كريستوفر بي. بنغهام، وكاثلين إم. أيزنهاردت، وناثان آر. فور
في اللحظة التي تظن فيها أنك قد استقررت على الاستراتيجية الصحيحة، قد تجد نفسك مضطرًّا للتغيير. فمن خلال فهم الظروف الخاصة والقوى التي تشكّل بيئة المنافسة لشركتك، يمكنك اختيار الإطار الاستراتيجي الأنسب.
الأسواق تتغير، والمنافسة تتحول، وقد يكون عملك يعاني أو ربما يزدهر، على الأقل في الوقت الراهن. وبصرف النظر عن الظروف الآنية، يظل المديرون يطرحون الأسئلة نفسها مرارًا: إلى أين نتجه من هنا، وأي استراتيجية ستوصلنا إلى هناك؟ هل ينبغي لنا أن نعزز موقعنا الاستراتيجي، أو نتوسع إلى أسواق مجاورة، أم ننطلق نحو مناطق جديدة كليًّا؟ ولإرشاد قراراتنا، يمتلك معظمنا مجموعة متنوعة من الأطر الاستراتيجية للاختيار من بينها. ولكن أيها هو الأنسب، ومتى؟ غالبًا ما تخلط الخطط الاستراتيجية وتحليلات السوق والمجلدات الضخمة التي تتركها شركات الاستشارات الاستراتيجية بين عدسات تحليلية مختلفة، هي: تحليل القوى الخمس (Five-Forces analysis)، ومراجعة المحافظ الاستثمارية، وتقييم الكفاءات الجوهرية، ودراسة مجمعات الأرباح، والمشهد التنافسي، وغير ذلك. لكن، أيُّ هذه التحليلات هو الأكثر فائدة في الوقت الحالي؟
يدرك معظم المديرين أن الاستراتيجيات لا تعمل بالفاعلية نفسها في كل الظروف، ولذلك، لفهم كيفية اختيار الاستراتيجية المناسبة في الوقت المناسب، قمنا بتحليل المنطق الكامن وراء أبرز الأطر الاستراتيجية المستخدمة في مدارس الأعمال والهندسة حول العالم. ثم قمنا بمواءمة تلك الأطر مع الخيارات الاستراتيجية الرئيسة التي واجهها عشرات القادة الصناعيين في أوقات مختلفة، سواء في فترات الاستقرار أو التحول (انظر “حول البحث”)، وقد ظهرت نتيجتان مفاجئتان.
أولًا، اكتشفنا أن منطق الأطر الاستراتيجية المختلفة ينقسم إلى ثلاثة نماذج رئيسة، هي: استراتيجيات الموقع، واستراتيجيات الاستفادة، واستراتيجيات الفرصة. وما يناسب الشركة يعتمد على ظروفها، ومواردها المتاحة، وكيفية دمج الإدارة لتلك الموارد معًا (انظر “اختيار الاستراتيجية الصحيحة”).
ثانيًا، من خلال مراقبة قادة السوق وهم يطبقون الاستراتيجيات النموذجية، وجدنا أن العديد من الافتراضات حول الميزة التنافسية ليست دقيقة دائمًا. فعلى سبيل المثال، على الرغم من أن خبراء الاستراتيجية يتحدثون عن الموارد ذات القيمة الاستراتيجية، فإن الموارد العادية التي يتم تجميعها بشكل جيد قد تكون كافية لتحقيق الميزة التنافسية. أحيانًا يكون من المنطقي تجاوز أكبر الأسواق والتركيز عوضًا عن ذلك على حيث تتناسب الموارد بشكل أفضل. وفي ظروف أخرى، قد يكون من الأفضل تجاهل الموارد الحالية ومهاجمة سوق ناشئة. وفي بعض الحالات، تكون القواعد الأساسية البسيطة أكثر فاعلية من الخطط التفصيلية. ومن المدهش أن هذه الاستراتيجيات البسيطة قد يصعب تقليدها أكثر من الاستراتيجيات المعقدة.
كيفية اختيار الاستراتيجية الصحيحة
لتحديد متى يكون من المنطقي اتباع استراتيجيات الموقع أو الاستفادة أو الفرصة، يكمن المفتاح في النظر أولًا إلى الظروف الآنية، والموارد الحالية، والعلاقات بين الموارد المختلفة؛ إن فهم هذه العوامل سيساعدك على البدء بالإطار الاستراتيجي المناسب.
فهم ظروفك
الخطوة الأولى للمديرين هي مراجعة متأنية لصناعتهم. على وجه التحديد، قيّم ما إذا كانت صناعتك مستقرة أو ديناميكية أو في مرحلة وسطى بين الاثنين. كيف تقيس هذه الديناميكية؟ ابدأ بسؤال نفسك: هل يمكنني رسم القوى الخمس (Five-Forces) التي تشكل هيكل الصناعة في مجالي؟ إذا استطعت تحديد المشترين، والموردين، والعملاء، والبدائل بالاسم، وتحديد الحواجز أمام الدخول، وإذا كانت هذه العوامل الخمسة تميل إلى البقاء على حالها إلى حد كبير، فأنت على الأرجح تعمل ضمن صناعة مستقرة، أما إذا كانت الصناعة مضطربة للغاية بحيث يصعب رسمها (مثل تطبيقات الإنترنت المحمولة)، أو كانت القواعد الأساسية في حالة تغير مستمر (مثل التكنولوجيا النظيفة أو تقنية النانو Nano technology)، فأنت غالبًا في صناعة ديناميكية.
