القائمة الرئيسية

لماذا يجب على المدن بناء البنية التحتية للذكاء بدلاً من شرائها

لماذا يجب على المدن بناء البنية التحتية للذكاء بدلاً من شرائها
ملخص المقال

يتناول المقال تحول المدن نحو استخدام الذكاء الاصطناعي في إدارة الحياة اليومية، من تنظيم المرور والطاقة إلى الأمن والخدمات العامة، موضحًا أن الاعتماد على أنظمة AI مغلقة مملوكة للبائعين يحد من استقلالية المدن ويجعلها مستهلكة مقيدة بدلاً من أن تكون مصممة لمستقبلها الرقمي. ويشير المقال إلى أن غياب حوكمة قوية قد يترك السكان المحليين عرضة لتبعات القرارات التكنولوجية، كما يوضح أن دمقرطة البيانات والمشاركة المدنية والقدرات المؤسسية ضرورية لبناء ذكاء حضري مستدام. ويستعرض تجارب عالمية تُظهر أن المدن القادرة على تطوير البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بشكل مدني وشفاف، مع حماية الخصوصية وتبادل المعرفة بين البلديات، يمكنها تحويل الذكاء الاصطناعي من أداة مجردة إلى بنية تحتية عامة تعزز العدالة والابتكار والنمو الشامل، لتصبح المدن قادرة على تصميم مستقبلها الرقمي بما يخدم المجتمع بأكمله.

حياة المدن اليومية تقوم على آلاف القرارات الهادئة التي تدعم المواطنين: كيف تحدد أنماط إشارات المرور تدفق الحركة لتقلل الازدحام، وكيف تستجيب شبكات الطاقة للطلب المتزايد لتحقيق توازن استهلاك الكهرباء، وأين توجه بيانات السلامة عمل الدوريات الشرطية.

حول العالم، بدأت المدن تدريجيًا بتفويض تفاصيل الحياة اليومية إلى أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI) الجديدة، التي تصدر توصيات قائمة على البيانات حول توزيع الموارد والأولويات. وما يبدأ كوعود بالكفاءة يمكن أن يحدد أيضًا بهدوء بنية السيطرة الخفية على الحياة العامة.

المدن الذكية، المستهلكة المقيدة

أكثر من نصف مشاريع المدن الذكية حول العالم تعتمد الآن على الذكاء الاصطناعي، ومع ذلك، فإن معظم هذه المشاريع تُنفذ من خلال أنظمة مغلقة مملوكة للبائعين. وعندما توقع المدن عقودًا للحصول على خدمات خوارزمية، فإنها نادرًا ما تحتفظ بحقوق البيانات أو النماذج أو المعرفة التي تنتجها هذه الأنظمة، مما يحد من قدرتها على إدارة هذه الأنظمة أو تعديلها مستقبليًا. نتيجة لذلك، تواجه المدن الذكية خطر تفويض قرارات حاسمة في الذكاء الاصطناعي إلى موردين خاصين.

التعامل مع الذكاء الاصطناعي العام باعتباره مجرد مسألة شراء يعتبر فرصة ضائعة. فبحلول الوقت الذي تنتهي فيه المدينة من مناقصات الحصول على نظام AI، غالبًا ما تتغير التكنولوجيا، تاركةً دافعي الضرائب لتمويل برمجيات عفا عليها الزمن. علاوة على ذلك، غالبًا ما تركز عمليات الشراء العامة على استقرار الموردين وتقليل التكلفة بدل البحث عن حلول مبتكرة وتجريبية. بينما قد تنجح هذه المنطقية في شراء عدادات مواقف السيارات، فإن الذكاء الاصطناعي ليس بنية ثابتة؛ فهو يتطور مع الاستخدام، والتغذية الراجعة، والإشراف المدني.

اعتبار الذكاء الاصطناعي مجرد منتج للشراء قد يرسخ أيضًا عدم المساواة ويوسع الفجوة بين المدن. فالمدن الأغنى يمكنها تكليف أنظمة AI متقدمة ومخصصة، بينما ستعتمد البلديات الأصغر على أدوات سحابية عامة تحد من استقلاليتها وفرص نموها. والأهم من ذلك، أن رؤية AI كمنتج للشراء تجعل المدن مجرد مستهلكين محدودي النفوذ، بدلًا من أن تكون مصممة لمستقبلها الرقمي.

ثغرات الحوكمة تترك السكان المحليين خلف الركب

لكي تتمكن المدن من العمل باستقلالية على المستوى العالمي وتظل مسؤولة أمام سكانها، عليها أن توازن بين تطوير الذكاء الاصطناعي وأولوياتها المحلية مثل السكن والمياه، بدلًا من استيعاب نتائج قرارات خارجية. فتنمية AI تؤثر على سكان المدن أكثر من مجرد تقديم خدمات رقمية للحكومة؛ فالمدن معنية بكامل دورة حياة الذكاء الاصطناعي. على سبيل المثال، في مقاطعة نيوتن بجورجيا، الولايات المتحدة، شهد السكان نفاد المياه من آبارهم مع وصول مراكز بيانات جديدة للمنطقة.

