ملخص: يتناول المقال التحوّل الاقتصادي العالمي من الغرب إلى الشرق خلال العقدين الماضيين، مع تصاعد دور دول بريكس، لا سيما الصين والهند، في الإنتاج، التجارة، التكنولوجيا، والطلب الاستهلاكي، ما أعاد رسم الخرائط الاقتصادية وأبرز الحاجة لتعزيز التعاون متعدد الأطراف. ويشير إلى أن هذا التحوّل يتطلب من الشرق والغرب التعاون في مجالات مثل الأطر السياسية المشتركة، التجارة والاستثمار الشامل، التمويل المستدام، بناء القدرات والمعرفة، وإصلاح المؤسسات العالمية لتعزيز صوت الاقتصادات النامية. كما يسلط المقال الضوء على فرص إفريقيا الاستراتيجية لتعزيز البنية الرقمية، الذكاء الاصطناعي، الشمول الاقتصادي، وتنمية تحالفات جنوب-جنوب، بما يمكنها من لعب دور مؤثر في الاقتصاد العالمي المستقبلي.
خلال العقدين الماضيين، شهد العالم تحوّلًا اقتصاديًا مهمًا: القوة الاقتصادية، حركة التجارة، الريادة التكنولوجية، وحتى الطلب الاستهلاكي بدأ يتحرك تدريجيًا من الغرب إلى الشرق. هذا التحوّل يعيد رسم الخرائط الاقتصادية ويطرح أسئلة عاجلة حول التعاون والمنافسة والشمولية في عالم متعدد الأقطاب.
يجيب الخبير الاقتصادي آرنو فان نيكيرك عن هذه القضايا في كتابه الجديد: West to East: A New Global Economy in the Making?
مؤشرات التحوّل من الغرب إلى الشرق
في 2018، تجاوزت دول مجموعة بريكس، بقيادة الصين والهند، دول مجموعة السبع من حيث نصيبها في الناتج المحلي الإجمالي العالمي. ونمت مساهمة بريكس من 32.33% في 2018 إلى 35.43% في 2024، مقارنة بتراجع نصيب مجموعة السبع إلى 29.64% بعد أن كان 43.28% في 2000.
كما أظهرت البيانات تغيرًا مماثلًا في حصة التجارة العالمية، خصوصًا الصادرات، حيث استحوذت مجموعة بريكس+ (11 دولة، بما في ذلك الأعضاء الجدد) على 28% من الصادرات العالمية في 2024، مقتربة من 32% لمجموعة السبع.
هناك مؤشرات أخرى على التحوّل:
أكثر من ثلثي احتياطات النقد الأجنبي العالمية موجودة في آسيا، أبرزها الصين (3 تريليونات دولار)، اليابان، الهند وكوريا الجنوبية.
الصين أصبحت أكبر مصدر للاستثمار الأجنبي المباشر في الدول النامية عبر مبادرة “الحزام والطريق”، التي تشمل أكثر من 150 دولة.
آسيا تمثل الآن أكثر من نصف الطبقة الوسطى العالمية، وتقود نمو الطلب الاستهلاكي العالمي.
الصين والهند وكوريا الجنوبية واليابان أصبحوا روادًا في التكنولوجيا المالية، الذكاء الاصطناعي، وشبكات الجيل الخامس، حيث تتفوق الصين في تسجيل براءات الاختراع الدولية على الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي مجتمعين.
ماذا يعني هذا للتحوّل في التعاون الاقتصادي؟
يتطلب هذا التحوّل من دول الشرق والغرب بذل جهود أكبر للتعاون، من أجل:
التخفيف من التوترات الاقتصادية العالمية.
دفع الاقتصاد العالمي نحو نمو مستدام يعود بالنفع على جميع الدول.
ويجب أن يتجاوز التعاون الصفقات التجارية التقليدية، ليشمل تقليص الفوارق، تعزيز المرونة، وإدماج الاستدامة.
