في عام 2021، فُصل معلّم في مدرسة ثانوية بولاية تينيسي يُدعى ماثيو هون (Matthew Hawn) بعد أن كلّف طلابه بقراءات عن “امتياز البيض” وناقش قضايا العِرق داخل الصف—وهي موضوعات قال بعض أولياء الأمور إنها تنتهك القواعد الجديدة في الولاية التي تحظر تدريس ما يُسمّى “المفاهيم الخلافية”. وفي ديسمبر الماضي، أعادت محكمة توظيفه، معتبرة أن فصله كان غير مبرر.
وسرعان ما تحوّلت القضية إلى نقطة اشتعال وطنية. فقد اتهمه منتقدوه بممارسة التلقين، في حين حذّر مؤيدوه من أن فصله سيُخيف المعلمين ويثبط النقاش الصادق داخل الصفوف الدراسية. وتُبرز قصته سؤالًا جوهريًا في قلب نقاشات التعليم اليوم: ماذا يعني حقًا أن نعلّم الطلاب كيف يفكّرون، لا ماذا يفكّرون؟
هذا السؤال ليس جديدًا. فقد كتبت عالِمة الأنثروبولوجيا مارغريت ميد ذات مرة: «يجب تعليم الأطفال كيف يفكّرون، لا ماذا يفكّرون». وردّد ألبرت أينشتاين الفكرة نفسها بقوله: «التعليم ليس تعلّم الحقائق، بل تدريب العقل على التفكير». وأضاف مارتن لوثر كينغ الابن: «وظيفة التعليم هي أن تعلّم الإنسان كيف يفكّر بعمق وكيف يفكّر نقديًا».
ومع ذلك، عاد الخوف من أن المعلمين لا يلتزمون بهذه النصيحة الخالدة للظهور بقوة متزايدة—مدفوعًا بجماعات ذات ميول يمينية مثل “أمهات من أجل الحرية” (Moms for Liberty)، ومردَّدًا حتى في أعلى مستويات الحكومة.
فبعد تسعة أيام فقط من أداء الرئيس دونالد ترامب اليمين الدستورية لولايته الثانية، أصدر أمرًا تنفيذيًا أعلن فيه أن «الآباء شاهدوا المدارس وهي تلقّن أبناءهم أيديولوجيات راديكالية معادية لأمريكا». وسمح هذا الأمر للحكومة الفيدرالية بفرض عقوبات على المعلمين الذين ترى أنهم مخالفون، كما حذت عدة ولايات حذوها. ففي عام 2024، على سبيل المثال، أنشأ المدعي العام لولاية إنديانا، تود روكيتا، منصة “Eyes on Education”، وهي بوابة تتيح للطلاب وأولياء الأمور والمعلمين تقديم بلاغات عن مناهج أو برامج أو سياسات يرونها مرفوضة. وكتب روكيتا: «يحتاج أطفالنا إلى التركيز على الأسس التعليمية الجوهرية، لا على الأيديولوجيا السياسية—لا اليسارية ولا اليمينية».
تبدو اتهامات التلقين ملحّة، لكنها تقوم على افتراضين خاطئين:
1. الوهم القائل بوجود فصل صارم بين المعرفة والتلقين
الخطأ الأول هو الاعتقاد بأن تعليم الطلاب “ماذا يفكّرون” أمر خاطئ دائمًا. في الواقع، يشمل التعليم الجيد أمرين معًا: نقل المعرفة المستقرة، وإشراك الطلاب في نقاشات غير محسومة.
يبدأ تعليم الطلاب ماذا يفكّرون كل صباح عندما يرددون قسم الولاء. فهذا الطقس يذكّرهم بأن الولاء للوطن—ولتعهدِه بـ«الحرية والعدالة للجميع»—قيمة ينبغي تقديرها. كما أن جزءًا كبيرًا من اليوم الدراسي مخصص لنقل ما يعرفه المجتمع بالفعل على أنه صحيح. فعلى تلميذ الصف الخامس أن يفهم أن زيادة بنسبة 10% ليست هي نفسها زيادة بمقدار 10 نقاط مئوية. ويجب على أطفال الروضة أن يبدأوا في تعلّم أن اللطف الأساسي واحترام الآخرين متطلبات غير قابلة للتفاوض.
لكن هناك أوقات لا ينبغي فيها للمعلمين أن يقولوا للطلاب ماذا يفكّرون—وهي الحالات التي تكون فيها الادعاءات غير محسومة، ويكون الخلاف المعقول قائمًا. وهذه اللحظات، وإن كانت أقل شيوعًا مما يظن المنتقدون، تُعد من أكثر لحظات التعليم قيمة.
