حمض الفوليك إلى الجنين؟
في معظم حالات الحمل، ينقل بروتين يُسمّى مستقبل الفولات ألفا الفولات عبر المشيمة، من دم الأم إلى دم الجنين، حتى يصل إلى دماغه النامي. وغالبًا ما تتم هذه العملية بسلاسة، لكن الجهاز المناعي لدى بعض الأمهات ينتج أجسامًا مضادة ذاتية لمستقبل الفولات ألفا، تُعرف اختصارًا باسم FRAAs، تهاجم بروتينات نقل الفولات. وفي إحدى الدراسات، جاءت نتائج فحص 17 في المئة من النساء اللواتي كنّ يخططن للحمل إيجابية لهذه الأجسام المضادة.
يشرح جورج: «عندما ترتبط الأجسام المضادة الذاتية بمستقبل الفولات ألفا أو تعوقه، فإنها تمنع نقل الفولات عبر المشيمة. وهذا يعني أن كمية غير كافية من الفولات تصل إلى دماغ الجنين، حتى لو كانت الأم تتناول مكملات حمض الفوليك وكانت لديها كميات وفيرة من الفولات في دمها».
ويؤدي نقص الفولات الذي يصل إلى الجنين إلى زيادة خطر الإصابة باضطرابات النمو.
ما العلاقة بين حمض الفوليك واضطراب طيف التوحّد؟
يبحث جورج في كيفية ارتباط نقص الفولات الناجم عن الأجسام المضادة الذاتية لمستقبل الفولات ألفا باضطراب طيف التوحّد، وهو حالة نمائية عصبية تؤثر في طريقة تواصل الأشخاص وتفاعلهم مع العالم من حولهم.
وتُظهر أحدث الأرقام الصادرة عن المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها أن 3.2 في المئة من حالات الحمل في الولايات المتحدة تنتهي بولادة طفل مصاب باضطراب طيف التوحّد.
ويقول جورج: «لكن في دراسة حديثة، انتهى 60 في المئة من حالات الحمل التي كانت نتائج فحوص الأجسام المضادة الذاتية فيها إيجابية بولادة أطفال مصابين باضطراب طيف التوحّد، رغم تناول الأمهات حمض الفوليك أثناء الحمل».
وبالنسبة إلى الأمهات الحوامل اللواتي لديهن هذه الأجسام المضادة، قد لا يكون تناول مكملات حمض الفوليك كافيًا.
يقول جورج: «تُظهر الأبحاث أن حمض الفوليك الذي لم يخضع لعملية الأيض يتراكم في الدم، وقد يؤدي ذلك إلى تفاقم الالتهاب أو زيادة نشاط الجهاز المناعي. إن توجيه جميع النساء الحوامل إلى تناول الجرعة نفسها من حمض الفوليك يتجاهل حقيقة أن مجموعة كبيرة منهن لا تستطعن نقله عبر المشيمة، مما يعرّضهن وأطفالهن في طور النمو للخطر».
ويدرس جورج ما إذا كان شكل آخر من الفولات، يُسمّى الليوكوفورين، قد يكون خيارًا أفضل للأمهات اللواتي لديهن هذه الأجسام المضادة.
ما الليوكوفورين؟
يشرح جورج: «الليوكوفورين شكل من أشكال الفولات يشبه الفولات الذي نحصل عليه من الطعام. وهذا يعني أنه يأتي في صورة يستطيع الجسم استخدامها، على خلاف حمض الفوليك الذي يجب أن يخضع أولًا لعملية الأيض».
والأهم من ذلك أن الليوكوفورين يستطيع الوصول إلى الدماغ النامي ليس فقط عبر مستقبل الفولات ألفا، بل أيضًا من خلال بروتين ناقل مختلف يُسمّى ناقل الفولات المختزل. وهذا يتيح له عبور المشيمة حتى عندما تكون لدى الأم أجسام مضادة ذاتية لمستقبل الفولات ألفا.
