القائمة الرئيسية

لماذا لا تُسرّع الشركات استثماراتها؟ نظرية جديدة تفسّر هذا اللغز الاقتصادي

لماذا لا تُسرّع الشركات استثماراتها؟ نظرية جديدة تفسّر هذا اللغز الاقتصادي
ملخص المقال

إذا كانت أسواق الأسهم تسجل أرقامًا قياسية، والتكنولوجيا تتطور بوتيرة غير مسبوقة، فلماذا لا تتدفق استثمارات الشركات نحو مشاريع جديدة؟

ملخص: يشرح المقال التناقض بين ازدهار الأسواق المالية والتقدم التكنولوجي من جهة، وبين تباطؤ استثمارات الشركات من جهة أخرى، ويقدّم تفسيرًا جديدًا لهذا السلوك. فبينما اعتاد الاقتصاديون الاعتماد على مؤشر Q لتوبين لقياس الحافز على الاستثمار، تكشف دراسة حديثة أن هذا المؤشر مضلّل لأنه لا يأخذ في الحسبان الطاقة الإنتاجية الفائضة التي تمتلكها الشركات من مصانع غير مستغلة ومساحات مكتبية فارغة بعد انتشار العمل عن بُعد. هذه الطاقة غير المستخدمة تجعل القيمة السوقية تبدو عالية دون أن يعني ذلك وجود فرص استثمارية حقيقية، وبالتالي ينخفض الحافز للاستثمار رغم ارتفاع الأرباح والسيولة. ويرى المقال أن جذور المشكلة تعود إلى جمودات بنيوية مثل التعقيدات التنظيمية وصعوبات سوق العمل، وأن سياسات مثل خفض الضرائب أثبتت فشلها في تحفيز الاستثمار لأن المشكلة ليست في تكلفة رأس المال بل في ضعف الطلب. ويخلص المقال إلى أن الحل يكمن في معالجة اختلالات الطلب، وتقليل العوائق التي تمنع تشغيل القدرات القائمة، بدل الاكتفاء بحوافز مالية لا تغير الواقع الهيكلي للسوق.

لطالما حيّرني سؤال يبدو مناقضًا للمنطق: إذا كانت أسواق الأسهم تسجل أرقامًا قياسية، والتكنولوجيا تتطور بوتيرة غير مسبوقة، فلماذا لا تتدفق استثمارات الشركات نحو مشاريع جديدة؟

صحيح أن الشركات ما زالت تستثمر، لكن وتيرة الإنفاق الاستثماري أبطأ بكثير مما يفترض أن تكون عليه خصوصًا خارج مجال الذكاء الاصطناعي.

ولست وحدي من لاحظ هذه المفارقة؛ فالعناوين الصحفية تتحدث منذ سنوات عن تباطؤ الاستثمار رغم ارتفاع أرباح الشركات. ففي منتصف السبعينيات، كانت الشركات الأميركية تعيد استثمار 25 سنتًا من كل دولار تملكه. أمّا اليوم، فلا يتجاوز الرقم 12 سنتًا.

بمعنى آخر: الشركات غارقة في السيولة، لكنها متحفظة بشكل مفاجئ حين يتعلق الأمر باستثمارها في مستقبلها. فما الذي تغيّر؟

أنا اقتصادي، وقد نشرت مع زميلي غوستافو غرولون دراسة جديدة في مجلة التمويل Journal of Finance تقترح تفسيرًا مختلفًا تمامًا عمّا اعتاده خبراء الاقتصاد. وتوصلنا إلى أن المشكلة لا تكمن في حذر المديرين التنفيذيين، ولا في تقلبات الأسواق… بل في الطريقة التي يقيس بها الاقتصاديون دوافع الشركات للاستثمار.

لعقود… كنا نطرح السؤال الخطأ

اعتمد الاقتصاديون لسنوات طويلة على مؤشر بسيط يُدعى Q لتوبين لقياس مدى ملاءمة الاستثمار.
وتقوم فكرته على مقارنة “القيمة السوقية للشركة” بكل ما يتطلبه الأمر لإعادة بنائها من الصفر. إذا كان الرقم مرتفعًا، فهذا يعني نظريًا وجود حافز قوي للاستثمار.

