يمكن إرجاع كثير من السمات التي تميّزنا، بما في ذلك اللغات التي نتحدث بها وطريقة تواصلنا مع الآخرين، جزئيًا على الأقل إلى تجاربنا الأولى في الحياة. وعلى الرغم من أن أدمغتنا تظل قابلة للتغيّر والتكيّف طوال حياتنا، يتفق معظم علماء الأعصاب على أن التغيرات التي تحدث داخل الرحم وفي السنوات القليلة الأولى بعد الولادة تُعد من أكثر التغيرات تأثيرًا، إذ تؤثر بدرجة كبيرة في احتمالات إصابتنا باضطرابات النمو والاضطرابات النفسية.
تقول كلوديا لوغو كانديلاس، عالمة النفس السريري في جامعة كولومبيا والمشاركة في تأليف مراجعة حول الأصول السابقة للولادة للأمراض النفسية نُشرت في دورية Annual Review of Clinical Psychology: «في بداية الحياة، لا يزال الدماغ في طور تشكيل نفسه». فمن مجموعة صغيرة جدًا من الخلايا الجذعية، يتطور الدماغ خلال تسعة أشهر فقط ليصبح عضوًا معقدًا يضم نحو 100 مليار خلية عصبية وتريليونات الوصلات العصبية. وتوضح لوغو كانديلاس أن ما يحدث داخل الرحم وبعد الولادة بفترة وجيزة، مقارنة بالتغيرات الأكثر دقة التي تطرأ على الدماغ في مراحل لاحقة من العمر، «يشبه بناء المنزل، في مقابل الانتهاء من إنشاء الشرفة».
لكن فهم كيفية سير هذه العملية تحديدًا، وأسباب اختلالها أحيانًا، ظل لغزًا يصعب كشفه، ويرجع ذلك إلى حد كبير إلى صعوبة رصد كثير من الأحداث الأساسية التي تحدث خلالها. أُجريت أولى فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لأدمغة الأجنة والرضّع في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، وسرعان ما استعان الأطباء بهذه التقنية لتشخيص التشوهات الكبيرة في بنية الدماغ. غير أن أدوات التصوير العصبي القادرة على الكشف بالتفصيل عن آليات عمل دماغ الرضيع، ورصد نشاط دماغ الجنين داخل رحم الأم، لم تظهر إلا في وقت أقرب. واليوم، تتيح هذه الأبحاث، إلى جانب الدراسات طويلة الأمد التي تتابع آلاف الأطفال كلًّا على حدة لسنوات، للعلماء اكتساب رؤى جديدة حول كيفية تطور الدماغ.
يقول داميان فير، عالم الأعصاب في جامعة مينيسوتا الذي يدرس اضطرابات النمو مثل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه، إن هذه التطورات دفعت الباحثين إلى مرحلة مختلفة تمامًا عن المرحلة التي كانوا فيها قبل خمس سنوات فقط.
حتى وقت قريب، تمثّل أحد التحديات الرئيسية في أن الجنين أو الرضيع حديث الولادة لا يستطيع البقاء ساكنًا داخل جهاز تصوير الدماغ، بخلاف الشخص البالغ. فالجنين يتحرك باستمرار داخل السائل الأمنيوسي المحيط به، كما يحب الأطفال حديثو الولادة التلوّي والتحرك واستكشاف البيئة المحيطة بهم. وفي الماضي، كان الباحثون والأطباء يضطرون في كثير من الأحيان إلى إجراء فحوصات متعددة تستغرق وقتًا طويلًا وتكلّف مبالغ كبيرة للحصول على صورة جيدة. وأحيانًا كانوا يلجؤون إلى تخدير الأطفال والحوامل لتقليل الحركة، وهي طريقة تغيّر وظائف الدماغ وقد تنطوي على مخاطر صحية.
لكن تقنيات التصوير والحوسبة الجديدة، التي تحدّ من التشوهات الناتجة عن الحركة المستمرة، سهّلت جمع البيانات من الأجنة والرضّع. وتشمل هذه التقنيات برمجيات طوّرتها شركة شارك في تأسيسها فير، وقد أسهمت هذه التطورات في تنشيط هذا المجال البحثي.
التعمّق في نمو الدماغ قبل الولادة
بدأت الأبحاث الجديدة تكشف ملامح النمو الطبيعي للدماغ، وتقدّم مؤشرات على كيفية نشوء حالات غير نمطية مثل التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
فعلى سبيل المثال، في دراسة رائدة من نوعها نُشرت عام 2017، استخدم فريق من الباحثين بقيادة عالمة أعصاب الأطفال موريا تومسون، التي تعمل حاليًا في جامعة نيويورك، التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لدراسة أنماط التواصل العصبي بين مناطق الدماغ لدى 32 جنينًا. وكانت نصف النساء الحوامل المشاركات في الدراسة معرّضات لخطر مرتفع للولادة المبكرة، وانتهى الأمر بولادة 14 من الأطفال قبل الأوان.
