ملخص: يقدّم المقال قراءة موجزة لاستراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، موضحًا أنها تعكس بوضوح رؤية ترامب الشخصية أكثر من أي وثيقة سابقة، إذ تمزج بين نبرة إنجازاته وخطابه الانتخابي. ويبيّن أن ترامب لا يتبنى انعزالية كاملة، بل يعيد تعريف دور الولايات المتحدة عالميًا عبر تركيز جديد على نصف الكرة الغربي ومواجهة تهديدات يعتبرها داخلية مثل المخدرات والهجرة. كما يكشف عن بُعد أيديولوجي بارز يتمثل في دفاعه عن “الحضارة الغربية”، مع تراجع واضح عن هدف نشر الديمقراطية عالميًا. وعلى المستوى الاقتصادي، تُظهر الاستراتيجية توجّهًا نفعيًا غير مسبوق يجعل العلاقات الدولية أقرب إلى صفقات تجارية تُقاس بالربح والخسارة. وينتهي المقال إلى أن هذه الرؤية تثير قلق الحلفاء، لأنها لا تمنحهم ضمانات حقيقية في حال قررت واشنطن أن مصالحها الاقتصادية تقتضي التخلي عنهم.
أصدر البيت الأبيض مؤخرًا استراتيجية الأمن القومي الجديدة، وهي وثيقة تلتزم كل إدارة أمريكية بنشرها لتوضيح أولوياتها في السياسة الخارجية. ورغم أن هذه الوثائق تُعد عادةً نتاج عمل لجان متعددة، إلا أنها تعكس في النهاية رؤية الرئيس نفسه، وتُعد بمثابة البيان الفكري الذي يحدد كيف يرى العالم ودور الولايات المتحدة فيه.
الوثيقة الأخيرة تُظهر بوضوح هذا الطابع الرئاسي. بل يمكن القول إنها، مقارنةً بسابقاتها، أكثر التصاقًا بشخصية ترامب وخطابه السياسي؛ فهي تمتلئ بالإشادة بإنجازات إدارته بطريقة تشبه خطابات الحملات الانتخابية، وتحتوي على عبارات تحتفي بقدرته على تحدي المسلّمات وإعادة توجيه السياسة الخارجية الأمريكية.
فما الذي تخبرنا به هذه الوثيقة عن رؤية ترامب للعالم؟
هناك ثلاثة محاور رئيسية يمكن استخلاصها.
1. ترامب ليس انعزاليًا: لكنه يعيد تعريف دور أمريكا عالميًا
رغم ما يُقال أحيانًا عن ميول ترامب الانعزالية، تكشف الوثيقة أنه لا يدعو إلى انسحاب الولايات المتحدة من الشؤون الدولية. فالتفاخر بوساطته في ثمانية اتفاقيات سلام أو بإلحاق الضرر بالبرنامج النووي الإيراني لا يصدر عن رئيس يرغب في الانطواء.
الوثيقة مثل سابقاتها تجعل الولايات المتحدة مسؤولة عن “السلام والازدهار العالميين”. إلا أن أولويات هذه المسؤولية تتغير هنا بوضوح؛ فبدل التركيز المكثف على الصين كما فعلت الإدارات الماضية، يضع ترامب نصف الكرة الغربي في صدارة الاهتمام، واعدًا بـ“استعادة المكانة الأمريكية” فيه.
لكن المثير أن “التهديدات” التي يحددها في هذا الإطار ليست الصين ولا روسيا، بل عصابات المخدرات وتدفقات المهاجرين غير النظاميين.
في منظور الإدارات السابقة، تبدو هذه أولويات غير منطقية، إذ كانت السياسة الخارجية الأمريكية تتمحور حول التهديدات العسكرية الكبرى. لكن ترامب يرى أن المخدرات والمهاجرين الذين يصفهم بأنهم “يسمّمون دماء” الأمريكيين يشكلون الخطر الأكثر إلحاحًا على شعبه. وهكذا، تُعاد صياغة مفهوم “أمريكا أولًا” بطريقة تضع الأمن الداخلي في قلب السياسة الخارجية، دون أن تعني الانعزال أو التراجع عن المسرح الدولي.
2. الدفاع عن "الحضارة الغربية": بُعد أيديولوجي يتجاوز الحدود
تعود الوثيقة إلى أحد أهم محاور خطاب ترامب: الحديث عن “الحضارة الغربية” التي يرى أنها تتعرض لتآكل ثقافي وهجوم خارجي. وتنتقد الوثيقة بشدة الحكومات الأوروبية بدعوى أنها استقبلت أعدادًا كبيرة من المهاجرين، وأنها تضيق على الأحزاب القومية اليمينية، مما يراه ترامب خيانة للتراث الحضاري الغربي.
هذه ليست لغة سياسة خارجية تقليدية، بل خطاب حضاري عابر للحدود. وتوحي الوثيقة بأن ترامب لا يرى نفسه مجرد رئيس للولايات المتحدة، بل “حاميًا” لحضارة بيضاء أوروبية-أمريكية مهددة بالاضمحلال.
وللمرة الأولى، تتخلى استراتيجية أمنية أمريكية عن الحديث عن نشر الديمقراطية الليبرالية عالميًا بوصفه هدفًا أساسيًا. وتؤكد أن هذا الهدف “غير قابل للتحقيق”. وبدلًا من ذلك، تركز على “حماية هوية” الدول الأوروبية التي بحسب الوثيقة قد تصبح “غير أوروبية” خلال عقدين إذا استمرت معدلات الهجرة الحالية.
هذا الخطاب جعل بعض المحللين يقارنون الوثيقة بـ"نظرية الاستبدال العظيم" ذات الطابع العنصري، وهو تشبيه رفضه البيت الأبيض بقوة.
3. الاقتصاد أولًا: العلاقات الدولية كشراكات تجارية
المحور الثالث والأبرز في الوثيقة هو الطابع الاقتصادي الطاغي على السياسة الخارجية. فالفصول الأكثر تفصيلًا تتناول كيفية إعادة الصناعات إلى الولايات المتحدة، وإعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، وتحشيد الحلفاء للحد من النمو الاقتصادي الصيني.
أما القضايا الأمنية التقليدية، فتأتي في الهامش:
طموحات روسيا في أوروبا تُذكر بشكل عابر.
تايوان تُخصّص لها فقرة واحدة فقط.
حتى العلاقات مع الصين وروسيا تُعرض وكأنها علاقات تجارية محتملة، لا صراعًا استراتيجيًا طويل الأمد.
المقياس الأخلاقي أو القيمي شبه غائب. فحتى في تبرير دعم الولايات المتحدة لتايوان، لا تذكر الوثيقة قيمة النظام الديمقراطي هناك، بل تكتفي بالإشارة إلى قطاع أشباه الموصلات وموقع الجزيرة الاستراتيجي.
هذا يجعل الاستراتيجية واحدة من أكثر الوثائق الأمريكية نفعية وتعامليّة في التاريخ الحديث، حيث تُقاس العلاقات الدولية بمعايير الربح والخسارة الاقتصادية، لا بالتحالفات أو القيم المشتركة.
ماذا يعني ذلك لحلفاء الولايات المتحدة؟
تترك الوثيقة سؤالًا مزعجًا لحلفاء واشنطن في أوروبا وآسيا:
ماذا لو كان الخيار الأكثر ربحية للولايات المتحدة هو التخلي عنهم؟
وماذا لو قرر ترامب عقد صفقة “مربحة” مع روسيا أو الصين على حساب أمن حلفائه؟
الوثيقة، بصيغتها الحالية، لا تقدّم لهم ضمانات مؤدية للاطمئنان.
