القائمة الرئيسية

العلاج المغناطيسي للاكتئاب يكتسب مزيدًا من الدقة

العلاج المغناطيسي للاكتئاب يكتسب مزيدًا من الدقة
ملخص المقال

التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS) هو تقنية غير جراحية لعلاج الاكتئاب، أثبتت فعالية متوسطة منذ الموافقة عليها في عام 2008. تعتمد التقنية على توجيه نبضات مغناطيسية لتحفيز مناطق معينة في الدماغ، مثل القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية (DLPFC)، بهدف إعادة تنظيم الدوائر العصبية المضطربة. وفي تطور نوعي، أظهرت الدراسات الحديثة -خاصة تلك التي تستخدم التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI) لتحديد النقاط المستهدفة بدقة لكل مريض على حدة- نتائج واعدة للغاية، حيث وصلت معدلات التعافي إلى 79% لبعض حالات الاكتئاب المقاوم للعلاج في غضون خمسة أيام. يُعد هذا النهج أكثر دقة وأقل آثارًا جانبية من العلاجات التقليدية مثل العلاج بالصدمات الكهربائية، ويمثل خطوة نحو الطب الدقيق في علاج الأمراض النفسية. ومع ذلك، لا تزال هناك حاجة لمزيد من الأبحاث لفهم آلياته الكاملة، وفصل تأثير الدواء الوهمي، وتوسيع نطاق تطبيقه ليشمل فئات أوسع من المرضى.

في منتصف سبعينيات القرن العشرين، أراد باحث بريطاني يُدعى أنتوني باركر قياس سرعة انتقال الإشارات الكهربائية عبر الأعصاب الطويلة والرفيعة التي تنقل الإشارات من الدماغ إلى العضلات، مثل عضلات اليد، لتحفيزها على الحركة. ولتحقيق ذلك، احتاج إلى وسيلة لتحفيز الأعصاب لدى البشر.

كان الباحثون قد استخدموا بالفعل أقطابًا كهربائية توضع على الجلد لتوليد مجال مغناطيسي يخترق أنسجة الجسم، مما يؤدي إلى توليد تيار كهربائي ينشّط الأعصاب الطرفية في الأطراف. لكن هذه التقنية كانت مؤلمة وتتسبب في حروق جلدية. لذلك، بدأ باركر، الذي كان يعمل في جامعة شيفيلد بإنجلترا، وزملاؤه البحث عن طريقة أفضل.

في عام 1985، وبعد تحقيق نتائج أولية واعدة، جرّب الباحثون وضع الجهاز المغناطيسي ذي الشكل الملفوف الذي طوروه على رؤوس المشاركين. وكان الملف يصدر نبضات مغناطيسية متناوبة بسرعة فوق منطقة الدماغ المسؤولة عن التحكم في الحركة، مما يولّد تيارات كهربائية ضعيفة داخل أنسجة الدماغ وينشّط الخلايا العصبية التي تتحكم في عضلات اليد. وبعد نحو 20 مللي ثانية، كانت أصابع المشاركين ترتعش بصورة لا إرادية.

أصبحت هذه التقنية تُعرف اليوم باسم التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة (TMS)، وقد أثبتت أنها أداة أساسية لفهم كيفية عمل الدماغ البشري. فعند توجيه التحفيز إلى مناطق محددة من الدماغ، يمكن لهذه التقنية تثبيط وظائف مختلفة أو تعزيزها بصورة مؤقتة، مثل تعطيل القدرة على الكلام أو تسهيل حفظ سلسلة من الأرقام. وعندما ظهرت تقنيات تصوير الدماغ، مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي (fMRI)، في تسعينيات القرن العشرين، أصبح بإمكان الباحثين «رؤية» ما يحدث داخل أدمغة الأشخاص أثناء تلقيهم التحفيز المغناطيسي. كما تمكنوا من ملاحظة اختلاف استجابة المسارات العصبية للتحفيز لدى المصابين بأمراض نفسية، مثل الفصام والاكتئاب.

أسفرت هذه الأبحاث الأساسية، على مدى العقود الأخيرة، عن تطوير علاجات جديدة تُحدث تغييرات في نشاط الدماغ، وفي مقدمتها علاجات الاكتئاب باستخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة. ففي عام 2008، وافقت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على جهاز نيوروستار (NeuroStar)، ليصبح أول جهاز للتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة لعلاج الاكتئاب في الولايات المتحدة. ومنذ ذلك الحين، أجازت دول عديدة أخرى استخدام هذا النهج العلاجي.