بعد ذلك اسأل نفسك: أين تقع منتجاتي من حيث دورة حياة المنتج؟ في الصناعات المستقرة، تكون المعايير محددة جيدًا، وتوقعات المنتج واضحة، ودورات حياة المنتج معروفة وغالبًا طويلة، وعدد محدود من المنافسين قد يدفعون ببطء حدود التطوير من خلال ابتكارات متوقعة. أما في الصناعات الديناميكية فالوضع مختلف؛ قد لا تكون هناك معايير بعد، ودورات حياة المنتجات قصيرة، والمنتجات متنوعة، ولا توجد تقنية أو منتج مهيمن واضح. وبعض الصناعات تقع بين هذين النقيضين؛ فصناعة السيارات تاريخيًّا صناعة مستقرة، لكن التقنيات الجديدة (مثل المحركات الهجينة والكهربائية)، وأوقات تطوير المنتجات المضغوطة، وأسعار النفط المتقلبة، والضغوط التنظيمية زادت من ديناميكيتها. ولا تنسَ أن ظروف شركتك الخاصة (مثل كونك شركة ناشئة ذات نموذج أعمال واعد أو لاعبًا راسخًا ذا حضور عالمي) تؤثر أيضًا على موقعك.
تقييم مواردك
بمجرد أن تفهم ظروف صناعتك، ألقِ نظرة على شركتك؛ إن تقييم مواردك والروابط بينها أمر أساسي، لماذا؟ لأن الموارد تقع في قلب الاستراتيجية. فهي تمكّن الشركات من تمييز نفسها عن المنافسين. الموارد الملموسة (مثل منشآت التصنيع لدى Intel أو مواقع Starbucks) يسهل تقييمها نسبيًّا. أما الموارد غير الملموسة (مثل براءات اختراع Amazon أو علامات Procter & Gamble التجارية) فهي أكثر تعقيدًا. بالإضافة إلى ذلك، يمكن للعمليات التنظيمية (مثل عملية الاستحواذ لدى مجموعة Tata الهندية أو عملية التخارج لدى General Dynamics) أن توفر أساسًا حاسمًا للميزة التنافسية.
حالما تُدرك مواردك، عليك أن تحدد مدى فائدتها الحقيقية؛ فالموارد الأكثر أهمية من الناحية الاستراتيجية هي تلك التي تتسم بالقيمة (أي أنها مفيدة في مجال عملك)، والندرة (أي أنها في حوزة قلة قليلة فقط)، وصعوبة التقليد (أي يصعب نسخها)، وعدم القابلية للاستبدال (أي أنها تفتقر إلى بدائل وظيفية). هذه الموارد تمثل مصدرًا محتملًا للميزة التنافسية. ومع ذلك، حتى وإن كانت قادرة على توفير ميزة، فهي ليست ضرورية بشكل مطلق لتحقيق التفوق التنافسي؛ إذ يمكن للموارد الشائعة أيضًا أن تكون مصدرًا للميزة، وذلك بحسب كيفية ارتباطها بموارد أخرى.
تحديد العلاقات بين الموارد
سر اختيار الإطار الاستراتيجي المناسب يكمن في تقييم كيفية ترابط الموارد بعضها ببعض. فبعض الموارد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا. فعلى سبيل المثال، تعتمد استراتيجية “وول-مارت” (Wal-Mart) منخفضة التكلفة في الولايات المتحدة بشكل كبير على مواردها المادية (غالبًا في مواقع ريفية)، وتقنياتها المعلوماتية المتقدمة (مثل تعظيم مساحة البيع في المتاجر والتجديد السريع للمخزون)، ولوجستياتها الفاعلة (مثل النقل العابر للمستودعات)، وثقافتها الحريصة على ضبط التكاليف، حيث تعزز هذه العناصر بعضها. وعلى النقيض من ذلك، فإن موارد “غوغل” (Google) أكثر ارتباطًا بشكل غير محكم؛ إذ يستطيع المديرون إعادة تركيب رأس المال البشري والموارد التقنية بحسب الحاجة لمواجهة أسواق ومنتجات مختلفة. وبالتأكيد، هناك مفاضلات؛ فالموارد المرتبطة ارتباطًا وثيقًا تخلق مواقف استراتيجية يصعب اختراقها، لكنها مقاومة للتغيير، أما الموارد المرتبطة بشكل غير محكم، فمن السهل تغييرها، غير أنها قد تُوظف بشكل غير فاعل وتصبح زائدة عن الحاجة.
اختيار الاستراتيجية
متى يكون من المنطقي اختيار استراتيجية ما على أخرى؟ كيف يقرر المديرون ما إذا كانوا سيبنون استراتيجياتهم حول الموقع أو الاستفادة أو الفرصة؟ سنستعرض كل إطار على حدة.
استراتيجية الموقع
حين تكون الصناعات مستقرة، غالبًا ما يكون هناك مبرر قوي لاعتماد استراتيجية الموقع. تنطوي استراتيجيات الموقع على اختيار موقع صناعي ذي قيمة وغير مشغول، ثم بناء الدفاعات حوله، هذه هي الاستراتيجية المرتبطة غالبًا بتحليل القوى الخمس (Five Forces analysis)، حيث تنبع الميزة التنافسية من إنشاء حصن حول سوق جذابة. ويضمن استقرار الصناعة أن يوفر موقع الحصن ميزة تنافسية طويلة الأمد، ما يبرر الاستثمارات المتكررة لتعزيز الموقع والحفاظ عليه. وتظل الاستراتيجية ذات قيمة حتى يتغير المشهد وتضعف المكانة الاستراتيجية.