لكن الواقع يسير في اتجاه معاكس:
فقيمة Q ترتفع منذ نصف قرن… بينما معدلات الاستثمار تتراجع بحدة.

ما سر هذا التناقض؟

تشير أبحاثنا إلى عامل واحد بالغ الأهمية: الطاقة الفائضة.
فالعديد من الشركات تمتلك مصانع أو معدات أو قدرات تشغيلية تفوق ما تحتاجه فعليًا. عدم أخذ هذه الطاقة غير المستخدمة في الحسبان يجعل مؤشر Q يبدو أعلى مما ينبغي، ويوحي بوجود فرص استثمارية جذابة، بينما الواقع عكس ذلك.

لنتخيل شركة تملك مباني مكاتب، ومع انتشار العمل عن بُعد، باتت العديد من طوابقها فارغة. إذا عاد بعض المستأجرين واستأجروا جزءًا بسيطًا من المساحات الشاغرة، سترتفع أرباح الشركة وأسعار أسهمها. وهذا بدوره سيرفع قيمة Q.
وفق النظرية التقليدية، يُفترض أن يكون ذلك مؤشرًا لبدء بناء مبنى جديد. لكن عمليًا، من سيبني برجًا إضافيًا بينما المساحات الحالية لا تزال فارغة؟

القضية ليست في متوسط قيمة الأصول، بل في القيمة الحدّية لاستثمار دولار إضافي.
وبما أن الطاقة التشغيلية المستغلة في الاقتصاد الأميركي تراجعت لعقود، فإن الحافز للاستثمار تراجع معها.

لماذا تراجعت الاستفادة من الطاقة الإنتاجية؟

الجواب ليس واضحًا بالكامل، لكن ما يسمى بـ الجمودات البنيوية يلعب دورًا مهمًا:

  • تعقيدات تنظيمية

  • صعوبات في سوق العمل

  • تغيّر هياكل التكلفة

    وغيرها من العوامل التي تُضعف قدرة الشركات على العودة للعمل بطاقتها الكاملة، خاصة بعد فترات الركود.

لماذا يهم هذا الأمر؟

هذه ليست مجرد معادلة اقتصادية على الورق. فالتفسير الجديد يُلقي الضوء على سبب فشل سياسات مالية كبرى في تحفيز الاستثمار مثل التخفيضات الضريبية.

خذ مثال قانون تخفيضات الضرائب لعام 2017 في الولايات المتحدة.
تم تخفيض ضريبة الشركات من 35% إلى 21%، والسماح بالخصم الفوري لنفقات المعدات. توقع السياسيون طفرة استثمارية… لكن البيانات أثبتت العكس تمامًا.

قبل التخفيضات، كان معدل الاستثمار للشركات الأميركية المدرجة (بما في ذلك الأصول المعنوية) 13.9%.
بعد التخفيضات؟ انخفض إلى 12.4%.

بدل توجيه الأموال إلى مشاريع جديدة، توجهت ملايير الدولارات إلى إعادة شراء الأسهم وتوزيع الأرباح.

وهذا منطقي؛ لأن الشركات التي تملك طاقة فائضة لن تستثمر في معدات جديدة حتى لو أصبحت أرخص. فالمشكلة ليست في التكلفة بل في غياب الطلب القابل للتوسع.

ما الذي ينبغي على صناع السياسات التركيز عليه؟

لا يعني ذلك أن الضرائب ليست مهمة، فهي مفيدة خاصة للشركات الصغيرة ذات إمكانيات النمو الكبيرة.
لكن بالنسبة للشركات الكبرى التي تُشكّل الجزء الأكبر من الاقتصاد، فإن المعضلة الأساسية ليست في تكلفة الاستثمار بل في ضعف الطلب.

لذلك، بدل الضغط على الشركات للاستثمار أكثر، ينبغي لصناع السياسات:

  • فهم سبب تراجع الطلب مقارنة بالعرض

  • تقليل الجمودات الاقتصادية والتنظيمية

  • إزالة العوائق التي تمنع تشغيل القدرات القائمة

  • ضمان وجود أسواق قادرة على استيعاب أي طاقة جديدة

فإذا لم يكن هناك طلب كافٍ، فلن يُجدي أي عدد من الحوافز الضريبية نفعًا.

المصدر

مقالات ذات صلة