هذا ليس نتيجة حتمية لنمو الذكاء الاصطناعي، بل يعكس فجوة في الحوكمة بين الطموحات التكنولوجية العالمية، والسياسات الفيدرالية، والمجتمعات المحلية التي تتحمل النتائج. وتوفر البنية التحتية للذكاء الاصطناعي التي تقودها المدن طريقة لسد هذه الفجوة وربط النمو التكنولوجي بالأولويات المدنية.

عندما تتعامل المدن مع الذكاء الاصطناعي كممارسة مدنية، تبدأ في بناء أنظمة تعكس قيمها وتعزز الثقة العامة، بدلًا من مجرد منتجات لدعم الوظائف العامة. فالبلديات في وضع أفضل للقيادة بالقدوة في الحوكمة التجريبية والمرنة والمسؤولة، إذ غالبًا ما تكون أكثر ثقة من الحكومات الوطنية وتوفر خدمات عامة مرئية وسريعة الاستجابة.

تجارب الذكاء الاصطناعي في المدن

تشير المبادرات العالمية للمدن الذكية إلى أن أكثر مجالات استخدام الذكاء الاصطناعي فاعلية تتعلق بالأمن العام، وإدارة الطاقة، والتخطيط الحضري، وعمليات اتخاذ القرار. هذه ليست مجالات تقنية فحسب، بل هي أنظمة حضرية أساسية للحياة الاجتماعية، لكل منها تقاليد في تنظيم المجتمع وبناء التحالفات ومشاركة المواطنين.

من خلال ربط تطوير الذكاء الاصطناعي بآليات مدنية قوية مثل التغذية الراجعة من الجمهور، واتخاذ القرارات بشفافية، والتعاون المحلي، يمكن للمدن بناء بنية تحتية لا تخدم المجتمع فحسب، بل تتشكل باستمرار بواسطة المجتمع نفسه.

من المستهلكين إلى المبدعين المشاركين

تشير النماذج الإقليمية الناشئة إلى فرص جيل جديد من البنية التحتية المدنية: ذكاء موزع ومصمم لتحقيق فائدة مشتركة. ففي اليابان، توفر منصة AI Bridging Cloud Infrastructure (ABCI) موارد حوسبة مشتركة للمؤسسات الصغيرة والبلديات لبناء حلول الذكاء الاصطناعي الخاصة بها.

أما في الهند، فتمثل Data Empowerment and Protection Architecture (DEPA) نموذجًا لاستخدام البيانات لصالح الجمهور مع حماية الخصوصية الفردية عبر بنية بيانات اتحادية. وفي هولندا، تبنت المدن تحالفات متعددة، مثل مبادرة Dutch Metropolitan Innovations، لمشاركة الأدوات البيانية والتعلم المؤسسي وأفضل الممارسات بين المدن الهولندية.

توضح هذه الجهود مسارات مختلفة نحو النمو الشامل، من دمقرطة الحوسبة إلى إتاحة البيانات للفائدة العامة ومشاركة الأدوات والمعرفة بين المدن. لكنها تشير أيضًا إلى أن الإمكانيات التقنية وحدها غير كافية؛ فالقدرة المؤسسية والبشرية ضرورية لتتحول هذه النماذج إلى بنية تحتية حضرية مستدامة.

في 2021، أشار مسؤولون في فيينا إلى نقص المهارات كأكبر تحدٍ في تنفيذ استراتيجية البيانات الخاصة بهم. يحتاج قادة البلديات إلى القدرة على تصميم الأنظمة، ووضع المعايير العامة، وصيانة البنية التحتية باستمرار، بما يشمل تعيين مديرين خوارزميين، ودعم صناديق بيانات المواطنين، والحفاظ على سجلات الخوارزميات، تمامًا كما هو الحال في لجان التخطيط أو مرافق الخدمات العامة.

الذكاء الاصطناعي من أجل الصالح العام

المستقبل يتطلب خيالًا مدنيًا وقادة طموحين قادرين على ربط الخوارزميات بالمساءلة، وبناء أنظمة تعكس القيم الإنسانية بقدر دقتها الحسابية. فالذكاء الاصطناعي كبنية تحتية يمكن أن يتيح تبادل القدرات والنماذج وأطر الحوكمة بين شبكات المدن، ويوفر فرصة جديدة للنمو الجماعي المتوافق.

في القرن الماضي، بنت المدن الطرق وشبكات الكهرباء والمياه. وفي القرن القادم، يجب أن تبني المدن بنية الذكاء الحضري – البنية العامة التي تحدد من يستفيد من التكنولوجيا ومن يُترك خلف الركب.

المصدر

مقالات ذات صلة