مع استراتيجية الموقع، تعتمد الميزة التنافسية أولًا على اختيار موقع استراتيجي ذي قيمة وغير مشغول في صناعة معينة، وثانيًا على خلق وربط موارد الشركة للدفاع عن ذلك الموقع. يدفع الموقع الاستراتيجي القيّم نحو تحقيق ربحية فائقة من خلال القدرة على رفع الأسعار (مثل شركة “بورشه” Porsche في صناعة السيارات)، أو خفض التكاليف (مثل شركة “كاسيو” Casio في صناعة الساعات). وغالبًا ما تدافع الشركات عن مواقعها من خلال تجميع تركيبات من الموارد يصعب على المنافسين تقليدها بسهولة؛ ففي صناعة الصناديق الاستثمارية المشتركة في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، بنت مجموعة “فانغارد” (The Vanguard Group) استراتيجيتها حول إدارة الاستثمارات المحافظة وانخفاض التكاليف. وتدعي “فانغارد” أن متوسط نسبة المصروفات في صناديقها الاستثمارية هو جزء بسيط مقارنة بمنافسيها الرئيسين، وتدافع عن موقعها من خلال خيارات موارد متعاضدة، مثل العمولات المنخفضة، والمزايا الإدارية المحدودة، وغياب الفروع التجارية. وهكذا، فإن مفتاح التفوق في استراتيجية الموقع لا يكمن فقط في امتلاك موقع استراتيجي ذي قيمة، بل أيضًا في ربط الموارد للدفاع بنجاح ضد المنافسين.
تبدو استراتيجيات الموقع واضحة، لكن غالبًا ما يُفترض أن نجاحها يتطلب موارد ذات أهمية استراتيجية. وعلى الرغم من أن مثل هذه الموارد قد تكون مفيدة، فإنها ليست ضرورية؛ إذ يمكن أن تنبع الميزة التنافسية من الدفاع عن موقع استراتيجي عبر نظام من الموارد المرتبطة ارتباطًا وثيقًا، وليس بالضرورة من تفوق الموارد نفسها. خذ على سبيل المثال شركة “جيت بلو” (JetBlue)، شركة الطيران الأمريكية منخفضة التكلفة. للوهلة الأولى، تبدو استراتيجيتها قائمة على موارد شائعة، بل حتى عادية: طائرات “إيرباص A320″ (Airbus A320) و”إمبراير 190” (Embraer 190)، ومقاعد ركاب مريحة، وإمكانية الوصول إلى “دايركت تي في” (DIRECTV) و”سيريوس إكس إم” (SIRIUS XM) للبث الفضائي، وخدمات البريد الإلكتروني والرسائل الفورية، والقدرة على سرعة الدوران في بوابات المطارات. لا يُعد أي من هذه الموارد مميزًا على وجه الخصوص. لكن كمجموعة متكاملة، فهي تعزز بعضها وتنتج عرضًا متمايزًا يمنح “جيت بلو” ميزة تنافسية يصعب على شركات الطيران الأخرى تقليدها.
عندما تكون الموارد مرتبطة ارتباطًا وثيقًا، يصعب تقليدها، فالموارد المتداخلة تخلق تعقيدًا، وبالتالي يصبح تقليدها وربطها تحديًا يستغرق وقتًا طويلًا. وهكذا، حتى لو فهم المقلدون نوعية الموارد المستخدمة، فإنهم غالبًا لا يدركون كيفية ترابطها بدقة؛ لأن هناك عادة العديد من الموارد ذات التأثيرات التركيبية غير المتوقعة، لذا فإن التقليد الناجح يتطلب معرفة الموارد التي تشكل استراتيجية الشركة الأخرى (أي المكونات)، بالإضافة إلى فك شفرة التسلسل الصحيح لتجميعها (أي الوصفة).
ومع مرور الوقت -إذ حتى الحصون تحتاج إلى صيانة- لا يمكن للمديرين أصحاب استراتيجيات الموقع الاكتفاء بما حققوه من إنجازات. للحفاظ على الميزة التنافسية، قد يحتاجون إلى تحديث مواردهم وتعزيز الروابط بينها؛ فعلى سبيل المثال، قامت شركة الملابس الإسبانية “زارا” (Zara) بتحديث عدة موارد لتعزيز موقعها الاستراتيجي، بما في ذلك تحسين إنتاج الدُّفعات الصغيرة وربطه بسلاسة مع لوجستيات الشحن الجوي. وبات بإمكان “زارا” الآن إرسال تصاميم جديدة إلى أي متجر في العالم خلال أقل من يومين.
