لقد شاركت مؤخرًا في عدد من الجلسات الحوارية، أحيانًا كمقدمة ومرشدة، وأحيانًا أخرى كمتحدثة مدعوة. في إحدى المرات، خلال مشاركتي كمتحدثة في مهرجان New Latin Wave في بروكلين، سألتني إحدى الحاضرات عن التورتيلا. لم أكن مكسيكية، فخطر ببالي فورًا أن أجيب خطأ. لكنها لم تسأل عن وصفة فقط؛ كانت تتحدث عن التقليد والتجارة. عن ما إذا كان انتشار التورتيلا الجاهزة في المتاجر سيؤدي إلى فقدان الأجيال اتصالها بثقافتها وجذورها، وما إذا سيأتي يوم لا يعرف فيه أحد داخل البيت كيفية إعداد العجين من الصفر، أو فرده وتسخينه ليصبح طازجًا، لأن التورتيلا، التي تشكل أساس كثير من الوجبات، ستصبح دائمًا جاهزة ومغلفة بالبلاستيك.
قلت لها ببساطة:
""تجارية الطعام تبعدنا عن ثقافتنا.""
وعادت إلى منزلها لتحول العبارة إلى اقتباس إلهامي على إنستغرام. فالأطعمة المصنعة أصبحت أكثر سهولة من الطبخ في المنزل، والكثيرون يعملون في وظيفتين أو ثلاث، ما يجعل من لديه الوقت لإعداد الطعام من الصفر أغنياء. لكن هذا لا يعني أن التورتيلا الطازجة، أو أرغفة الخبز المخمرة، أو الأعشاب المزروعة في المنزل، لا تنتمي للجميع.
التورتيلا كمرآة للتغيرات الاجتماعية والاقتصادية
التورتيلا توضح بشكل مثالي كيف يمكن لقوى خارج سيطرة الناس أن تؤثر على مطابخهم بشكل عميق. في كتابها Eating NAFTA: Trade, Food Policies, and the Destruction of Mexico، تشرح أليشيا غالفز كيف غيّرت اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (NAFTA) عام 1994 الهياكل الاقتصادية والغذائية في المكسيك، وأدت إلى زيادة الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي مثل السكري وأمراض القلب والكلى. فقد حلّت الزراعة الصناعية والأطعمة المعالجة محل ميلبا، نظام الزراعة التقليدي المستدام الذي يعتمد على الذرة والفاصولياء واليقطين. ومع ذلك، أصبح الطعام التقليدي اليوم موضة عالمية بين المستهلكين الأغنياء.
توضح غالفز أن الطهي بالاعتماد على نظام ميلبا يتطلب توفر المكونات، والعمالة، وإيقاع حياة معين، وهو ما أصبح صعب التحقق منه اليوم. وتضيف:
""بالنسبة للبعض، يمثل ذلك قصة تحرر، فأنظمة الطعام التقليدية كانت تعتمد على العمل المنزلي الشاق للنساء، وغير متوافقة بسهولة مع المشاركة في سوق العمل الرسمي. ومن انتقل بعيدًا عن الأرض أو عن ساعات طحن الذرة وإعداد التورتيلا، قد لا يرغب بالعودة إلى ذلك النمط، لكن هذا التحول له تكاليف عديدة لم يُسلط الضوء عليها بما يكفي.""
حياة الطاهي التقليدي في مواجهة الصناعة
في برنامجها الجديد على نتفليكس Salt Fat Acid Heat، تعرض سامن نصرت هذا النمط من الحياة في حلقة “الحمض”، المصوّرة في يوكاتان بالمكسيك. تُظهر النصرت “سيدة التورتيلا” دونا أزاريا وهي تأتي بالذرة المنقوعة بالماء والجير المعدني إلى مطحنة المجتمع لطحنها يدويًا، لتصنع 200 إلى 250 تورتيلا يوميًا. وتوضح النساء على الشاشة أن التورتيلا المصنوعة يدويًا ألذ من تلك المصنوعة بالآلات، التي تعصر الزيت بشكل زائد.
