ملخص: يستعرض المقال تطور العولمة على مدى أربعة قرون، منذ صعود فرنسا الميركانتيلية في القرن السابع عشر مرورًا بالهيمنة البريطانية القائمة على التجارة الحرة والإمبراطورية، وصولًا إلى صعود الولايات المتحدة كقوة صناعية ومالية عظمى بعد الحرب العالمية الثانية، مع اعتماد الدولار كعملة عالمية ومؤسسات مالية دولية. ويبين أن العولمة شهدت نموًا هائلًا في التجارة والاستثمار وحركة الأشخاص، لكنها تواجه اليوم تراجعًا ملموسًا بسبب انتهاء الهيمنة الأمريكية التقليدية وعدم جاهزية أي قوة بديلة لتحل محلها، إضافة إلى سياسات الانعزال والحمائية الحديثة مثل تلك التي انتهجها ترامب. ويخلص المقال إلى أن العولمة لم تمت بعد، لكنها في حالة انحدار، مما يطرح تساؤلات حول مستقبل التعاون والنظام الاقتصادي العالمي في ظل تعدد القوى الاقتصادية.
على مدى أربعة قرون تقريبًا، سار الاقتصاد العالمي في طريق متصاعد من التكامل، لم تتمكن حتى حربان عالميتان من تعطيله بالكامل. هذا المسار الطويل للعولمة كان مدفوعًا بزيادة هائلة في التجارة والاستثمار الدوليين، وحركة غير مسبوقة للناس عبر الحدود، وتغيرات جذرية في النقل والاتصالات.
حسب المؤرخ الاقتصادي جي. برادفورد ديلونغ، ارتفعت قيمة الاقتصاد العالمي (بالأسعار الثابتة لعام 1990) من 81.7 مليار دولار في عام 1650 إلى 70.3 تريليون دولار في عام 2020 – أي زيادة بلغت 860 ضعفًا. كانت أكثر فترات النمو كثافة مرتبطة بارتفاع التجارة العالمية، أولًا خلال القرن التاسع عشر الطويل بين نهاية الثورة الفرنسية وبداية الحرب العالمية الأولى، ثم بعد الحرب العالمية الثانية مع تحرير التجارة حتى الأزمة المالية العالمية 2008.
اليوم، يبدو أن هذا المشروع الضخم في تراجع. العولمة لم تمت بعد، لكنها تموت.
ترامب والحقيقة المستترة
تعكس سياسات التعريفات الجمركية التي فرضها دونالد ترامب أزمة اقتصادية أعمق، لكنها ليست سببها الجذري. بل تعكس حقيقة ظهرت منذ عقود، وهي تراجع الولايات المتحدة كقوة اقتصادية أولى ومحرك للنمو العالمي.
منذ منتصف القرن السابع عشر، سعت كل فترة من فترات العولمة إلى زعامة دولة واحدة للعالم، تمتلك القوة العسكرية والسياسية والمالية لفرض قواعد الاقتصاد العالمي على الآخرين. لكن اليوم، مع ميل الولايات المتحدة نحو الانعزالية تحت إدارة ترامب، لا توجد قوة بديلة جاهزة لحمل الشعلة، فيما الصين تواجه تحديات اقتصادية وسياسية تحول دون أن تصبح القائد العالمي الجديد.
الدروس التاريخية: من فرنسا إلى بريطانيا
فرنسا: الميركانتيلية والحروب الاقتصادية
في منتصف القرن السابع عشر، كانت فرنسا القوة الأوروبية الأقوى، وابتكرت نموذجًا متكاملًا للميركانتيلية بقيادة وزير المالية جان-بابتيست كولبير. استهدف هذا النموذج زيادة واردات الذهب عبر دعم الصناعات المحلية وفرض التعريفات على الواردات، مع إنشاء شركات تجارية ونظام استعماري لتعزيز المصالح الفرنسية.
لكن سياسات فرنسا الميركانتيلية أدت إلى حروب مستمرة، ولم تتمكن من منافسة نشاط الشركات التجارية الهولندية والبريطانية الأكثر ربحية وكفاءة. انتهت فترة الهيمنة الفرنسية بانتصارات بريطانية بحرية وبرية، ومع هزيمة نابليون في واترلو، تبخرت الأحلام الفرنسية بالسيطرة على الاقتصاد العالمي.
بريطانيا: التجارة الحرة والإمبراطورية
على النقيض، اعتنقت بريطانيا التجارة الحرة، مستندة إلى أفكار آدم سميث وديفيد ريكاردو، ورأت أن التبادل التجاري ليس لعبة صفرية، بل وسيلة للربح المتبادل. بحلول الأربعينيات، كانت بريطانيا قوة صناعية عملاقة تعتمد على الثورة الصناعية الأولى والسكك الحديدية والبخار.
بجانب الإنتاج الصناعي، سيطرت لندن على التمويل العالمي عبر اعتماد معيار الذهب، ما جعل الجنيه وسيلة تبادل عالمية وسمح ببروز القطاع المصرفي القوي. وبذلك، كانت بريطانيا تجمع بين الإنتاج الكفء، والوصول إلى الأسواق العالمية، والتمويل الدولي، مع الاستعداد لاستخدام القوة العسكرية لفتح الأسواق، كما حدث في حروب الأفيون مع الصين.
الولايات المتحدة: من الحماية إلى النيوليبرالية
أمريكا بعد تأسيسها اتبعت سياسة الحماية لدعم صناعاتها الناشئة، بدءًا من خطط ألكسندر هاميلتون في 1791، مع فرض تعريفات جمركية مرتفعة. ومع نمو الصناعات الأمريكية، حافظت الحكومة على قيود حماية طويلة، مستفيدة من الموارد الداخلية والسوق المحلية الواسعة.
بعد الحرب العالمية الثانية، أصبحت الولايات المتحدة قوة عظمى، سياسياً وعسكرياً ومالياً وثقافياً، مع تأسيس مؤسسات عالمية مثل صندوق النقد والبنك الدولي، واعتماد الدولار كعملة عالمية رئيسية، ما أتاح الهيمنة على الاقتصاد العالمي.
لكن بحلول السبعينيات، واجه الاقتصاد الأمريكي منافسة ألمانية ويابانية متجددة، وانتهى ارتباط الدولار بالذهب، ما أطلق العنان لعولمة مالية مكثفة أدت لاحقًا إلى أزمات متكررة، منها الأزمة المالية العالمية 2008.
ترامب: الميركانتيلية المعاصرة
يُعد ترامب أول رئيس أمريكي يعي بشكل كامل شعور الطبقة العاملة بالإقصاء من نمو ما بعد الحرب، لكن سياساته الحمائية لن تعود بالفائدة على هؤلاء، بل تزيد من التفاوت الاقتصادي وتفاقم العجز المالي للدولة، مع تهديد الاستقرار المالي العالمي.
حتى بدون ترامب، كان عصر الهيمنة الأمريكية على الاقتصاد العالمي سينتهي عاجلاً أم آجلاً. العولمة لم تمت بعد، لكنها تموت. السؤال الأهم الآن: ما القادم؟
