القائمة الرئيسية

هل يمكن أتمتة الإبداع؟ لماذا لا تزال الاقتصادات بحاجة إلى مزيد من البشر في عصر الذكاء الاصطناعي

هل يمكن أتمتة الإبداع؟ لماذا لا تزال الاقتصادات بحاجة إلى مزيد من البشر في عصر الذكاء الاصطناعي
ملخص المقال

تناقش هذه المقالة حدود الإبداع المبرمج وقدرة الذكاء الاصطناعي على منافسة العقول البشرية الفذة، مُستخدمة أمثلة من أينشتاين وداروين وفرانكلين وستيف جوبز لتوضيح أن الأفكار الثورية غالبًا ما تولد من شخصيات غير نمطية، ذات نزعات غريبة ومخاطرات غير محسوبة—وهي سمات يصعب استنساخها خوارزميًا. وتبرز المقالة أن الاقتصادات، رغم التقدم التقني، ستظل بحاجة إلى البشر لإنتاج الأفكار الأصلية التي تدفع النمو، خصوصًا الشباب في المناطق سريعة النمو مثل أفريقيا، مؤكدة أن الإبداع البشري بأخطائه وفضوله ونزواته يظل المحرك الأهم وراء التقدم.

  • تتصاعد يومًا بعد يوم الأخبار عن عمليات تسريح الموظفين بسبب الذكاء الاصطناعي، وعن تباطؤ التوظيف في مختلف القطاعات.
  • لكن هناك أمرًا واحدًا لا يزال النمو الاقتصادي يعتمد فيه على البشر: الأفكار الكبرى.
  • فالمحاولات الرامية إلى أتمتة إنتاج العقول الأكثر ابتكارًا في التاريخ قد تُظهر في النهاية حدود ما يمكن للرقائق والبيانات والخوارزميات فعله.

وفقًا لتقرير جديد صادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، أصبحت المهارات الناعمة—مثل التفكير الإبداعي—هي ""العملة الصعبة"" في سوق العمل في عصر الذكاء الاصطناعي.

خذ مثلًا هينينغ براند، الذي استيقظ ذات يوم في القرن السابع عشر وتساءل: لماذا لا أقوم بغلي البول؟
ربما. لا أحد يستطيع الجزم بما دار في ذهن هذا الكيميائي الألماني وهو يبدأ في تقطير السوائل في مختبره المنزلي لإجراء تجارب انتهت باكتشاف الفوسفور، والذي مثّل أحد البدايات الحقيقية للكيمياء الحديثة.

وبفضل هذا المسار الغريب من التفكير ظهرت لاحقًا مياه الشرب النظيفة والبنسلين وصناعة الأدوية.

هذا المزيج من العبقرية والغرابة، الذي دفع براند لاتخاذ هذا المنعطف العلمي، يمثل النوع من الإبداع الذي ستظل الاقتصادات بحاجة إليه دائمًا، حتى مع انتشار الذكاء الاصطناعي. وتشير دراستان حديثتان إلى القيمة المستمرة للإبداع البشري في عصر الذكاء الاصطناعي؛ إذ تؤكدان أن التقنية لا تزال تعتمد بشدة على جودة العقل البشري الذي يوجّهها. كما يشير تقرير أحدث للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى أن المهارات الناعمة—منها الإبداع—أصبحت ""العملة الصعبة"" في سوق العمل اليوم.

ويأتي هذا في وقت تمتلئ فيه العناوين بأخبار استبعاد البشر من العملية الاقتصادية، مع تباطؤ التوظيف وتسريحات العمال بفعل الذكاء الاصطناعي. لكن الحقيقة أن الحاجة المستمرة للأفكار الكبيرة الدافعة للنمو قد تتطلب زيادة في عدد البشر مع مرور الوقت، بسبب ما يُعرف بـ""عبء المعرفة""—فكلما تراكمت معارفنا، أصبح إنتاج أفكار أصيلة وجديدة أكثر صعوبة.

يبدو شيء واحد واضحًا بشأن الذكاء الاصطناعي حتى الآن: فهو صُمّم ليُرضي، أحيانًا بشكل مبالغ فيه. ألبرت أينشتاين لم يكن كذلك.

فقد تميز الفيزيائي النظري بما وصف بأنه “استعداد عفوي للتشكيك في السلطة”. لم يبتكر نظرية النسبية عبر اتباع قواعد الفيزياء بشكل أفضل من غيره، بل عبر تجاهلها وابتكار نسخ جديدة منها. نموذج لغوي كبير مُدرَّب على مجمل المعرفة الفيزيائية المتوفرة آنذاك ما كان ليتمكن من تحقيق الشيء نفسه.

وبالطبع، هناك على الأفق الغامض نقطة قد يبدأ فيها الذكاء الاصطناعي أيضًا بكتابة قواعده الخاصة. فقد توقّع أحد الرؤساء التنفيذيين السابقين في غوغل أن تصل الأنظمة إلى مستوى يعادل أفضل العلماء بحلول نهاية هذا العقد. أما المدير التنفيذي الحالي لشركة OpenAI فذكر أن الأمر قد لا يستغرق سوى بضع سنوات قبل أن يبدأ الذكاء الاصطناعي في تحقيق اكتشافات لا يستطيع البشر مجاراتها.