ومع أن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة أصبح علاجًا متاحًا على نطاق واسع للاكتئاب، لا تزال هناك أسئلة كثيرة بشأنه. فعلى سبيل المثال، لا يزال من غير الواضح المدة التي يمكن أن تستمر خلالها فوائده، أو سبب نجاحه مع بعض المصابين بالاكتئاب دون غيرهم. ويتمثل أحد التحديات الأخرى في الفصل بين تأثيرات التحفيز المغناطيسي وتأثير الدواء الوهمي، الذي يحدث عندما يعتقد الشخص أن العلاج سيفيده، فتتحسن حالته رغم تلقيه شكلًا زائفًا من التحفيز لا يتضمن التأثير العلاجي الفعلي.

يقول ديفيد بيتشر، عالم الأعصاب الإدراكي في جامعة يورك، الذي نشر مراجعة علمية عام 2021 في دورية Annual Review of Psychology حول استخدام التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة لدراسة الإدراك البشري: «لا يزال السؤال عما إذا كان التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة قادرًا على شفاء الاكتئاب مفتوحًا، فهناك أدلة تؤيد ذلك وأخرى تعارضه».

ومع ذلك، ومع استمرار الباحثين في تحسين هذه التقنية وإجراء تجارب سريرية أكثر تطورًا، يبرز التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة بوصفه أداة قوية لفهم تعقيدات الاكتئاب، ومساعدة بعض المصابين به على التحرر من قبضته.

من الأسماك الكهربائية إلى المغناطيس

قد يبدو التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة تقنية حديثة نسبيًا، لكن استخدام الكهرباء في العلاج يعود إلى العصور القديمة. ففي وقت مبكر من القرن الأول الميلادي، أوصى أطباء رومانيون باستخدام أسماك الرعاد الكهربائية الحية لعلاج الصداع. وبعد نحو ألفي عام، وتحديدًا في ثلاثينيات القرن العشرين، اكتشف الأطباء أن إحداث نوبات تشنجية في الدماغ باستخدام الكهرباء يمكن أن يخفف أعراض الفصام وغيره من الاضطرابات النفسية.

كانت تلك بداية العلاج بالتخليج الكهربائي (ECT)، الذي عُرف بصورة انتقادية باسم «العلاج بالصدمات الكهربائية». وسرعان ما انتشر هذا العلاج رغم ما ينطوي عليه من مخاطر، مثل فقدان الذاكرة والارتباك والإصابات الناجمة عن التشنجات العضلية. كما أثار تقديم العلاج من دون إطلاع المرضى بصورة كاملة على طبيعته ومخاطره مخاوف أخلاقية، في وقت كان فيه القطاع الطبي بأكمله يواجه تساؤلات جدية بشأن هذه الممارسات.

وفي نهاية المطاف، أسهم استخدام مرخيات العضلات والتخدير وبروتوكولات الموافقة الأكثر صرامة في تحسين العلاج بالتخليج الكهربائي، رغم استمرار الإبلاغ عن آثار جانبية، مثل الصداع وفقدان مؤقت للذاكرة قصيرة المدى. ولا يزال هذا العلاج أحد أكثر الخيارات فعالية للأشخاص الذين لا يستجيبون للعلاجات الأولية للاكتئاب، مثل مثبطات استرداد السيروتونين الانتقائية (SSRIs)، وهي مجموعة من الأدوية تشمل زولوفت وبروزاك.

لكن هذه الأدوية والعلاج بالتخليج الكهربائي يصعب التحكم في تأثيراتهما بدقة، لأنهما يؤثران في الدماغ بأكمله. ومن بين الأساليب الأكثر استهدافًا التحفيز العميق للدماغ (DBS)، الذي يعتمد على تحفيز الخلايا العصبية مباشرة باستخدام أقطاب كهربائية تُزرع جراحيًا في مناطق معروفة بتأثيرها في المزاج والدافعية. وقد أظهرت الدراسات الأولية نتائج واعدة لهذا النهج، وحصل على موافقة للاستخدام البحثي في عام 2022، لكنه لم يحصل بعد على الموافقة السريرية.