تُعد الولادة المبكرة عامل خطر معروفًا للمشكلات المعرفية والعاطفية التي قد تظهر في مراحل لاحقة من الحياة. لكن تحديد ما إذا كانت هذه المشكلات ناتجة عن صدمة الولادة المبكرة، التي قد تترافق مع إصابات الدماغ ونقص الأكسجين، أم عن اختلافات دماغية موجودة مسبقًا وتبدأ داخل الرحم، ظل أمرًا صعبًا على العلماء.
قدّمت دراسة تومسون أول دليل على أن هذه المشكلات تبدأ قبل الولادة.
فقد أظهرت فحوصات الأجنة التي كان من المتوقع أن يولدوا مبكرًا أن نشاط أدمغتهم يشير إلى ضعف التواصل بين مناطق دماغية مختلفة، مقارنة بالأجنة الذين استمر الحمل بهم حتى موعد الولادة الطبيعي. والأكثر لفتًا للانتباه أن العلماء رصدوا تغيرات في التواصل العصبي داخل شبكات تدعم اللغة لاحقًا، بما في ذلك مركز لغوي يقع في الجانب الأيسر من الدماغ.
ومنذ ذلك الحين، وجد الباحثون مزيدًا من الأدلة على حدوث اضطرابات في نمو الدماغ قبل الولادة لدى الأطفال الذين يولدون مبكرًا. ففي عام 2021، على سبيل المثال، اكتشفت مجموعة أخرى من الباحثين أن 24 رضيعًا وُلدوا قبل الأوان كانت لديهم أحجام دماغية أصغر وكميات أقل من السائل الدماغي الشوكي وهم لا يزالون داخل الرحم، مقارنة بمجموعة من الأجنة الذين استمر الحمل بهم حتى موعد الولادة الطبيعي.
كما أظهرت دراسات متعددة أن النساء اللواتي ولدن أطفالهن قبل الأوان كانت لديهن مستويات مرتفعة من الالتهاب الناتج عن عدوى بكتيرية أو فيروسية في السائل الأمنيوسي وأنسجة المشيمة.
وتضيف هذه النتائج إلى الأدلة المتزايدة على أن العمليات الالتهابية التي تحدث أثناء الحمل قد تغيّر نمو دماغ الجنين. فعلى سبيل المثال، أظهرت دراسات واسعة النطاق شملت أعدادًا كبيرة من السكان أن الأمهات اللواتي أُصبن بعدوى شديدة أثناء الحمل يواجهن ارتفاعًا طفيفًا في احتمال إنجاب طفل مصاب بالتوحّد، على الرغم من أن العلماء لم يتأكدوا بعد من أن العدوى السابقة للولادة وحدها قادرة فعلًا على التسبب في التوحّد.
تركّز أبحاث لوغو كانديلاس على كيفية تأثير التوتر الذي تشعر به المرأة الحامل، والأحداث التي تمر بها في حياتها، والاكتئاب والقلق، في نمو الدماغ خلال مراحله المبكرة. وقد وجدت دراسات عديدة أن ارتفاع مستويات القلق والاكتئاب لدى الأم أثناء الحمل يرتبط بزيادة احتمال إصابة الطفل باضطراب نفسي في مراحل لاحقة من حياته إلى الضعف.
وتقول لوغو كانديلاس: «إذا كانت المخاطر تبدأ في مرحلة أبكر من النمو، فهذا يعني أيضًا أن هناك فرصة للتدخل في وقت أبكر مما كنا نعتقد». لكنها تضيف أن العلماء لا يزالون يعملون على فهم الآليات التي تقف وراء ارتفاع هذه المخاطر، وتحديد عوامل التوتر الأكثر تأثيرًا، ومعرفة متى ينبغي التدخل وكيفية القيام بذلك.
علاوة على ذلك، تؤكد لوغو كانديلاس أن الأمراض النفسية أو مشكلات النمو لا تنتج عن عامل واحد، شأنها في ذلك شأن كثير من عوامل الخطر الأخرى أثناء الحمل. وتقول: «إنها مجموعة من المخاطر الصغيرة». وتشدد على أن التعرض لأي من هذه العوامل أو التجارب المبكرة لا يحدد مصير الطفل بصورة حتمية. وتوضح: «قد يتعرض أطفال قبل الولادة لمجموعة من العوامل التي نعتقد أنها قد تزيد خطر الإصابة بمرض نفسي، ثم يولدون من دون أي اضطراب على الإطلاق، وقد لا يصابون به أبدًا».
