العالم ليس بحاجة إلى المزيد من الأفكار الجيدة أو المشاريع التجارية، ولا إلى التمويل. ومع ذلك، يظل الاستثمار الفعلي المطلوب لدفع عجلة النمو، وخلق فرص العمل، ودعم الانتقالين الاقتصادي والبيئي، أقل من الحاجة الفعلية. فهل يمكن لسياسات أذكى في تمويل الشركات الصغيرة والمتوسطة أن تعيد إشعال الاستثمار وتقود اقتصاداتنا نحو أفضل مستوياتها؟
الاستثمار في وضع الانتظار
ضعف الاستثمار ليس مجرد أثر جانبي للجائحة. فمنذ الأزمة المالية العالمية، لم يتمكن الاستثمار التجاري من التعافي، حيث لا يزال الاستثمار الفعلي في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أقل بنسبة 23٪ من مساره المتوقع قبل 2008. ولا توجد أي اقتصاديات عضو في المنظمة قد عادت لمسار نموها السابق، وتحتاج الشركات الصغيرة والمتوسطة بشكل خاص إلى الاستثمار لتعزيز قدرتها التنافسية ونموها.
فجوة التمويل المستعصية
تواجه الشركات الصغيرة والمتوسطة عدة عقبات في الحصول على التمويل: تكاليف معاملات مرتفعة، محدودية الثقافة المالية، واعتماد كبير على القروض البنكية التقليدية، بينما نادراً ما تُستخدم البدائل الأخرى. الكثير من هذه الشركات يكافح لتأمين رأس المال العامل الأساسي، ناهيك عن الحصول على قروض أو استثمارات مخاطرة لأغراض استراتيجية.
وعالميًا، تظهر الأرقام ضخامة المشكلة. ففجوة تمويل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تبلغ نحو 5.7 تريليون دولار، ما يقارب 19٪ من الناتج المحلي الإجمالي في 119 دولة ناشئة ونامية، مع اعتبار 40٪ من الشركات الرسمية مقيدة بالائتمان.
في ظل هذه الظروف، تميل معظم الشركات الصغيرة إلى تجنب التمويل الخارجي تمامًا. ففي المكسيك، على سبيل المثال، أظهر مسح أجرته منصة C2FO للدفع المبكر في عام 2025 أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تستخدم المدفوعات المبكرة أساسًا لتغطية النفقات التشغيلية مثل المخزون والأجور، ولا تشمل الإنفاق على الاستثمارات أو التكنولوجيا الحديثة.
نهج منسق يرتكز على ثلاث أولويات سياسية
إذا أردنا أن تكون الشركات الصغيرة والمتوسطة جزءًا من حل فجوة الاستثمار، فعلينا تغيير طريقة تفكيرنا وتصرفنا بشأن التمويل، مع الجمع بين اللاعبين العامين والخاصين.
أولاً، بناء أنظمة مالية تعمل لصالح الشركات الصغيرة والمتوسطة، وليس فقط للشركات الكبرى، من خلال الاستقرار والتوقعية والتكاملية. كثير من اللوائح ومتطلبات التقارير تختلف عبر الحدود والقطاعات، مما يفرض أعباءً مكلفة ومتضاربة، ويؤثر أكثر على الشركات الصغيرة. يمكن أن تساعد تنسيقات أذكى، مثل اعتماد ""جواز القيمة المضافة العالمي"" الذي يعترف بالشركات الصغيرة والمتوسطة كلاعبين موثوقين في سلاسل القيمة العالمية، على توسيع نطاق الشركات والوصول إلى التمويل عبر الأسواق.
ثانيًا، خفض تكلفة التمويل وتسهيل المدفوعات في الوقت المناسب. من خلال برامج ضمان القروض، وتوسيع نطاق التمويل الأصغر، وتحسين نظم المعلومات الائتمانية، بما في ذلك تلك التي تعتمد على التكنولوجيا المالية، يمكن للشركات الوصول إلى قروض ميسورة التكلفة. وفي الوقت نفسه، فإن التأخيرات في المدفوعات تحد من رأس المال العامل وتقلل قدرة الشركات على التخطيط أو الاستثمار.