كما هو الحال مع أي استراتيجية، فإن استراتيجية التموضع لها نقطة ضعف أساسية: التغيير. فعندما تتغير الصناعات، يصبح من الصعب تحريك حصن راسخ في موقع استراتيجي؛ إذ إن تغيير نظام مترابط بإحكام يعني تفكيك أوجه التآزر التي عملت الإدارة جاهدة على بنائها، وتعريض المنظمة للمخاطر أثناء الانتقال إلى استراتيجية جديدة. ولهذا السبب، يتجاهل العديد من المديرين التغيير أو يجرون تعديلات هامشية فقط. غير أن أيًّا من هذين النهجين لا ينجح. فعندما تتغير الأسواق المستقرة، تميل المواقع الاستراتيجية الراسخة إلى الضعف. ويجبر التغيير المديرين على تفكيك أنظمتهم الحالية من الموارد وإعادة تركيبها في مواقع استراتيجية جديدة. وهذا أمر صعب ويستغرق وقتًا طويلًا، وهو مزيج قد يكون قاتلًا؛ لأن الأداء قد لا يتحسن حتى يُعاد تجميع الأجزاء وربطها. فعلى سبيل المثال، اعتمدت شركة ليز كلايبورن (Liz Claiborne)، وهي شركة للملابس الجاهزة، على استراتيجية تموضع كان فيها الإنتاج والتوزيع والتسويق والتصميم والعرض والموارد البيعية كلها مترابطة بإحكام. ولكن عندما تغيرت الصناعة، تعطلت علاقات الشركة مع المتاجر الكبرى. وفي محاولة للتكيف، غيّر مسؤولو كلايبورن موارد مثل نظام “عدم إعادة الطلب” الذي كان يثير استياء المتاجر الكبرى. غير أن هذا النظام كان متشابكًا بشكل تآزري مع موارد أخرى مثل الخدمات اللوجستية الخارجية ومواقع التصنيع البعيدة، فلم يكن بالإمكان إلغاء نظام “عدم إعادة الطلب” دون الإضرار بتماسك النظام. وهبط الأداء المالي بشكل حاد، ولم يبدأ الأداء الإيجابي بالعودة إلا بعد أن فكك مسؤولو كلايبورن مواردهم الحالية وبدؤوا في إعادة ربط موارد جديدة.
استراتيجية الاستفادة (Leverage Strategy)
في الأسواق التي يكون فيها التغيير معتدلًا، غالبًا ما تتفوق استراتيجيات الاستفادة على استراتيجيات التموضع. ونظرًا لأن التغيير تدريجي ويمكن التنبؤ به، فمن المنطقي أن يعمل المديرون على تطور مواردهم الاستراتيجية المهمة بالتوازي مع تطور الصناعة. فبينما تقوم استراتيجيات التموضع على تشبيه الحصن، فإن استراتيجيات الاستفادة تشبه لعبة الشطرنج، إذ تنبع الميزة التنافسية من امتلاك قطع ثمينة وإجراء حركات ذكية بها في الوقت نفسه. لنأخذ شركة بيبسي (Pepsi) مثالًا. لدى الشركة عدة موارد استراتيجية مهمة، منها العلامة التجارية، وصيغ المنتجات، ونظام التوزيع، لكن ما يهم حقًّا هو أن الشركة استثمرت هذه الموارد بذكاء لدعم منتجات جديدة تلبي تطلعات المستهلكين المتزايدة نحو الصحة. فإلى جانب مشروباتها الغازية، تقدم بيبسي الآن مجموعة من المشروبات البديلة، بما في ذلك المياه (Aquafina, SoBe Lifewater)، والعصائر (Tropicana, Dole)، والشاي (Lipton)، ومشروبات الطاقة (Gatorade)، وجميعها تستفيد من موارد الشركة الاستراتيجية المهمة.
تحقق الشركات التي تتبع استراتيجيات الاستفادة ميزة تنافسية من خلال استخدام مواردها الاستراتيجية المهمة في صناعات قائمة وجديدة بوتيرة تتناسب مع تغير السوق. وترتبط هذه الاستراتيجية غالبًا بمنظور الموارد كأساس للشركة (resource-based view)، حيث تركز على بناء أو اقتناء موارد ذات قيمة ونُدرة وصعوبة في التقليد وعدم قابلية للاستبدال، ثم استثمارها في منتجات وأسواق جديدة. غير أن الموارد في استراتيجيات التموضع غالبًا ما تكون مترابطة بإحكام، بينما تكون الموارد في استراتيجيات الاستفادة مترابطة بشكل معتدل فقط في كثير من الأحيان.
يمكن أن تركز استراتيجيات الاستفادة على تجديد ونشر الموارد الأساسية باستمرار في الأسواق الحالية. فعلى سبيل المثال، رغم أن نجاح إنتل (Intel) على المدى القصير يعتمد على استخراج القيمة من الجيل الحالي من المعالجات الدقيقة (microprocessors)، فإن نموها على المدى الطويل يعتمد على استخدام قدراتها المعروفة في التصميم، والعلامة التجارية، وموارد التصنيع في أجيال مستقبلية من المعالجات الدقيقة. وبالمثل، يعتمد استمرار نجاح بيتزا هت (Pizza Hut) على تحديث مواردها الخدمية ذات الأهمية الكبرى في أسواقها القائمة؛ فقد توسعت الشركة إلى الهند في أواخر التسعينيات، وسرعان ما تميزت عن المنافسين بقدرتها على تقديم البيتزا وخدمة الطاولة الودية في أجواء مريحة. ومع ذلك، وبحلول عام 2005م، أصبح قطاع المطاعم غير الرسمية في الهند مزدحمًا. وتحت ضغط المنافسين ومنهم دومينوز (Domino’s)، قامت بيتزا هت بتجديد مواردها الخدمية واستفادت منها لخلق تجربة طعام أكثر رقيًّا. ونتيجة لذلك، لا تزال بيتزا هت العلامة التجارية الغذائية الأكثر موثوقية في الهند.
