ملخص: تناقش هذه المقالة التحديات المتصاعدة لاستهلاك الطاقة في مراكز البيانات حول العالم مع توسّع استخدام الذكاء الاصطناعي، وتستعرض كيف يمكن لهذه المراكز تجنّب مضاعفة استهلاكها للطاقة بحلول 2030 عبر ثلاث ركائز أساسية: تحسين الكفاءة الفيزيائية للبنية التحتية، وتعزيز كفاءة أحمال العمل لخفض الاستهلاك غير الضروري، وتطبيق مبادئ الاقتصاد الدائري لإعادة استخدام الموارد وتقليل النفايات، مؤكدة أن الاستدامة ليست حلًا لحظيًا بل رحلة مستمرة تتطلب رؤية شمولية وتطورًا دائمًا.
- تُعدّ مراكز البيانات أنظمة مترابطة، حيث تتكامل فيها الطاقة والتبريد والمياه والمواد وأحمال العمل؛ لذلك يجب أن تكون جهود الاستدامة شاملة ومتطورة بالتوازي مع تطوّر هذه المراكز نفسها.
- وعلى مستوى العالم، تستهلك مراكز البيانات مجتمعة طاقة تفوق استهلاك بعض الدول، لكن المنشآت المتقدمة يمكنها استخدام طاقة إضافية أقل بنسبة تصل إلى 84% مقارنة بالمستوى المعتاد.
- ويُعدّ تحسين أحمال العمل عاملًا حاسمًا، إذ إن دمج وتوحيد الأحمال يُعدّ الطريقة الأكثر تأثيرًا لخفض الطلب على الطاقة على نطاق واسع.
في عصر الذكاء الاصطناعي، أصبح الحديث عن الطلب المتزايد على الطاقة أمرًا لا يمكن تجاهله. فوفقًا لوكالة الطاقة الدولية (IEA)، استهلكت مراكز البيانات نحو 415 تيراواط/ساعة عالميًا خلال عام 2024. ومن المتوقع أن يتجاوز هذا الرقم 945 تيراواط/ساعة بحلول عام 2030، أي ما يفوق استهلاك اليابان السنوي من الكهرباء حاليًا.
يُقدّر أن تدريب نموذج ضخم واحد مثل ChatGPT يولّد حوالي 552 طنًا من ثاني أكسيد الكربون، وهو ما يعادل البصمة الكربونية السنوية لـ121 منزلًا أمريكيًا. ورغم أن مرحلة التدريب هي الأكثر استهلاكًا للطاقة، فإن الاستدلال (الـInference) – أي تشغيل النماذج وتطبيقها – يستهلك بدوره قدرًا كبيرًا من الطاقة عند العمل على نطاق واسع.
تشير التقديرات الحديثة إلى أن الاستدلال قد يمثل ما يصل إلى 90% من دورة حياة النموذج. ومع ازدياد قوة النماذج واتساع استخدامها، سيستمر الطلب الإجمالي على الطاقة في الارتفاع.
لكن لا يمكن النظر إلى الطاقة بمعزل عن غيرها. فهي تؤثر على المياه والتبريد والمواد، ومن ثم يجب أن تكون الاستدامة شاملة للنظام بأكمله.
الأثر المحلي
من الضروري النظر أيضًا إلى الأثر المحلي لإنشاء وتشغيل مراكز البيانات. يشير تقرير ماكنزي إلى أنه في الولايات المتحدة قد تمثل مراكز البيانات ما يصل إلى 12% من إجمالي استهلاك الكهرباء بحلول عام 2030.
وتكون الآثار أوضح في المناطق التي تتجمع فيها هذه المراكز، إذ يمكن أن تصبح سريعًا أكبر مستهلك للكهرباء والمياه، متجاوزةً المنازل والصناعات المحلية. على سبيل المثال، استحوذ مركز البيانات في مقاطعة لوداون بولاية فيرجينيا على 21% من إجمالي استهلاك الطاقة في عام 2023، بينما بلغ استهلاك المنازل 18% فقط.
وتُعدّ الموثوقية تحديًا إضافيًا. ففي عام 2024، تسبب اضطراب صغير في مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا في انتقال 60 مركز بيانات إلى التشغيل عبر المولدات الاحتياطية. وقد أدى فقدان 1,500 ميغاواط بشكل مفاجئ – وهو ما يعادل تقريبًا الطلب الكامل لمدينة بوسطن – إلى اقتراب حدوث أعطال واسعة النطاق.