وعلى النقيض من ذلك، لا يتطلب التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة تدخلًا جراحيًا، كما أن آثاره الجانبية أقل من تلك المرتبطة بالعلاج بالتخليج الكهربائي، وفقًا لألفارو باسكوال ليوني، اختصاصي طب الأعصاب في كلية الطب بجامعة هارفارد. ورغم أن توجيه التحفيز المغناطيسي إلى منطقة محددة من الدماغ ليس بالسهولة نفسها التي يوفرها التحفيز العميق للدماغ، فإنه أكثر دقة بكثير من الأدوية المضادة للاكتئاب أو العلاج بالتخليج الكهربائي.

بدأ باسكوال ليوني دراسة استخدام التحفيز المغناطيسي لعلاج اضطراب الاكتئاب الشديد في أوائل تسعينيات القرن العشرين. وقد أثارت التقنية اهتمامه لقدرتها على توجيه التحفيز إلى مناطق محددة دون تدخل جراحي، فضلًا عن محدودية آثارها الجانبية وانخفاض شدتها نسبيًا. وتشمل هذه الآثار عادة الشعور بعدم الراحة في فروة الرأس والوخز والتشنجات العضلية الخفيفة والدوار، بينما تشمل الآثار النادرة حدوث نوبات تشنجية وفقدان السمع.

ورغم أن آليات عمل هذه التقنية لم تُفهم بالكامل بعد، يبدو أن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة يعمل على إعادة تنظيم الدوائر العصبية، مما يساعد على استعادة أنماط التواصل الأكثر طبيعية بين مناطق الدماغ المختلفة، بحسب نوح إس. فيليب، الطبيب النفسي في جامعة براون، الذي يبحث في استخدام التحفيز المغناطيسي لعلاج الاكتئاب.

أظهرت دراسات التصوير العصبي أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب غالبًا ما يعانون، في حالة الراحة، انخفاضًا في مستوى النشاط بمنطقة من الدماغ تُعرف باسم القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية (DLPFC)، مقارنة بالأشخاص غير المصابين بالاكتئاب. ويقول فيليب إن هذه المنطقة تُعد أحد المواقع الرئيسية المستهدفة بالعلاج باستخدام التحفيز المغناطيسي.

وتؤدي هذه المنطقة دورًا محوريًا في الذاكرة قصيرة المدى والتخطيط والاستدلال المجرد، كما ترتبط بعدة دوائر عصبية لها صلة بالاكتئاب، منها شبكة البروز، التي تساعد على تركيز الانتباه على بعض الأمور وتجاهل غيرها؛ وشبكة الوضع الافتراضي، التي تنشط عندما لا يكون الشخص منشغلًا بمهمة محددة؛ والشبكة التنفيذية، التي تؤدي دورًا أساسيًا في التخطيط واتخاذ القرارات والتحكم في الاندفاعات. وتدعم هذه الدوائر مجتمعة قدرتنا على التركيز على المعلومات ذات الصلة، وتحويل انتباهنا بين التفكير الموجّه نحو الذات والعالم المحيط بنا.

يعتقد العلماء أن اضطراب التواصل بين هذه الشبكات قد يؤدي إلى الاجترار الفكري المستمر، والنقد الذاتي، والميل إلى التركيز المفرط على الجوانب السلبية في الحياة، وهي أنماط شائعة لدى المصابين بالاكتئاب.

وباستخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي لقياس كيفية تواصل العقد العصبية داخل هذه الشبكات قبل التحفيز المغناطيسي وبعده، توصل فيليب وباحثون آخرون إلى أن تلقي جلسات متعددة من التحفيز المغناطيسي يمكن أن يعيد النشاط العصبي إلى أنماط أقرب إلى الطبيعي. ويشير فيليب إلى أن هذه التغيرات قد تستمر لأكثر من عام، وربما يمكن الحفاظ عليها مدة أطول من خلال تلقي جلسات علاجية إضافية.