لكن من أجل أتمتة الأفكار الكبرى بشكل حقيقي، هل يتطلب الأمر أولًا هندسة الغرابة الحتمية التي تميز كبار المفكرين؟ تلك السمات الذهنية الفريدة التي تبدو حتى الآن حكرًا على البشر؟

قد يحتاج “أينشتاين اصطناعي” إلى ما يعادل خوارزميًا معاناة مع الرياضيات خلال الدراسة الجامعية، واعتماد عادات غريبة (ثلاث إشارات في أحد الفهارس لتعبير “لم يرتدِ الجوارب قط”)، بالإضافة إلى العمل في وظيفة منخفضة المستوى في مكتب براءات الاختراع، وهي وظيفة وفّرت له الكثير من الوقت لأعمال جانبية مثل إلقاء محاضرات أمام قاعات شبه فارغة، إضافة إلى عزف الكثير من مقطوعات الكمان أثناء صياغة نظرية يُنسب إليها الفضل في تغيير كل شيء لاحقًا.

في البداية، كانت نظرية النسبية لأينشتاين تُربك معظم الناس. أما الآن، فقد ساعدت آخرين كُثر على إيجاد طريقهم بفضل إسهامها في جعل أنظمة تحديد المواقع (GPS) ممكنة. ومن الاختراعات الأخرى المنسوبة إليه، جزئيًا على الأقل، الليزر والخلايا الشمسية.

حمامات الهواء، الحيوانات الغريبة وحميات الجزر

ابتكر بنجامين فرانكلين مانعة الصواعق والنظارات ثنائية البؤرة. وفي صيف عام 1752، سار هذا العالم الأمريكي متعدد المواهب مباشرة نحو عاصفة عنيفة حاملاً طائرة ورقية يتدلّى منها مفتاح معدني باتجاه الغيوم الرعدية؛ وقد أدت تجاربه إلى وضع مفهوم مبكر للبطارية الكهربائية. وكان فرانكلين أيضًا يجلس عاريًا في البرد كل صباح لأداء “حمام الهواء” اليومي.

وتتوالى الأمثلة: داروين كان مولعًا بتناول الحيوانات الغريبة من المدرع إلى أسود الجبال؛ إسحاق نيوتن غرز إبرة في تجويف عينه ليرى ما إذا كان ذلك يغير إدراكه؛ فيما كان توماس إديسون يطلب من المتقدمين لوظائف في شركته الصناعية في نيوجيرسي الإجابة عن أسئلة مثل: “من ألّف أوبرا Il Trovatore؟”

هناك مؤشرات على أن مثل هذه النزعات قد تكون قابلة للبرمجة بالفعل. فالذكاء الاصطناعي التوليدي صار يؤلف موسيقى وشعرًا بوضوح مدهش. كما أظهر هذا النوع من التكنولوجيا قدرات استراتيجية فريدة تتجاوز الأساليب البشرية التقليدية في ألعاب الألواح وغيرها.

في الوقت الراهن، لا يزال التركيز منصبًا على أتمتة أنواع أبسط نسبيًا من أعمال المعرفة. فقد أعلنت وولمارت، أكبر صاحب عمل خاص في الولايات المتحدة، مؤخرًا أنها تخطط للحفاظ على عدد موظفيها ثابتًا في السنوات المقبلة. وأشارت دراسة بريطانية حديثة إلى “كارثة وظائف” محتملة خاصة في المناصب المبتدئة. ومن الواضح أن الافتراضات المتعلقة بالاستغناء عن العمالة المكتبية تؤثر بالفعل في خطط الشركات.

وربما لا تتحقق كل تلك الافتراضات. فالأطباء المتخصصون في الأشعة، على سبيل المثال، ما زالوا موجودين حتى الآن رغم توقع الخبراء منذ سنوات أنهم أول من سيتم استبداله.

قد يتطلب استبدال أكثر العقول تفرّدًا أولًا فهمًا دقيقًا لما يجعل بعض الأشخاص أكثر إبداعًا من غيرهم. فقد أشارت دراسة نُشرت عام 2018 إلى “التوصيل الدماغي” كعامل أساسي — إذ يتمتع الأشخاص شديدو الإبداع بقدرة على تنشيط شبكات دماغية في الوقت نفسه عادة ما تعمل بشكل منفصل لدى الآخرين.

قد تكون هناك بالفعل روابط بين تركيب الدماغ وسلوكيات غريبة، مثل اتباع حمية غذائية تعتمد على أكل الجزر فقط لأسابيع متواصلة — وهو أمر كان ستيف جوبز يقوم به أحيانًا.

كان جوبز، الشريك المؤسّس والرئيس التنفيذي الأمريكي لشركة آبل، مثالًا على الفوائد التي يمكن أن تتحقق عندما تتسع دائرة الأفكار بفضل الاستفادة من عدد أكبر من الأشخاص. فقد كان والده البيولوجي مهاجرًا سوريًا، وهو أمر خُلّد في عمل فني لبانكسي.

كان جوبز يُعتبر عبقريًا فريدًا من نوعه. لكنه كان بحاجة إلى مساهمين آخرين يقدمون أفكارًا أصغر تُشكّل معًا شبكة معقدة ترتفع في النهاية إلى مفاهيم عملاقة. لقد كانت هناك حاجة إلى فرق كاملة من المفكرين المبدعين لتصميم أشياء مثل لوحة مفاتيح برمجية موثوقة قبل أن يصبح أول آيفون حقيقة.
وقال أحد المهندسين الذين كُلّفوا بالمشروع عن مديره السابق: “لم يكن يتدخل في كل التفاصيل”.

مقالات ذات صلة