وبينما يعد استثمار الموارد في الأسواق القائمة أمرًا مهمًّا، فإن استثمار الموارد في أسواق جديدة لا يقل أهمية. وتقدم شركة أندر آرمور (Under Armour)، وهي شركة ملابس رياضية مقرها بالتيمور بولاية ماريلاند تأسست عام 1995م، مثالًا جيدًا. فقد كان الرئيس التنفيذي كيفن بلانك (Kevin Plank) يخطط في الأصل لصنع ملابس قابلة للتنفس للاعبي كرة القدم، لكنه وفريقه سرعان ما أدركوا أنهم يستطيعون استثمار أقمشتهم الاصطناعية الطاردة للرطوبة في أسواق أخرى. وبعد دراسة الأسواق لمعرفة أين يمكن إدخال هذا المورد بفاعلية أكبر، طور مسؤولو أندر آرمور أول خط إنتاج للأحذية الرياضية الطاردة للرطوبة. وبالمثل، تحاول شركة هوم ديبوت (Home Depot) حاليًّا استثمار مواردها الأساسية من خلال بيع قطع غيار السيارات. وبالاستفادة من خبرتها الواسعة في مجال “افعلها بنفسك” (do-it-yourself) وامتلاكها 2,200 متجر، تأمل الشركة في دفع عجلة النمو.
خطأ شائع في استراتيجيات الاستفادة هو إغفال إعادة تقييم الأهمية الاستراتيجية للموارد، وبخاصة ما يتعلق بالقيمة والندرة وعدم القابلية للاستبدال، في الأسواق الجديدة المحتملة. فعلى سبيل المثال، عندما حاولت شركة Amazon.com لأول مرة الاستفادة من قدراتها في الطلبات عبر الإنترنت وتنفيذ المخزون خارج نطاق الكتب والموسيقا لتشمل فئات منتجات أخرى مثل الألعاب، واجهت عقبة كبيرة. إذ تبين أن أنظمة المخزون المصممة خصيصًا للكتب والموسيقا لم تكن ملائمة للتقلبات الموسمية الشديدة التي تميز سوق الألعاب، كما أن اللوجستيات الخاصة بمستودعات الشركة لم تكن مهيأة للتعامل مع الألعاب التي تختلف في أشكالها وأحجامها.
إن استراتيجية الاستفادة (Leverage Strategy) لا تقتصر على التوسع فحسب، ففي بعض الأحيان يكون من المنطقي التراجع وإعادة توزيع الموارد. فعلى مدى سنوات، استخدمت شركة Advanced Micro Devices، ومقرها كاليفورنيا، مواردها المتفوقة في تصميم الهندسة لتطوير أشباه الموصلات. إلا أن الشركة قامت في الآونة الأخيرة بإعادة توجيه بعض مواردها بعيدًا عن صناعة أشباه الموصلات شديدة التنافسية نحو خدمات التصميم. وعلى الرغم من أن المنتجات والخدمات قد تعتمد على موارد استراتيجية معينة، فإنّ هذه الموارد ليست بالضرورة مرتبطة ارتباطًا دائمًا بمنتج أو خدمة بعينها، بل يمكن استخدامها لتحقيق ميزة تنافسية في سياقات أخرى. وبعبارة أخرى، فإن قاعدة المعرفة العميقة بالموارد والقدرات غالبًا ما تكون قابلة للتحويل بين منتجات وأسواق متعددة. ويتمثل التحدي الرئيسي في خلق ميزة تنافسية باستراتيجية الاستفادة في تحديث محفظة الموارد مع تغير الصناعات، وقد يتطلب ذلك اتخاذ القرار بين الاستحواذ أو الشراكة أو تطوير الموارد الأساسية داخل الشركة. وتعد سيارة Prius من Toyota مثالًا على الاستفادة من بعض الموارد القائمة، مثل العلامة التجارية وتكنولوجيا الإلكترونيات، في الوقت الذي طورت فيه الشركة واستحوذت على موارد جديدة لتقنيات الهجين وبرمجيات التحكم بالمحرك ونظام الكبح التجديدي. لكن حتى عندما يدرك المديرون الحاجة إلى إضافة أو تطوير أو إلغاء موارد معينة، قد تتدخل القناعات الراسخة والصراعات الداخلية على النفوذ؛ إذ غالبًا ما تُعطى الأولوية للأداء الفوري للموارد الحالية على حساب الأداء المستقبلي للموارد الجديدة التي قد تتطلب سنوات لتحقيق نتائجها. ولتوضيح هذه النقطة، يكفي أن ننظر إلى شركة Chrysler؛ ففي عام 1984م، قدمت Chrysler أول سيارة ميني فان، وخلال العقدين التاليين باعت أكثر من عشرة ملايين سيارة من هذا النوع، وأعادت الحياة إلى خط سيارات Jeep الشهير وطرحت شاحنات Ram وDakota وسيارات Dodge Durango الرياضية بنجاح. لكن صناعة السيارات تغيرت؛ فبينما قامت كل من General Motors وFord بتكييف تقنيات المحركات لديها لتعزيز كفاءة الوقود وأعادت تجهيز مصانعها لإنتاج السيارات الصغيرة، أخفقت Chrysler في تحديث محفظة مواردها. ونتيجة لذلك، لم تثبت الشركة، التي أصبحت تحت سيطرة Fiat، حتى الآن قدرتها على الحصول على الموارد اللازمة للمنافسة في الواقع الجديد.