ويرجح فيليب أن استمرار آثار التحفيز المغناطيسي يعود إلى إعادة تشكيل الروابط العصبية، نتيجة تغيرات مجهرية تطرأ على خلايا الدماغ. وقد أظهرت الدراسات أن التحفيز المغناطيسي يمكن أن يحفز الخلايا العصبية على إنبات تغصنات جديدة، وهي امتدادات متفرعة تستقبل الإشارات من الخلايا العصبية الأخرى.

وجدت إحدى التجارب السريرية المبكرة أن الأشخاص المصابين باكتئاب شديد الذين تلقوا جلسات يومية من التحفيز المغناطيسي على مدى عدة أسابيع كانوا أكثر عرضة للوصول إلى مرحلة التعافي من الأعراض بما يصل إلى أربعة أضعاف مقارنة بالمشاركين في المجموعات الضابطة، الذين وُضع جهاز التحفيز المغناطيسي على رؤوسهم دون تلقي التحفيز الفعلي.

وفي دراسات لاحقة لم تتضمن مجموعات ضابطة، أي إن المرضى والأطباء كانوا يعلمون أن العلاج يُقدَّم بالفعل، وصل ما بين 30 و40 في المئة من المرضى الذين لم تتحسن حالتهم باستخدام الأدوية إلى مرحلة التعافي من الأعراض. ويُعرَّف التعافي هنا بالحصول على درجة منخفضة في أحد مقاييس الاكتئاب المعتمدة، مثل مقياس هاملتون لتقدير الاكتئاب. وتتوافق هذه النسبة تقريبًا مع نسبة الأشخاص الذين يستجيبون بصورة جيدة للأدوية المضادة للاكتئاب، وفقًا لمراجعة علمية نُشرت عام 2013 في دورية Current Opinion in Psychiatry.

ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة كثيرة تحتاج إلى إجابات، من بينها ما إذا كان استهداف مناطق محددة من الدماغ لدى كل مريض على حدة يمكن أن يحقق نتائج أفضل.

يقول باسكوال ليوني: «يشعر بعض المصابين بالاكتئاب بالحزن، بينما يعاني آخرون بدرجة أكبر من انعدام الدافعية أو اللامبالاة. وهناك أشخاص يأكلون أكثر من اللازم، في حين يأكل آخرون أقل من اللازم». ويرى أن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة يمتلك إمكانية استهداف هذه الاختلافات الفردية، على خلاف العلاجات الأكثر عمومية.

تحفيز الدماغ المصمم خصيصًا لكل فرد

في العديد من العيادات والمختبرات البحثية، تُعد عملية تحديد الموضع المناسب لوضع ملفات التحفيز المغناطيسي على رأس الشخص بسيطة نسبيًا. وتعتمد الطريقة المعتمدة من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية على مبدأ يعود إلى تجارب باركر الأصلية. إذ يمد المشارك إبهامه إلى الخارج كما يفعل الشخص الذي يطلب توصيلة على الطريق، ثم يحرك الفنيون الملف المغناطيسي فوق فروة رأسه حتى يصل التحفيز الكهربائي إلى جزء من القشرة الحركية يؤدي تنشيطه إلى ارتعاش الإبهام بصورة لا إرادية. وبعد تحديد هذا الموضع بوصفه نقطة مرجعية، ينقل الفنيون الملف إلى موقع يستهدف القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية اليسرى.

تُظهر هذه الطريقة فعالية متوسطة، لكن كثيرًا من الباحثين يعتقدون أنها لا تأخذ في الحسبان بصورة كافية الاختلافات الكبيرة بين الأفراد في بنية الدماغ.

ولذلك، يتجه العلماء بصورة متزايدة إلى استخدام التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي وتقنيات تصوير الدماغ الأخرى لتكييف التحفيز المغناطيسي مع البنية الفريدة لدماغ كل شخص، ومراقبة تأثيره في أنماط النشاط العصبي لديه.

يقول بيتشر، من جامعة يورك: «من التطورات المثيرة خلال السنوات العشر الماضية في مجال التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة استخدامه مع المرضى، ثم تصوير أدمغتهم بالأشعة العصبية لدراسة التغيرات في الترابط بين القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية والمناطق التي نعرف أنها ترتبط بها».

ويُعد فريق من الباحثين في جامعة ستانفورد، بقيادة الطبيب النفسي نولان ويليامز، مدير مختبر تحفيز الدماغ في الجامعة، أحد الفرق التي تعمل على تطوير هذا النهج المتكامل.