خمسة مجالات رئيسية للتعاون:
الأطر السياسية المشتركة:
التعاون الضريبي عبر فرض ضرائب دنيا على الشركات لضمان إيرادات عادلة.
توحيد معايير العمل والحماية الاجتماعية لمنع الاستغلال.
دمج أهداف التنمية المستدامة واتفاقية باريس وحقوق الإنسان في الاتفاقيات التجارية والمالية.
التجارة والاستثمار الشامل:
اتفاقيات تجارة عادلة تمنح صغار المنتجين والنساء والمجتمعات المهمشة فرصًا متكافئة.
إنشاء سلاسل قيمة إقليمية لدعم الدول النامية في تطوير قدراتها داخل سلاسل القيمة العالمية.
تسهيل نقل التكنولوجيا، خصوصًا التقنية الخضراء والرقمية بأسعار مناسبة.
التعاون المالي:
إتاحة أدوات تمويل مبتكرة مثل السندات الخضراء والاجتماعية والصناديق المناخية للدول منخفضة الدخل.
تنفيذ آليات مشتركة لإعادة هيكلة الديون وتخفيف أعبائها على الإنفاق الاجتماعي.
إقامة شراكات بين القطاعين العام والخاص لتمويل البنية التحتية الاجتماعية، مثل التعليم والصحة والرقمنة.
بناء المعرفة والقدرات:
إنشاء منصات بحث مشتركة للتعاون في مجالات التكيف المناخي، الأمن الغذائي، والرقمنة الشاملة.
تعزيز التعاون جنوب-جنوب وثلاثي الأطراف لتبادل الخبرات والممارسات الفضلى.
برامج تنقل عمالة منظمة لتعزيز المهارات والفائدة المتبادلة.
الحوكمة وإصلاح المؤسسات متعددة الأطراف:
إصلاح المؤسسات العالمية مثل البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية لتعزيز صوت الاقتصادات النامية.
دور أفريقيا في هذا التحوّل
أثبتت الصين والهند ودول الشرق الأخرى قدرتها على منافسة الغرب اقتصاديًا وعسكريًا وحوكميًا. وأفريقيا تقع في موقع استراتيجي يمكنها من لعب دور رئيسي في تشكيل الاقتصاد العالمي المستقبلي.
أولويات مقترحة للقارة خلال العقد المقبل:
تعزيز البنية الرقمية والتقنية والذكاء الاصطناعي:
وضع استراتيجية وطنية للإنترنت ومراكز البيانات بالتعاون بين القطاعين العام والخاص، وتحفيز إنشاء مراكز بيانات إقليمية.
رفع مستوى التدريب في العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات والذكاء الاصطناعي، من خلال برامج مكثفة، إدماج تكنولوجيا المعلومات في المدارس، ودعم الشركات الناشئة المحلية في هذا المجال.
تأمين الاستثمار في البنية التحتية الرقمية:
تطوير شبكات الألياف البصرية، 5G، ومراكز البيانات، وربما الاستفادة من “طريق الحرير الرقمي” الصيني.
تعزيز الشمول الاقتصادي والتنمية المستدامة:
جعل التنمية الاقتصادية الشاملة والمستدامة محور استراتيجيات النمو في جنوب أفريقيا ودول أفريقية أخرى.
التنقل الاستراتيجي بين التحالفات الجيوسياسية:
استخدام عضوية بريكس+ لتعزيز المصالح الوطنية.
تعزيز التعاون جنوب-جنوب في التجارة، نقل التكنولوجيا، والتحالفات المالية مع دول آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية.
تنويع الأسواق لتعزيز الصادرات داخل آسيا وأوروبا والأسواق الأفريقية البينية.
جذب الاستثمارات والشراكات الرقمية من الولايات ِالمتحدة والصين للاستفادة من المنافسة التكنولوجية العالمية.