استراتيجية الفرصة (Opportunity Strategy)
على عكس الصناعات المستقرة، تتسم الصناعات الديناميكية بتدفقات فائضة من الفرص المتغيرة بسرعة، والتي غالبًا ما يصعب التنبؤ بها. فتركيبة الصناعة تتغير باستمرار مع دخول وخروج المنافسين، وتغير تفضيلات العملاء، وتطور نماذج الأعمال. كم سيدوم التفوق التنافسي؟ لا يمكن معرفة ذلك، وغالبًا لن يدوم طويلًا. كما قال لنا الرئيس التنفيذي لإحدى شركات برامج الأمن، مازحًا: “تحتاج إلى شهادة في علم التنجيم لتنافس في صناعتنا”. وعلى الرغم من سعي المديرين لتحقيق ميزة تنافسية طويلة الأمد، فإنهم يديرون أعمالهم وكأنها غير موجودة. ويعكس المبدأ الشهير لدى Intel بأن “المرعوبين فقط هم من ينجون” قناعة الإدارة العليا بأن الميزة التنافسية قد تتلاشى في أي لحظة. ولهذا، تركز الاستراتيجية على اغتنام الفرص التي تخلق سلسلة من المزايا التنافسية المؤقتة.
وعلى خلاف النظرتين التقليديتين للاستراتيجية بعدّها حصنًا منيعًا أو لعبة شطرنج، فإن اتباع استراتيجية الفرصة يشبه ركوب الأمواج؛ فالأداء يتحقق من خلال اقتناص موجة عظيمة في الوقت المناسب، مع أن مدة تلك الموجة غالبًا ما تكون قصيرة، وركوبها تجربة محفوفة بالمخاطر حيث احتمال السقوط قائم دائمًا؛ فالتوقيت واغتنام الموجات المتعاقبة هما ما يهم حقًّا. وتقدم صناعة أجهزة ألعاب الفيديو مثالًا واضحًا على ذلك؛ فخلال سنوات قليلة فقط، تمكنت شركات مختلفة (من بينها Sega وNintendo وSony وMicrosoft) من “ركوب الموجة” وتصدر الصناعة لفترة من الزمن.
بالنسبة للشركات التي تسعى إلى تطبيق استراتيجيات اغتنام الفرص، فإن الميزة التنافسية تنبع من القدرة على اقتناص الفرص الجذابة، وإن كانت عابرة، بشكل أسرع وأفضل من المنافسين. هذه الاستراتيجية، التي غالبًا ما ترتبط بطرق “القواعد البسيطة” (simple rules heuristics)، تتطلب الجمع بين عنصرين، هما: اختيار عملية استراتيجية محورية، وتطوير قواعد بسيطة لتوجيه تلك العملية. وبالاقتران بين هذين العنصرين، يصبح بإمكان الشركات التحلي بالمرونة الكافية لاغتنام الفرص غير المتوقعة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على التماسك والكفاءة على نطاق واسع. وعند اختيار العملية الاستراتيجية المحورية، تكمن الأهمية في انتقاء عملية يكون فيها تدفق الفرص الجذابة مستمرًّا وعميقًا. ومجموعة تاتا (Tata Group)، التي تتنوع أعمالها بين الصلب والسيارات والاتصالات والمشروبات، تقدم مثالًا جيدًا على ذلك؛ فبفضل قيمتها السوقية العالية وسهولة وصولها إلى الديون المؤسسية، اعتمدت تاتا بشكل كبير على الاستحواذات كعملية استراتيجية محورية، وقد سعى مديروها إلى اقتناص سلسلة من فرص الاستحواذ بسرعة وفاعلية؛ فعلى سبيل المثال، في عام 2007م دفعت الشركة 12 مليار دولار لشراء شركة كوروس (Corus)، وهي شركة أوروبية للصلب. وبعد عدة أشهر، دفعت 2.3 مليار دولار للاستحواذ على جاكوار (Jaguar) ولاند روفر (Land Rover) من شركة فورد (Ford). وعلى النقيض من ذلك، تركز شركة أبل (Apple) على عملية استراتيجية مختلفة -وهي تطوير المنتجات- لإطلاق تصاميم جديدة مرغوبة. ومع ذلك، بخلاف استراتيجية الموقع التي تعتمد على عمليات مترابطة بإحكام، فإن استراتيجية الفرصة تعتمد على عمليات مترابطة بشكل فضفاض فيما بينها.