في دراسة صغيرة أُجريت عام 2021، استخدم الفريق صور الرنين المغناطيسي الوظيفي، التي تقيس التغيرات في تدفق الدم المرتبطة بنشاط الدماغ، لتحديد منطقة فرعية صغيرة داخل القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية لدى كل مريض على حدة.

يُظهر نشاط هذه المنطقة الفرعية علاقة عكسية بنشاط منطقة أخرى في الدماغ تُعرف باسم القشرة الحزامية تحت الركبية (SGC). فعند الأشخاص الذين يعانون الاكتئاب، يرتفع نشاط القشرة الحزامية تحت الركبية، بينما ينخفض نشاط المنطقة الفرعية من القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية. وعلى العكس، كلما ازداد نشاط العقدة العصبية في المنطقة المستهدفة من القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية، انخفض نشاط القشرة الحزامية تحت الركبية.

ويبدو أن القشرة الحزامية تحت الركبية تؤثر بدورها في شبكة الوضع الافتراضي، مما يُبقي الأشخاص عالقين في أنماط سلبية من الاجترار الفكري المرتبط بالذات.

في دراسة ستانفورد، استهدف ويليامز وزملاؤه المنطقة الفرعية من القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية لدى 29 شخصًا يعانون ما يُعرف بالاكتئاب المقاوم للعلاج. وقد صُنفت درجات الاكتئاب لديهم ضمن النطاق المتوسط إلى الشديد وفقًا لتقييم معياري يأخذ في الحسبان استجاباتهم للعلاجات السابقة للاكتئاب، إلى جانب مدة الأعراض وشدتها.

خضعت المجموعة لنظام علاجي تجريبي مكثف ومتسارع، تضمن أكثر من جلسة تحفيز مغناطيسي واحدة يوميًا. وللتحكم في التأثير المحتمل للدواء الوهمي، جرى توزيع بعض المشاركين عشوائيًا لتلقي تحفيز زائف، يصدر أصواتًا ويولد إحساسًا مشابهًا للتحفيز المغناطيسي الحقيقي، لكنه لا يرسل النبضات الكهرومغناطيسية العلاجية.

بعد خمسة أيام من العلاج، وصل 79 في المئة من المشاركين الذين تلقوا التحفيز المغناطيسي الموجّه إلى مرحلة التعافي من الأعراض، مقارنة بـ13 في المئة من أفراد المجموعة الضابطة.

كما لاحظ الفريق أن تحفيز المنطقة من القشرة أمام الجبهية الظهرية الجانبية الأكثر ارتباطًا بالقشرة الحزامية تحت الركبية يعيد تنظيم الروابط ذات الصلة بين المناطق الثلاث. ويقول ويليامز: «يمكنك ملاحظة ذلك عند إجراء التصوير للأشخاص بعد العلاج».

كان تومي فان بروكلين، أحد المشاركين في الدراسة، في أوائل الستينيات من عمره، وقد عانى الاكتئاب نحو 45 عامًا. وخلال السنوات الأخيرة، توقف الدواء الذي كان يتناوله عن تحقيق الفائدة المرجوة.

وعن العلاج الذي استمر خمسة أيام، مازح قائلًا إنه جعله يشعر «وكأن نقار خشب ينقر على شجرة»، في إشارة إلى أصوات الطرق التي يصدرها جهاز التحفيز المغناطيسي. لكنه لاحظ تغيرًا في مزاجه في اليوم الثالث، وقال: «بدا وكأن كل شيء بدأ يتحرك وينتظم من جديد، وكان ذلك شعورًا جيدًا».

يعتقد الباحثون أن هذا النهج الذي يكيّف علاج التحفيز المغناطيسي وفقًا للخصائص الفردية للدماغ قد يشكل تدخلًا سريعًا وفعالًا للمرضى الذين يعانون ميولًا انتحارية.

وفي عام 2022، اجتازت طريقة ويليامز عقبة تنظيمية مهمة، إذ منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية الإذن بتسويقها تجاريًا.

