في منطقة باريس، هناك أكثر من 5.6 مليون متر مربع من المساحات المكتبية فارغة بلا استخدام، بينما يصل الطلب على السكن—وخاصة السكن الاجتماعي—إلى مستويات حرجة، حيث يصل عدد طلبات التقديم لكل وحدة سكنية إلى أربعة عشر طلبًا في المتوسط. هذا التباين بين المكاتب الخالية والمنازل المكتظة يطرح تساؤلات جوهرية حول كيفية استثمار البيئة المبنية بشكل أفضل لتلبية الاحتياجات السكنية الملحة.
المدينة بعد الجائحة
أدى انتشار العمل عن بُعد بعد الجائحة، وتحولات مواقع الشركات، وتغير أنماط الحياة، إلى جعل العديد من المباني التجارية قديمة وغير ملائمة. ارتفعت معدلات شغور المكاتب في المدن الكبرى، وتوقف المطورون العقاريون عن إطلاق مشاريع جديدة، نتيجة ارتفاع أسعار الأراضي وتحولات الطلب.
تحويل المكاتب إلى مساكن يبدو خيارًا جذابًا وعمليًا، وقد حظي مشروع قانون فرنسي لتسهيل هذا التحويل بدعم كامل في الجمعية الوطنية وتم اعتماده في يونيو الماضي. لكن، هل سينجح هذا المشروع؟
فكرة قديمة ولكنها أصبحت عاجلة
تعتبر فكرة تحويل المكاتب إلى مساكن ليست جديدة، فقد ناقشتها مقالة سابقة على منصة OECD Cogito قبل أربع سنوات بعنوان: ""هل يمكن لتحويل المكاتب أن يحل أزمة السكن في المدن؟"". وفي المدن الأوروبية القديمة، كان تحويل المباني لاستخدامات جديدة جزءًا من أدوات السياسات العمرانية منذ زمن طويل. فقد تحولت المصانع إلى شقق، والأديرة إلى مدارس، ومكاتب البريد إلى مساكن قبل ظهور الجائحة بسنوات طويلة.
ويبدو هذا منطقيًا، فإعادة استخدام المباني القائمة يمكن أن يقلل من الانبعاثات الكربونية الناتجة عن البناء بنسبة تصل إلى 50% مقارنة بالهدم وإعادة البناء، وفي الوقت نفسه يساهم في معالجة نقص المساكن. ومن الأفضل أن يُصاحب التحويل تحسينات كفاءة الطاقة، مثل العزل الحراري وأنظمة التدفئة والتبريد والتهوية، ما يؤدي إلى خفض الانبعاثات على مدار 25 عامًا.
في فرانكفورت بألمانيا، أدت معدلات الشغور العالية في حي نيديرراد، الذي صُمم أصلاً كمركز للمكاتب، إلى إطلاق مشروع تحويل واسع النطاق في نهاية العقد الأول من الألفية الحالية. بين 2007 و2015، تم إنشاء نحو 3,000 شقة، وتحول الحي المكتبي إلى حي نابض بالحياة متعدد الاستخدامات، مزوّد بمرافق جديدة مثل رياض الأطفال، والحدائق، ومسارات الدراجات.
الدروس من بريطانيا: هل المبالغة ممكنة؟
لكن التجارب في بعض الدول الأخرى كانت أكثر تنوعًا. ففي المملكة المتحدة، أدى الجمع بين نقص المساكن وتوافر العقارات التجارية الفارغة في بعض المناطق إلى سن تشريعات تسمح بما يعرف بـ حقوق التطوير المسموح بها (Permitted Development Rights - PDR)، والتي تتيح تحويل المكاتب إلى مساكن دون الحاجة إلى موافقات التخطيط التقليدية.
هذا التسهيل أسفر عن إنشاء أكثر من 24,000 وحدة سكنية ميسورة خلال عقد، لكنه أثار انتقادات في بعض المناطق. ففي كرويدون جنوب لندن، لوحظت مشاكل جودة وسلامة في كثير من التحويلات، منها مبانٍ حولت إلى شقق بدون بنية تحتية كافية للسلامة من الحرائق، وأخرى تحتوي على شقق بلا مساحات خارجية أو إضاءة طبيعية كافية.