وبمجرد أن يحدد المديرون العملية الاستراتيجية المحورية، يتعين عليهم تعلم بعض القواعد البسيطة، وأسهل هذه القواعد هي قواعد العمل لاختيار ومعالجة الفرص، أما القواعد المتعلقة بالإيقاع والأولوية فهي أكثر صعوبة في التعلم. والفكرة هي توفير هيكل كافٍ للعمل، مع السماح في الوقت نفسه بالمرونة اللازمة لاغتنام الفرص غير المتوقعة. وفي استوديو بيكسار للرسوم المتحركة (Pixar Animation Studio)، الذي أصبحت أفلامه (بما فيها سلسلة أفلام Toy Story، وحياة حشرة (A Bug’s Life)، والعثور على نيمو (Finding Nemo)) من الأعمال العالمية الرائجة، فإن القواعد واضحة. إحدى هذه القواعد هي: “لا مديرين تنفيذيين في الاستوديو”؛ إذ يُدار بيكسار بوساطة فناني الإبداع، أو كما وصفه أندرو ستانتون (Andrew Stanton)، مخرج فيلم WALL-E وتاسع موظف في بيكسار، بأنه “مدرسة السينما بلا معلمين”. وهذا يمنح فناني الشركة أقصى قدر من الحرية للإبداع دون الحاجة إلى مواجهة الإدارة الوسطى. وقاعدة أخرى هي “القصة العظيمة أولًا، ثم الرسوم المتحركة”، الأمر الذي يضمن ليس فقط تدفقًا مستمرًّا من الجوائز المرموقة (يحمل فيلم راتاتوي (Ratatouille) الرقم القياسي في عدد ترشيحات الأوسكار لفيلم رسوم متحركة طويل)، بل ويسهل أيضًا جذب المواهب. وهناك قاعدة أخرى تنص على أنّ: “الأفكار الأصلية من داخل الشركة فقط”. ورغم أن الأفكار يجب أن تأتي من الداخل، فإنها لا تقتصر على المبدعين فقط؛ فالجميع، من عمال النظافة إلى المدققين الماليين، يُشجعون على تقديم الأفكار، وتُؤخذ جميع الأفكار في الحسبان. وأخيرًا، كما تشير استعارة ركوب الأمواج، فإن القواعد المتعلقة بالإيقاع لها أهمية خاصة. ومن هذه القواعد في بيكسار هو “فيلم جديد واحد كل عام”. ومع وجود هذه القواعد، يبقى لدى بيكسار مساحة واسعة لإبداع أفلام فريدة.
وعلى السطح، تبدو استراتيجيات اغتنام الفرص المعتمدة على القواعد البسيطة سهلة التقليد، ولكن، نظرًا لتنوع الفرص والنتائج بشكل كبير، يصبح من الصعب فعليًّا فك شفرة هذه القواعد من الخارج. وبالتأكيد، يمكن للمنافسين محاولة تقليد العمليات (مثل الاستحواذات أو تطوير المنتجات)، لكن القواعد غالبًا ما تكون حصيلة التجربة والخطأ الفريدة للشركة، ما يجعل من الصعب على المنافسين نسخها. علاوة على ذلك، حتى لو فهم المنافسون المنطق الكامن ونسخوا قواعد الشركة، غالبًا ما يكون الوقت قد فات؛ إذ تكون الفرص الأكثر جاذبية قد تم اقتناصها بالفعل. فعلى سبيل المثال، رغم أن منافسي شركة سيسكو سيستمز (Cisco Systems) في مجال الشبكات قاموا في نهاية المطاف بنسخ قواعد عملية الاستحواذ لديها، فإنهم لم يتمكنوا من تكرار الفرص التي سبق أن اقتنصتها سيسكو.
وغالبًا ما يُجري المديرون تعديلات على قواعدهم لجعلها أكثر ملاءمة أو توافقًا مع تطور صناعاتهم، وفي هذا السياق، لا يغيّر المديرون عدد ومحتوى القواعد فحسب، بل يغيرون أيضًا مستوى تجريدها. فعلى سبيل المثال، شركة سي آر إف هيلث (CRF Health)، وهي شركة دولية تسرّع اكتشاف الأدوية في صناعة المستحضرات الصيدلانية، كانت تعدّل باستمرار القواعد التي توجه عملية التوسع الدولي لديها. فعندما دخلت الشركة سوق الولايات المتحدة، اعتمدت على قاعدة أثبتت فاعليتها في السويد: “توظيف محليين أقوياء باستخدام الموارد الإلكترونية”. إلا أن هذه القاعدة لم تكن مناسبة للسوق الجديدة؛ إذ كان هناك عدد قليل من الأفراد الذين يجمعون بين مهارات التطوير السريري والمهارات التقنية، ويرغبون في العمل في شركة ناشئة. وفعليًّا، أدت القاعدة إلى توظيف بعض الأشخاص غير المؤهلين في البداية. وبناءً على هذه التجربة، قرر فريق سي آر إف أن القاعدة القائمة بحاجة إلى تعديل، بحيث تركز على التوظيف المحلي دون اعتبار للمصدر. وهكذا، رفع القادة مستوى التجريد من “توظيف محليين أقوياء باستخدام الموارد الإلكترونية” إلى القاعدة العامة: “توظيف محليين أقوياء”. وبهذه القاعدة الجديدة، أصبح التركيز منصبًّا على الهدف الرئيس للتوظيف، دون تحديد الاعتماد على الموارد الإلكترونية أو شركات التوظيف أو مصادر أخرى. وعلى الرغم من أن الحدس يوحي بأن القواعد تبدأ بصورة مجردة ثم تصبح أكثر تفصيلًا، فإن استراتيجية اغتنام الفرص تؤكد العكس؛ فبدلًا من أن تصبح روتينية لضمان الكفاءة، غالبًا ما تصبح القواعد أكثر تجريدًا وتبقى قليلة العدد لضمان المرونة في مواجهة الفرص غير المتوقعة.