ويكشف هذا التعقيد عن أحد أكبر التحديات التي تواجه دراسة الدماغ النامي، وهو أن النتائج المتشابهة، مثل التوحّد أو الفصام، قد تكون لها أسباب عصبية كامنة متعددة. فعلى سبيل المثال، يعاني بعض المصابين بالتوحّد من زيادة الترابط بين مناطق دماغية معينة مقارنة بالأشخاص ذوي النمو العصبي النمطي، بينما يعاني آخرون من انخفاض هذا الترابط. ولذلك، لا توجد بصمة عصبية واحدة تميّز هذه الحالة.
الوصلات الدماغية بوصفها «بصمات عصبية»
يتمثل النهج الذي يتبعه فير لمعالجة هذه المشكلة في تحديد ما يسميه «البصمات الوظيفية»، وهي أنماط فريدة لكل فرد توضّح كيفية تواصل مناطق الدماغ المختلفة بعضها مع بعض عندما يكون الشخص في حالة راحة داخل جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي.
رصد فير هذه البصمات العصبية لدى البالغين لأول مرة عام 2014، ثم أثبت لاحقًا أن الأطفال يمتلكونها أيضًا. واكتشف هو وزملاؤه أن هذه الأنماط تتسم بدرجة مدهشة من التشابه داخل العائلات، حتى عبر الأجيال، مما يشير إلى أن بعض أنواع الترابط بين مناطق الدماغ موروثة جزئيًا على الأقل.
وفي العام الماضي، نشر فير أدلة تُظهر أن الأطفال الذين يبلغون ثمانية أشهر من العمر يمتلكون هذه البصمات العصبية أيضًا. كما وجد أن بعض عناصر البصمة، مثل مقدار التداخل في التواصل بين المناطق المسؤولة عن وظائف مثل الانتباه والحركة، يمكن أن تساعد في التنبؤ بالعمر الدقيق للرضيع، حتى ضمن نطاق بضعة أشهر.
وفي الوقت نفسه، تشير دراسات التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي التي أجرتها تومسون على دماغ الجنين إلى أن أنماط الترابط العصبي المميزة هذه تبدأ في الظهور خلال الثلثين الثاني والثالث من الحمل، بما في ذلك الدوائر العصبية التي ستتحكم لاحقًا في التعلم والذاكرة والعاطفة.
وتستخدم تومسون وباحثون آخرون حاليًا تقنيات التصوير العصبي لدراسة كيفية تأثير مجموعة متنوعة من التجارب السابقة للولادة في نمو هذه الدوائر العصبية، بدءًا من إصابة الأم بكوفيد 19، وصولًا إلى تعاطي القنب.
إن قدرة العلماء على اكتشاف أنماط نشاط الدماغ المميزة هذه في مرحلة مبكرة جدًا تشير، في رأي فير وغيره من الباحثين، إلى أن جزءًا كبيرًا مما يجعلنا ما نحن عليه يكون قد تشكّل بالفعل بحلول وقت الولادة، على الرغم من استمرار تجاربنا وما نتعرض له من عوامل في تشكيلنا طوال الحياة.
ومع ذلك، نظرًا إلى تعدد العوامل التي تؤثر في دماغ كل رضيع، يرى فير وزملاؤه، في مقال نُشر عام 2021 في دورية Annual Review of Developmental Psychology، أن الباحثين سيحتاجون إلى بيانات تصويرية طويلة الأمد لآلاف الأطفال، حتى يتمكنوا من تكوين فهم موثوق لما يبدو عليه النمو «النمطي» للدماغ.
وفي نهاية المطاف، قد تساعد أدوات التصوير الأطباء والباحثين على مراقبة تطور دماغ الرضيع، ورصد العلامات التي قد تنذر بظهور مشكلات مستقبلية، وتطوير تدخلات وعلاجات مبكرة ومخصّصة لحالات مثل التوحّد، كما يضيف فير.
وفي الوقت الراهن، ترى لوغو كانديلاس أننا نعرف بالفعل ما يكفي لاتخاذ خطوات عملية. وتقول: «أشعر بثقة كبيرة بأن التدخلات التي تقلل الضيق النفسي أثناء الحمل بفاعلية، مثل إجازة الأمومة مدفوعة الأجر، ستكون مفيدة للجيل القادم».
وتشير إلى أن ذلك قد يؤدي إلى نتائج أفضل في المدرسة ومجالات أخرى، مثل الصحة النفسية، بما يترك آثارًا تمتد طوال حياة الإنسان. وتختتم قائلة: «لكنني لا أعتقد أننا أحسنّا حتى الآن قياس طبيعة هذه النتائج، أو فهم الآليات التي تؤدي إليها».