تخيّل أن الدماغ النامي موقع بناء، وأن جزيئات الفولات هي عمال البناء. ينتقل هؤلاء العمال عادةً من الأم إلى الجنين عبر مستقبل الفولات ألفا، الذي يشبه طريقًا سريعًا واسعًا صُمّم لتسهيل وصولهم إلى موقع البناء. لكن بعض الأمهات لديهن أجسام مضادة ذاتية لمستقبل الفولات ألفا، تعمل مثل الحواجز على الطريق، فتمنع الفولات من المرور عبر المسار الرئيسي.
أما ناقل الفولات المختزل، فيشبه طريقًا ريفيًا بديلًا يتجاوز هذه الحواجز، ويستطيع الليوكوفورين سلوك هذا الطريق للوصول إلى موقع البناء.
عندما ينتقل الفولات عبر مستقبل الفولات ألفا، يتركز في المشيمة بمستوى يعادل ثلاثة أضعاف مستواه في دم الأم. أما ناقل الفولات المختزل، فلا يستطيع نقل الفولات إلى المشيمة إلا بكمية تجعل مستواه فيها مساويًا لمستواه في دم الأم. وهذا يعني أنه عند استخدام الليوكوفورين مكملًا للفولات، قد تكون هناك حاجة إلى تناوله بجرعات أعلى من جرعات حمض الفوليك، وفقًا لما يورده المقال.
كيف يمكن لليوكوفورين أن يساعد؟
على الرغم من أن كمية الفولات التي يمكن أن تمر عبر ناقل الفولات المختزل أقل من الكمية التي تمر عبر مستقبل الفولات ألفا، تشير أدلة حديثة إلى أن الليوكوفورين قد يؤثر إيجابيًا في نمو الدماغ خلال مراحله المبكرة.
ففي تجربة عشوائية محكومة، أُعطيت نساء حوامل جاءت نتائج فحوص الأجسام المضادة الذاتية لديهن إيجابية إما مكملات الليوكوفورين أو مكملات حمض الفوليك.
يقول جورج: «أظهرت النتائج أن تناول الليوكوفورين ارتبط بانخفاض ملحوظ في معدل الإصابة بالتوحّد، وبانخفاض شدة أعراض اضطراب طيف التوحّد لدى الأطفال. فقد انتهى 60 في المئة من حالات الحمل التي تناولت فيها الأمهات حمض الفوليك بولادة أطفال مصابين بالتوحّد، مقارنة بـ10 في المئة فقط من حالات الحمل التي تناولت فيها الأمهات الليوكوفورين».
ويمكن لليوكوفورين أيضًا أن يساعد في تحسين الأعراض لدى الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحّد الذين لديهم أجسام مضادة ذاتية لمستقبل الفولات ألفا.
ويقول جورج: «أظهر العلاج بالليوكوفورين لدى هذه الفئة تحسنًا ملموسًا في الأعراض المرتبطة بالتواصل الاجتماعي. ومع ذلك، فرغم قدرة الليوكوفورين على مساعدة بعض الأطفال المصابين بالتوحّد الذين لديهم مشكلات في مسار الفولات، فإنه ليس علاجًا شافيًا، كما أنه لا ينجح مع الجميع، إذ تشير التجارب إلى استفادة نحو نصف الأطفال المصابين بالتوحّد من العلاج».
ما الخطوات التالية في أبحاث جورج؟
على الرغم من النتائج المشجعة التي توصلت إليها الدراسات الحديثة، لا تزال هناك حاجة إلى مزيد من الأبحاث حول تأثيرات الليوكوفورين.
يوضح جورج: «ما زلنا لا نعرف من الأشخاص الذين قد يستجيبون لليوكوفورين. وهناك حاجة إلى إجراء تجارب عشوائية محكومة أكبر حجمًا، لتحديد ما إذا كان الليوكوفورين هو الخيار الأمثل لجميع حالات الحمل التي تكون نتائج فحوص الأجسام المضادة الذاتية فيها إيجابية، وكذلك لحالات التوحّد التي تظهر فيها هذه الأجسام المضادة».