تتيح منصات الدفع المبكر الرقمية، مثل C2FO، للشركات استلام المدفوعات بسرعة، غالبًا خلال أيام، من خلال تمكين المشترين ذوي السيولة الفائضة من دفع الفواتير مبكرًا. وعند تطبيق هذه الأنظمة عبر سلاسل التوريد، تتحسن السيولة وتتوجه الأموال نحو الإنتاجية بدل البقاء على قيد التشغيل فقط.
ثالثًا، ضمان أن يكون الدعم المالي مصحوبًا بدعم أوسع. أظهر تقرير جديد لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية كيف أن الجمع بين الدعم المالي وغير المالي وبناء القدرات يعزز بشكل كبير استخدام الشركات الصغيرة والمتوسطة للتمويل المستدام. وبالمثل، يمكن دمج الشركات الصغيرة والمتوسطة والمجتمعات المحلية ضمن المنصات الرقمية لتطوير سلاسل توريد محلية وبناء القدرات المجتمعية.
في الاقتصادات النامية، يُسرّع هذا الأمر غالبًا بتخطي الأنظمة التقليدية واستخدام حلول رقمية متقدمة، مثل نظم الدفع عبر الهاتف المحمول (M-PESA) أو شبكات الطاقة الذكية، لمواءمة البنية التحتية مع المزايا الاقتصادية المحلية، وبناء منصات شاملة تضم الموردين المحليين في سلاسل القيمة الأكبر. وعند تنسيق هذه العناصر، تتولد دوامة مستمرة من الاستثمار والإنتاجية والنمو.
بناء الثقة وتهيئة ظروف الاستثمار
بعيدًا عن الوصول إلى رأس المال، فإن تعزيز تكافؤ الفرص، ومكافحة الحماية التجارية، ودعم الآليات المؤسسية لزيادة الكفاءة المالية، يخلق مكاسب إنتاجية للشركات الصغيرة والمتوسطة ويعزز النمو الشامل وخلق فرص العمل عالميًا.
ويجب أن تدعمه بنية تحتية داعمة، حيث تلعب البنية التحتية العامة، بما في ذلك الرقمية، دورًا حيويًا كمنصة للاستثمار التجاري. وهذا ينطبق بشكل خاص في الدول النامية، حيث يهدف مشروع Mission 300 Africa إلى ربط 300 مليون شخص في أفريقيا جنوب الصحراء بالكهرباء بحلول 2030.
وبحلول أوائل 2025، مكّن المشروع أكثر من 20 مليون نشاط جديد مولد للدخل، بما في ذلك شركات صغيرة ومتوسطة ومصانع معالجة، مع تحسين التعليم والخدمات الصحية لملايين الأشخاص. وعندما يتوافق الاستثمار في البنية التحتية مع الاحتياجات المحلية، يصبح منصة لمشاريع مستدامة.
الاستثمار في الشركات الصغيرة والمتوسطة هو استثمار في المستقبل
سد فجوة الاستثمار العالمية يتطلب أكثر من أهداف طموحة. إنه يعني تسهيل الاستثمار للشركات اليومية، والأعمال العائلية، والمبتكرين المحليين، ورواد الأعمال في المناطق الريفية، ليتمكنوا من الاستثمار في مستقبلهم. فعندما تتمكن الشركات الصغيرة والمتوسطة من الوصول إلى تمويل ميسور، فإنها لا تنمي أعمالها فحسب، بل تدفع اقتصاداتنا نحو الأمام. واستغلال الشراكات بين الجهات العامة والخاصة، والمؤسسات المالية التقليدية وغير التقليدية، سيساعد على توسيع نطاق وتمكين التمويل للشركات الصغيرة والمتوسطة، لإعادة إشعال عجلة الاستثمار.