نصرت تتعامل مع المطابخ العالمية بروح مفتوحة ومتسائلة، وتتحدث اللغة المحلية في كل بلد تزوره، سواء في إيطاليا أو المكسيك، وحتى في اليابان أثناء تذوقها لميسو أحمر عمره عامان”. ضحكتها عفوية، لكنها لا تقلل من جدية المشروع أبدًا. في كل مكان تزوره، تبرز النساء الحرفيات مثل دونا أزاريا كحماة للتقاليد وأساتذة في حرفتهن.
على النقيض، يصف غالفز بعض الطهاة المشهورين مثل رينيه ريدزبي بأنهم يذهبون إلى المكسيك بحثًا عن الأصالة، مستخدمين ما تسميه الكتاب “لغة الغزو”، محاولين الاستفادة من المطبخ المحلي تجاريًا دون تقدير السياق الثقافي.
تستخدم نصرت ما تسميه غالفز “رأس المال السردي” ليس للرومانسية، بل لتوثيق واستمتاع واسترجاع تقاليدها كإيرانية نشأت في الولايات المتحدة. بينما يسعى آخرون إلى الربح من المطبخ المكسيكي، يعتقدون أنهم يعرفون أفضل طريقة لرواية القصة من أصحابها الأصليين.
السياق المحلي مقابل السوق العالمي
توضح غالفز أن رفع قيمة التورتيلا في السوق العالمية لم يُترجم إلى أرباح للمكسيكيين أنفسهم، إذ إن مطعم Noma المؤقت في تولوم، الذي يرفع سعر وجبة واحدة إلى 600 دولار، يقع في منطقة شهدت تحولًا غذائيًا بعد اتفاقية NAFTA نحو أطعمة مصنّعة عالية السعرات وقليلة الفيتامينات.
""بالنسبة للسكان المحليين، لا فرق إذا عملوا في السياحة البيئية أو السياحة التجارية؛ كلاهما أعاد هيكلة حياتهم ونظامهم الغذائي. الاعتماد الأكبر على السوق قلل من تنوع الغذاء وحالة التغذية في المجتمعات منخفضة الدخل. بينما يبحث ريدزبي عن الإلهام في الغابة، يعاني سكان المنطقة من تحول شبه كامل في مصدر طعامهم.""
الواقع الأميركي مشابه
في الولايات المتحدة، توجد مشاكل مماثلة رغم اختلاف السياق. في مقاطعة ألباني بنيويورك، يعيش أكثر من 40 ألف شخص في ما يسميه البعض “فصل غذائي”، بلا وصول إلى الأطعمة الطازجة رغم وجود الأراضي الزراعية. معظمهم من الأقليات. كما تشير جوليا تورشن إلى أن الحركة الغذائية في الولايات المتحدة بقيادة أصحاب البياض فقدت قدرتها على الوصول إلى الطبقات الأقل ثراءً، إذ تظهر الأطعمة المحلية الصحية وكأنها امتياز فاخر، مثل البيض في ملعقة بـ250 دولارًا.
الطبخ الطازج: حق وليست رفاهية
لذلك، يعتبر مشروع نصرت أكثر من مجرد برنامج طهي ممتع ومتاح؛ إنه رؤية ماركسية للطعام. يربط برنامج Salt Fat Acid Heat في إيطاليا والمكسيك واليابان وكاليفورنيا ما نأكله بالأرض وبأيدي من يصنعونه قد تكون تلك الأيدي يديك إذا رغبت. يذكّر البرنامج بأن الملح مصدره الأرض، وأن الدهون لذيذة وضرورية، وأن التورتيلا ليست دائمًا جاهزة من المتجر.
ومع قراءة كتاب غالفز، تتضح صورة أوسع عن ما هو على المحك. لا شيء باذخ في إعداد الطعام من الصفر، بل هو حق طبيعي، حتى لو كان يتطلب الكفاح من أجل الوقت والمكونات في كثير من الأماكن. الطبخ بالمكونات الطازجة هو حقك، ليس ترفًا.