ويشهد هذا المجال البحثي فترة مثيرة للاهتمام، إذ وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في أوائل عام 2026 على استخدام الليوكوفورين لعلاج أحد الأشكال الوراثية لنقص الفولات.
ويقول جورج: «توجد أيضًا أبحاث لتطوير اختبارات غير جراحية يمكنها الكشف عن المخاطر المرتبطة بالأجسام المضادة الذاتية لمستقبل الفولات ألفا أثناء الحمل وفي مرحلة الرضاعة. وهذه الاختبارات مهمة لأننا نعلم أن توفير الفولات اللازم في وقت مبكر يمكن أن يقلل مخاطر اضطرابات النمو قبل ظهور الأعراض أصلًا».
نبذة عن علوم الأعصاب
علوم الأعصاب مجال متعدد التخصصات يجمع بين الفيزياء وعلم الأحياء وعلم النفس والفلسفة لدراسة الدماغ والجهاز العصبي.
يقول جورج: «أحب علوم الأعصاب لأسباب عدة، أهمها أن الأسئلة التي ندرسها مثيرة للاهتمام لأنها تتعلق بهويتنا وطبيعتنا البشرية».
قد يدرس علماء الأعصاب الاضطرابات النمائية العصبية لفهم كيفية نشوئها، أو يستكشفون طرق علاج الأمراض التنكسية العصبية مثل الخرف، أو يبحثون في المبادئ الأساسية التي تحكم الجهاز العصبي، أو يدرسون العمليات الكامنة وراء أفكارنا ومشاعرنا وأفعالنا.
ويوضح جورج: «تتيح لي علوم الأعصاب استكشاف موضوعات فلسفية باستخدام أدوات من العلوم الفيزيائية. فعلى سبيل المثال، أستخدم أدوات على المستوى الخلوي أو الجزيئي، إلى جانب الدراسات السريرية، لمساعدتي على التفكير في أسباب حدوث الأشياء على النحو الذي نراه، وما الذي يمكن أن تخبرنا به هذه الأسباب».
وتُعد علوم الأعصاب مجالًا مثيرًا ومتغيرًا باستمرار. ويقول جورج: «تتغير باستمرار الطرق التي نستطيع من خلالها إجراء التجارب، وغالبًا ما يؤدي ذلك إلى ظهور أسئلة جديدة وطرائق مختلفة للنظر إلى الأمور، فضلًا عن اكتشاف إجابات جديدة».
وقد يكون يوم العمل المعتاد لعالم الأعصاب متنوعًا إلى حد كبير. ويقول جورج: «تتغير طبيعة الوقت الذي أقضيه في العمل على مدار العام. ففي يومي المعتاد خلال الفصل الدراسي، أدرّس المقررات، وأتفاعل مع الطلاب، وأتواصل مع زملائي العلماء، وأكتب الأوراق البحثية، وأقرأ».
المسار من المدرسة إلى دراسة علوم الأعصاب
خلال المرحلة الثانوية، احرص على دراسة الأحياء والكيمياء والفيزياء. وإذا أتيحت لك الفرصة، فادرس علم النفس أو الفلسفة أيضًا.
يقول جورج: «خلال دراستي الجامعية، تخصصت في الفيزياء، وجعلت الفلسفة تخصصًا فرعيًا. وعندما درست مقررًا في علوم الأعصاب، استمتعت باكتشاف كيفية اجتماع هذين المجالين، وأدركت أن معرفتي بالفيزياء يمكن استخدامها لتحسين صحة الناس».
وعند الالتحاق بالجامعة، يمكنك التفكير في الحصول على درجة البكالوريوس في علوم الأعصاب أو علم النفس أو علم الأحياء.
ويقول جورج: «إذا كنت مهتمًا بالعلوم، فاحرص على دراسة مجموعة متنوعة من المقررات العلمية. سيكون لكل مقرر منها قيمة بالنسبة إليك، وسيساعدك على تعلم كيفية التفكير من وجهات نظر مختلفة».
وبعد الحصول على درجة البكالوريوس، ستحتاج إلى إكمال درجة الدكتوراه إذا كنت ترغب في العمل في مجال البحث العلمي.