عندما يصبح تدفق الفرص أقل جاذبية، كأن تزداد المنافسة على هذه الفرص أو ينخفض العائد منها، أو عندما تظهر تدفقات فرص أكثر جاذبية، يحين الوقت للتحول إلى التدفق الأفضل وعملية الاستراتيجية المرتبطة به. النقطة الأساسية هنا أن التحولات في اختيار مكان المنافسة تُحفَّز أكثر بجاذبية تدفقات الفرص وليس بمدى توافقها مع الموارد ذات الأهميّة الاستراتيجية للشركة. فعلى سبيل المثال، عندما تباطأت فرص تطوير المنتجات في شركة Google (جوجل)، ركزت الإدارة بشكل أكبر على فرص التوسع الدولي. فقد عززت الشركة جهودها لدخول أكثر من خمس وخمسين دولة بأكثر من خمس وثلاثين لغة عبر دعم البحث المحلي، وأصبحت الآن تولد أكثر من نصف إيراداتها من خارج الولايات المتحدة الأمريكية. وبالمثل، عندما نمت شبكة مستخدمي LinkedIn (لينكدإن) إلى حجم كافٍ، انتقلت الشركة من التركيز على عملية الاستحواذ على المستخدمين إلى تطوير خدمات جديدة تولد الإيرادات.
وكما أن استراتيجيات التموضع والاستفادة لها عثراتها، فإن استراتيجية الفرص ليست بمنأى عن المخاطر. بالنسبة للشركات الناشئة الريادية، غالبًا ما يكون من الحاسم إضافة المزيد من العمليات والقواعد الاستراتيجية، حتى وإن كان ذلك غير مريح؛ فقلة التنظيم أكثر خطورة من زيادته، أما بالنسبة للشركات الكبرى، فالمخاطرة الأكبر تكمن في وجود هيكل تنظيمي مفرط؛ إذ يشعر معظم المديرين بالقلق الفطري من البيروقراطية والتعقيدات الإدارية، لكن ما لا يدركونه هو أن اتباع استراتيجية الفرص يتطلب ضبط عدد القواعد، وليس فقط مضمونها. بعبارة أخرى، عدد القواعد له أهميته. وينبغي على المديرين أيضًا الانتباه إلى مؤشرات الاندماج، والتوحيد القياسي، وطول دورة حياة المنتجات، وغيرها من العلامات التي تدل على نضوج القطاع وتراجع ديناميكيته.
فأي استراتيجية ينبغي أن تتبع؟ الواقع أنه لا توجد استراتيجية واحدة تصلح لكل القطاعات وفي جميع الأوقات. فرغم أن جوهر الاستراتيجية يكمن في التميز، فإن تحقيق هذا “التميز” -سواء عبر مواقع مختلفة، أو موارد متميزة، أو قواعد مختلفة- يعتمد على الظروف المحيطة. فكل نهج يحقق أفضل النتائج في بيئة معينة وله انعكاساته الخاصة على الإجراءات الاستراتيجية، والمخاطر، والمزايا التنافسية، والأداء. وحتى عندما تظن أنك أحسنت الاختيار، قد يتعين عليك أن تغيره مجددًا. لكن بفهمك للأطر الاستراتيجية النموذجية والعوامل الكامنة وراء كل خيار، ستصبح أكثر استعدادًا لوضع استراتيجيتك القادمة.
المراجع
1. M.E. Porter, “Competitive Strategy” (New York: Free Press, 1980); M.E. Porter, “What Is Strategy?,” Harvard Business Review 74, no. 6 (1996); J.W. Rivkin, “Imitation of Complex Strategies,” Management Science 46, no. 6 (2000): 824-844; N. Siggelkow, “Evolution Toward Fit,” Administrative Science Quarterly 47, no. 1 (2002): 125-159 C.B. Bingham and K.M. Eisenhardt, “Position, Leverage and Opportunity: A Typology of Strategic Logics Linking Resources with Competitive Advantage,” Managerial and Decision Economics 29, no. 2-3 (2008): 241-256.
2. N. Siggelkow, “Change in the Presence of Fit: The Rise, the Fall, and the Renaissance of Liz Claiborne,” Academy of Management Journal 44, no. 4 (2001): 838-857.
3. C.K. Pralahad and G. Hamel, “The Core Competence of the Corporation,” Harvard Business Review 68, no. 3 (1990); D.J. Collis and C.A. Montgomery, “Competing on Resources,” Harvard Business Review 73, no. 4 (1995): 118-128 J. Barney, “Firm Resources and Sustained Competitive Advantage,” Journal of Management 17, no. 1 (1991): 99-120; M.A. Peteraf, “The Cornerstones of Competitive Advantage: A Resource-Based View,” Strategic Management Journal 14, no. 3 (1993): 179-191.
4. J.P. Davis, K.M. Eisenhardt and C. B. Bingham, “Optimal Structure, Market Dynamism and the Strategy of Simple Rules,” Administrative Science Quarterly 54 (2009): 413-452.
5. S.L. Brown and K.M. Eisenhardt, “Competing on the Edge: Strategy as Structured Chaos” (Boston: Harvard Business School Press, 1998); K.M. Eisenhardt and D.N. Sull, “Strategy as Simple Rules,” Harvard Business Review 79, no. 1 (2001): 107-116; C.B. Bingham, K.M. Eisenhardt and N.R. Furr, “What Makes a Process a Capability? Heuristics, Strategy and Effective Capture of Opportunities,” Strategic Entrepreneurship Journal 1, no. 1-2 (2007): 27-47; C.B. Bingham and K.M. Eisenhardt, “Rational Heuristics: The ‘Simple Rules’ That Strategists Learn from Their Process Experiences,” Strategic Management Journal (in press); C.B. Bingham and J. Haleblian, “How Entrepreneurial Firms Learn Heuristics: Similarities and Differences Between Individual and Organizational Learning,” Strategic Entrepreneurship Journal (in press).