وأظهرت دراسة أجرتها جامعة كوليدج لندن أن 22.1٪ فقط من مشاريع PDR التزمت بالمعايير الوطنية للمساحة، مقارنة بـ73.4٪ من المشاريع التي حصلت على موافقات تخطيط كاملة، ناهيك عن المعايير المتعلقة بالتهوية، والإضاءة الطبيعية، وصلاحية السكن. وعلى الرغم من السرعة، يطرح هذا النموذج تساؤلات جدية حول جودة المعيشة والشمولية طويلة المدى، خاصة في الأحياء الهشة أصلاً.
النهج الفرنسي: حذر لكنه ملتزم
تميل فرنسا إلى نهج أكثر تروّيًا، حيث لا يتم إزالة اللوائح بالكامل، بل يتم تعديلها. يهدف قانون 2025 إلى توسيع نطاق التحويلات من خلال تخفيف بعض المعايير التقنية تحت إشراف، ومنح إعفاءات محددة من قواعد التخطيط، وتسريع الإجراءات الإدارية البطيئة.
الهدف هو جعل التحويلات أسرع دون التضحية بالجودة أو الاستدامة. وقد شكلت عدة مشاريع نموذجًا ناجحًا، مثل تحويل مبنى مكتب قديم في بانتين إلى 70 وحدة سكنية من تصميم مكتب Croix Marie Bourdon، وتحويل مكتب بريد في بريست إلى دار للمسنين مع الحفاظ على السمات المعمارية للفترة Art Deco وتحديثه لتلبية الاحتياجات الحديثة. وفي باريس، يبرز كل من ثكنات رويلي وÎlot Saint-Germain كيف يمكن للقيادة العامة والمسابقات التصميمية أن توفر سكنًا اجتماعيًا كبير النطاق وعالي الجودة.
لكن هذه المشاريع كشفت أيضًا عن التحديات والتكاليف المرتبطة بتكييف المكاتب للسكن، مثل عمق الطوابق الكبير، وانخفاض ارتفاع الأسقف، ومحدودية التهوية والإضاءة الطبيعية، ما يجعل العديد من المباني صعبة التكييف بدون أعمال تجديد واسعة. وتشمل التحويلات العميقة استثمارات كبيرة، مثل إعادة ترتيب الطوابق، وتركيب أنظمة تهوية وعزل جديدة، وإزالة المواد الخطرة، وتحديث خدمات المبنى، ما قد يجعل تكلفة التحويل لكل متر مربع مقاربة للبناء الجديد.
تشير البيانات الفرنسية الحديثة إلى أن تكلفة التحويل عادة تتراوح بين 2,050 و4,500 يورو للمتر المربع من المساحة الصالحة للسكن، مقارنة بـ2,000 – 2,200 يورو للمتر المربع في المساكن الاجتماعية الجديدة في إيل-دو-فرانس. ومع ذلك، في المناطق الحضرية المكتظة مثل باريس، حيث أسعار الأراضي مرتفعة ونادرًا ما تتوفر أراضٍ للبناء، يمكن للتحويلات أن تظل منافسة ماليًا إذا ما أخذنا في الاعتبار توفير الوقت والتكاليف الناتجة عن تجنب الهدم والنزوح وإجراءات التصاريح الطويلة.
تجارب دولية أخرى
خارج فرنسا والمملكة المتحدة، تتبنى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية نهجًا مشابهًا. ففي هولندا، دعمت قواعد التخطيط المبسطة تحويل المكاتب في حي Zuidas في أمستردام. وفي كندا، يشمل صندوق تسريع السكن الفيدرالي أحكامًا لدعم تحويل المكاتب إلى مساكن في مراكز المدن. وفي اليابان، يتيح التخطيط المرن في طوكيو تحويل بعض المباني المكتبية القديمة إلى مساكن مشتركة أو مساكن لكبار السن.
توضح هذه الأمثلة أن النجاح لا يعتمد فقط على إزالة القيود، بل على وجود أنظمة متكاملة تجمع بين السكن والتخطيط والأهداف البيئية.
إلى أين الآن؟
يشكل الإطار القانوني الجديد في فرنسا خطوة مهمة، وتراقب دول أخرى التجربة عن كثب. المفتاح سيكون التنفيذ السريع، دون التنازل عن الجودة، مع التأكيد على أن الحق في السكن لا ينبغي أن يكون على حساب الكرامة.