فقد يطلب المعلمون، في أي مرحلة تقريبًا، من الطلاب التفكير في القسم ومعاني كلمات مثل «الحرية» و«العدالة».
وقد يطلب معلم الدراسات الاجتماعية من الطلاب دراسة آرائهم ومناقشتها باحترام حول الحد من العنف في المدارس.
وقد يدعو معلم العلوم الطلاب إلى فحص الأدلة المتعلقة بمدى إسهام البشر في ظاهرة الاحتباس الحراري.
وقد يقود معلم في المرحلة المتوسطة نقاشًا حول أفضل السبل للتعامل مع التنمر.
إن إملاء ما يجب على الطلاب التفكير فيه بشأن قضايا غير محسومة هو خطأ تربوي، وغالبًا ما يكون خطأً أخلاقيًا أيضًا. فدفعهم إلى تبني معتقدات المعلم نفسه يمنعهم من التفكير المستقل—وهو التعريف الدقيق للتلقين.
وبالطبع، سيختلف الناس حول ما يُعد “محسومًا”. وأفضل نهج آمن ومبدئي للمعلمين هو الميل إلى الاعتراف بوجود بدائل معقولة عند تناول الموضوعات الخلافية. فهكذا يتعلم الطلاب التفكير النقدي، كما يُتجنب احتمال تحيز المعلم.
2. أسطورة التلقين الجماعي
الخطأ الثاني هو افتراض أن التلقين الواسع النطاق يحدث فعلًا. فعلى الرغم من القصص المثيرة والمشحونة، لا توجد أدلة موثوقة تُذكر على أن أعدادًا كبيرة من المعلمين يدفعون بشكل منهجي بأجنداتهم السياسية الشخصية. بل إن هذا كان أحد الاستنتاجات الرئيسة لدراسة أُجريت عام 2024 من قبل الجمعية الأمريكية للتاريخ حول صفوف التاريخ في المدارس الثانوية العامة. وفي دراسة أخرى صادرة عام 2025 عن معهد أننبرغ بجامعة براون، خلص الباحثون—بعد استطلاع آراء طلاب المدارس الثانوية الأمريكية—إلى أنه رغم أن «بعض الموضوعات المسماة خلافية تجد طريقها إلى الصفوف… فإن البلاد لا تشهد وباءً من التلقين الواسع النطاق من قِبل هيئة التدريس».
الخطر الأكبر بكثير هو الرقابة الذاتية. فخوفًا من ردود الفعل أو العواقب المهنية، يتجنب كثير من المعلمين الآن الخوض في موضوعات مهمة ومعقدة ينبغي للطلاب استكشافها. ووفقًا لقادة نقابات المعلمين في إنديانا، تسهم منصة “Eyes on Education” في خلق مناخ من الخوف بين المعلمين. وفي استطلاع وطني أُجري قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2024، قال معظم المعلمين إنهم لن يناقشوا الانتخابات إطلاقًا. فكيف يمكن للشباب أن يتعلموا عن الديمقراطية إذا كان معلموهم يخشون الحديث عن الانتخابات؟
يساعد هذا المناخ من الخوف لدى بعض أولياء الأمور في تفسير تزايد التعليم المنزلي، وتنامي شعور المعلمين بأن الرأي العام ينظر إليهم بسلبية—وهي مشاعر تدفع كثيرين إلى مغادرة المهنة في وقت تعاني فيه المدارس أصلًا من نقص حاد في الكوادر.
الأزمة الحقيقية في التعليم الأمريكي ليست أن المعلمين ينجحون في التلقين، بل أن اتهام التلقين ينجح في بث الخوف. فهذا الخوف يدفع المعلمين الجيدين خارج الصفوف، ويُسكت النقاش المفتوح، ويقوّض الثقة العامة في واحدة من المؤسسات الأساسية للديمقراطية.
والخبر الجيد هو أن بوسع المعلمين فعل الكثير لتقليل الخوف وبناء الثقة. وأهم ذلك أن يتواصلوا بانتظام مع الطلاب وأولياء الأمور بشأن مناهجهم، موضحين متى يدرّسون معرفة مستقرة ومتى يدعون إلى نقاش صحي. ويمكنهم أيضًا ترسيخ معايير تضمن شعور الطلاب بالأمان عند مشاركة وجهات نظر مختلفة حول القضايا غير المحسومة. وسيكون من الحكمة أن يتحفظ المعلّقون وصنّاع السياسات في أحكامهم، بدل توجيه اتهامات لا تستند إلى أساس.
وإذا كنا نريد حقًا أن يتعلم الطلاب كيف يفكّرون، فعلينا أولًا أن نثق في أولئك الذين نطلب منهم تعليمهم.
