يشهد العالم اليوم ثورة غير مسبوقة في الاقتصاد بفضل الذكاء الاصطناعي، الذي يقدّم فرصًا هائلة للابتكار والإنتاجية وريادة الأعمال. ومع ذلك، فإن هذه الثورة تحمل في طياتها أيضًا مخاطر كبيرة، لا سيما بالنسبة للشباب الذين يسعون لإطلاق مشاريعهم الخاصة.
التحديات التي تواجه رواد الأعمال الشباب
تشير توقعات المنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن التقنيات الناشئة، بما فيها الذكاء الاصطناعي، قد تخلق نحو 170 مليون وظيفة جديدة حول العالم بحلول عام 2030، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى فقدان حوالي 92 مليون وظيفة. هذا ما يُعرف بـ ""التدمير الإبداعي""، إذ يمكن لهذه التقنيات أن تدفع جيلًا جديدًا من رواد الأعمال الشباب نحو آفاق جديدة، أو تتركهم يكافحون لمواكبة التغيير.
تظهر تقارير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) فجوة واضحة في اعتماد الذكاء الاصطناعي، إذ تميل الشركات الكبرى لاستخدامه بمعدل ثلاثة أضعاف الشركات الصغيرة. ويواجه العديد من رواد الأعمال الشباب محدودية في التمويل، والتدريب، والبنية التحتية الرقمية. كما يعاني الشباب من خلفيات منخفضة الدخل، أو من المناطق الريفية، أو من المجموعات الممثلة تمثيلاً ناقصًا، من صعوبات إضافية في الوصول إلى الإنترنت الموثوق، وأدوات الذكاء الاصطناعي الميسورة، والتدريب الجيد. وحتى الأدوات المجانية أو منخفضة التكلفة قد تبقى بعيدة عن متناولهم، ما يضعهم في موقف متأخر مقارنة بالشركات الكبرى من حيث الإنتاجية والقدرة التنافسية.
الاستباق والتهيؤ للمستقبل
ورقة السياسات الجديدة لمنظمة Youth Business International (YBI) تحدد خطوات رئيسية لضمان أن تبني الذكاء الاصطناعي لا يستبعد رواد الأعمال الشباب من الفئات المهمشة ولا يعمّق الفجوات القائمة.
توسيع البنية الرقمية بأسعار ميسورة
الأولوية الأولى هي تعزيز البنية الرقمية الميسورة. لا يزال الوصول الشامل للإنترنت عالي السرعة غير متكافئ، حيث تواجه المجتمعات الريفية وذات الدخل المنخفض تكاليف مرتفعة أو خدمات غير موثوقة. ومن خلال تعزيز الشراكات بين القطاعين العام والخاص، يمكن دعم شبكات الألياف الضوئية في المناطق الريفية، وإنشاء مناطق واي فاي مجتمعية في المدن منخفضة الدخل، وتوفير حزم بيانات منخفضة التكلفة للشباب المؤسسين الذين يعتمدون على الأجهزة المحمولة لإدارة أعمالهم. ومن الأمثلة البارزة، شبكة Shared Rural Network في المملكة المتحدة، وهي شراكة عامة–خاصة بقيمة مليار جنيه إسترليني، تهدف إلى نشر 4G في المناطق الريفية والنائية لتغطية 95% على الأقل من الأراضي البريطانية.
تعليم الذكاء الاصطناعي بشكل شامل
التعليم الشامل للذكاء الاصطناعي لا يقل أهمية. إدماج محو الأمية الرقمية والذكاء الاصطناعي المسؤول في المدارس، والتدريب المهني، وبرامج ريادة الأعمال يضمن فهم الشباب للفرص والمخاطر على حد سواء. ويشمل ذلك توفير أدوات تعليمية متعددة اللغات، وإدراج وحدات عن الأخلاقيات والتحيز في نظم الذكاء الاصطناعي. ومن المبادرات الفاعلة في هذا المجال، برنامج Digital Opportunity Traineeships في الاتحاد الأوروبي، الذي يعلم الشباب استخدام أدوات AI عملية مع دمج مناقشات حول الأخلاقيات، والتحيز، وحماية البيانات.
الدعم التقني وريادة الأعمال المستهدفة
يحتاج المؤسسون الشباب إلى دعم ريادي مخصص، من خلال حاضنات الأعمال، والمسرعات، وشبكات رواد الأعمال الشباب، مع تشجيعهم على دمج أدوات الذكاء الاصطناعي والإرشاد المباشر ضمن برامجهم. ويشمل ذلك إقران رواد الأعمال بمستشارين في الأعمال ومتخصصي بيانات لمساعدتهم على تطبيق AI في تحديات حقيقية، مثل أتمتة إدارة المخزون، وتحسين مسارات التوصيل، وتحليل ملاحظات العملاء.
واستجابة لتحديات مواكبة الشباب للتغيرات التكنولوجية السريعة، طورت YBI برنامج AI Accelerator Curriculum، الذي يجهز المؤسسين الشباب بأدوات AI عملية منخفضة التكلفة لتطبيقها في التسويق، وخدمة العملاء، وعمليات الأعمال. البرنامج يجمع بين تعليم الذكاء الاصطناعي وبناء نظم الأعمال العملية، لضمان قدرة رواد الأعمال على تحويل المعرفة الجديدة إلى إجراءات فورية ومستدامة.
تشريعات داعمة للشركات الصغيرة والمتوسطة
وضع قوانين تنظيمية ملائمة للشركات الصغيرة والمتوسطة في مجال الذكاء الاصطناعي يساعد على الابتكار دون إثقالها بأعباء الامتثال. يمكن أن يشمل ذلك تبسيط متطلبات التقارير للتطبيقات منخفضة المخاطر أو توفير ""صناديق تنظيمية"" ممولة حكوميًا لتجربة الأفكار الجديدة بأمان وتكلفة منخفضة. بموجب قانون الذكاء الاصطناعي الأوروبي المرتقب، يجب على الدول الأعضاء إنشاء صندوق رمل واحد على الأقل بحلول أغسطس 2026، ليتيح للشركات الصغيرة والناشئة اختبار أدوات AI في بيئة منخفضة المخاطر وتحت إشراف، مما يمكّنهم من التجربة وبناء قدرات الامتثال في الوقت نفسه.
التعاون المحلي والعالمي
أخيرًا، تعزيز التعاون المحلي والعالمي ضروري. فالمراكز الإقليمية لتعلم الشباب عبر الحدود تتيح تبادل الخبرات العملية، وتطوير حلول مشتركة، والوصول إلى خبرات قد تكون نادرة في مجتمعاتهم. على سبيل المثال، يمكن لمركز افتراضي ربط رواد أعمال شباب من كينيا والهند والبرازيل لتبادل نماذج أعمال تعتمد على AI مصممة لبيئات محدودة الموارد.
جيل مستعد للقيادة
يُظهر الشباب حول العالم أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون ثورة تكنولوجية وريادية. فهو يمكّن من أتمتة المهام الروتينية، ويزيد الإبداع، ويوسع الوصول إلى المعرفة، ما يمنح رواد الأعمال الشباب أدوات لبناء شركات أكثر مرونة وابتكارًا واستعدادًا للنمو.
لكن لجعل هذا الوعد حقيقة، يجب على الحكومات والمستثمرين ومنظمات الدعم العمل بحزم لسد فجوة المهارات الرقمية، وتوسيع الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، وتصميم سياسات تمكّن الشباب بدلاً من استبعادهم. مع الدعم المناسب اليوم، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يفتح مستقبلًا يمنح كل رائد أعمال شاب الأدوات والثقة لتشكيل اقتصاد الغد.