ويقول ويليام تي. ريجنولد، مدير وحدة بحثية تدرس التعديل العصبي غير الجراحي في المعهد الوطني الأمريكي للصحة النفسية، إن تحقيق معدلات مرتفعة من التعافي بعد خمسة أيام فقط من العلاج يُعد أمرًا مثيرًا، ولا سيما أن هذا التدخل عملي نسبيًا. ويجري ريجنولد وزملاؤه حاليًا تجربة سريرية تبحث في التغيرات التي تطرأ على نشاط الدماغ لدى المصابين باكتئاب شديد يتلقون التحفيز المغناطيسي إلى جانب العلاج النفسي بالكلام.

ويقول: «الفكرة هي تحقيق تأثير تآزري بين العلاج النفسي والتحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة».

ويرى باسكوال ليوني أن نجاح دراسة ستانفورد في تكييف العلاج وفقًا للتشريح الدماغي لكل شخص «يتوافق إلى حد كبير مع مفاهيم الطب الدقيق، التي تقوم على تصميم تدخلات علاجية تستهدف كل فرد على حدة».

لكن لا يزال أمام الباحثين الكثير من العمل. ومن التحديات العاجلة تحديد مقدار الفائدة الناتجة عن التحفيز الفعلي وفصلها عن تأثير الدواء الوهمي، إذ تشير بعض الأبحاث إلى أن هذا التأثير يسهم في التحسن الذي يلاحظه كثير من الأشخاص بعد تلقي التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة.

ولا تقتصر هذه المشكلة على تقنيات تحفيز الدماغ، بل تشترك فيها جميع علاجات الاكتئاب. فعلى سبيل المثال، وجدت عدة تحليلات تلوية درست تأثير الدواء الوهمي في الأدوية المضادة للاكتئاب أن الأشخاص الذين يتناولون أقراصًا غير فعالة قد يشهدون تحسنًا في أعراضهم بنسبة تتراوح بين 20 و40 في المئة، ويُقاس هذا التحسن عادة باستخدام واحد من عدة استبيانات ومقاييس معيارية.

بدأت مجموعات بحثية تحقق نتائج أكثر وضوحًا وإثارة للإعجاب باستخدام صور الدماغ لتوجيه التحفيز الفردي، على غرار ما فعله فريق ستانفورد. لكنها ستحتاج إلى إجراء مزيد من الدراسات لمعرفة ما إذا كان التحفيز المغناطيسي سيحقق نجاحًا مماثلًا لدى أعداد أكبر من المرضى، وكذلك لدى فئات مثل المراهقين وكبار السن والأشخاص الذين يعانون حالات غالبًا ما تصاحب الاكتئاب، مثل القلق واضطراب ما بعد الصدمة.

وتجري بعض المختبرات تجارب على تصميم أجهزة التحفيز المغناطيسي نفسها، من خلال مقارنة الملفات المغناطيسية التي تتخذ شكل الرقم ثمانية بأخرى تشبه أجنحة الفراشة، على سبيل المثال. كما تختبر هذه المختبرات تغيير تردد التحفيز لمعرفة كيفية تأثيره في نشاط الدماغ والنتائج العلاجية.

ومع ذلك، لا تزال هناك أسئلة أساسية كثيرة بشأن التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة. فعلى الرغم من معرفة العلماء أن هذه التقنية تعطل أنماط إطلاق الإشارات العصبية الطبيعية، يقول بيتشر: «إننا لا نفهم حقًا الآلية التي يعمل بها التحفيز المغناطيسي لتغيير حالات الدماغ، مثل المزاج».

ويعود أحد أسباب ذلك، بحسب بيتشر، إلى أن الباحثين لا يستطيعون تسجيل النشاط الكهربائي لخلية عصبية واحدة لدى الإنسان وإجراء التحفيز المغناطيسي في الوقت نفسه. كما لا يزال من غير الواضح سبب قدرة ترددات معينة من التحفيز المغناطيسي على زيادة النشاط في بعض مناطق الدماغ، بينما تؤدي إلى خفضه في مناطق أخرى، أو كيفية تأثير الروابط العصبية الجديدة التي يحفزها العلاج في شبكات الدماغ المختلفة.

ويقول باسكوال ليوني: «لحسن الحظ، يمكننا إجراء هذه الأبحاث ودفع عجلة العلم إلى الأمام، بينما نساعد الأشخاص الذين يعانون أمراضًا تعيق حياتهم. إنه موقع مذهل بحق أن نكون فيه».

مقالات ذات صلة