وفي أوروبا أيضًا تواجه مراكز البيانات الكبرى تحديات مشابهة، مثل ازدحام الشبكات الكهربائية وتزايد الضغط على البنية التحتية نتيجة التحول الصناعي نحو الكهرباء، مما يهدد الموثوقية مع استمرار ارتفاع الطلب.
هذه المخاطر تؤكد أن جهود الاستدامة في مراكز البيانات يجب أن تُدار كمشروع مستمر ومتطور، لا كحل لمرة واحدة.
موارد ثمينة
يمثل الطلب على الطاقة جزءًا واحدًا فقط من الصورة. فوفقًا لـNPR، يستهلك مركز البيانات المتوسط نحو 300 ألف غالون من المياه يوميًا، وعادةً ما يرتفع الاستهلاك المائي بالتوازي مع ارتفاع استهلاك الطاقة.
وتبرز أيضًا مشكلة المواد الحيوية. إذ تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن العالم سيحتاج إلى ستة أضعاف المواد الخام لدعم التحول نحو الطاقة المتجددة، مع ارتفاع الطلب على الليثيوم وحده بمعدل 40 مرة. وفي الوقت نفسه، وصل حجم النفايات الإلكترونية إلى 62 مليون طن سنويًا، تحتوي على معادن نادرة ومواد قيّمة.
لذلك يجب أن يكون إعادة التدوير واستعادة المواد جزءًا أساسيًا من تصميم مراكز البيانات المستدامة.
"لا تزال معظم مراكز البيانات تعيد استخدام أو تدوير جزء صغير فقط من بنيتها التحتية، مما يترك مجالًا واسعًا للتحسين في الاقتصاد الدائري."
نهج ثلاثي الأركان نحو الاستدامة
لتحقيق تقدم فعلي نحو أهداف الاستدامة، يجب التفكير في تحسينات مراكز البيانات بصورة شمولية.
قد يبدو تبني هذا النهج مهمة صعبة، حتى أن أكثر المؤسسات تقدمًا تصف طموحاتها بأنها «مشاريع قمرية». ومع ذلك، فإن هذه المشاريع لا تتحقق بانطلاقة واحدة مفاجئة، بل عبر تقدم تدريجي وثابت.
وتوفر الأركان الثلاثة التالية – الكفاءة الفيزيائية، كفاءة أحمال العمل، والاقتصاد الدائري – مسارًا واقعيًا يربط الحلول قصيرة المدى باستدامة طويلة الأجل.
1. الكفاءة الفيزيائية
يُعدّ القياس الشامل أمرًا بالغ الأهمية. فمراكز البيانات مجتمعة تستهلك طاقة تضاهي دولًا كاملة، ما يجعل الكفاءة ضرورة لا خيارًا. إذ إن منشآت تعمل بمؤشر فعالية طاقة (PUE) يبلغ 1.1 يمكنها استخدام طاقة إضافية أقل بنسبة 84% مقارنة بمنشآت ذات PUE قريب من 2.0، مما يُبرز الفوائد الضخمة للتصميم عالي الكفاءة.
تشمل الكفاءة الفيزيائية كل طبقات البنية التحتية بدءًا من مصادر الطاقة واختيار الموقع وحتى تقنيات التبريد. على سبيل المثال، يمكن لتقنية التبريد بالماء Neptune من لينوفو خفض استهلاك الطاقة بنسبة تصل إلى 40% وتحسين الكفاءة الحرارية بمقدار 3.5 مرة مقارنة بالتبريد الهوائي.
ومع ارتفاع طموحات الاستدامة، تظل الكفاءة الفيزيائية الأساس لبناء مراكز بيانات قوية وفعالة.
2. كفاءة أحمال العمل
غالبًا ما يتم تجاهل كفاءة أحمال العمل في نقاشات الاستدامة، رغم أنها توفر أكبر فرصة لتقليل استهلاك الطاقة، خصوصًا في عصر الذكاء الاصطناعي. فالطريقة الأكثر فعالية لتوفير الطاقة هي عدم استهلاكها من الأساس.
جوهر كفاءة الأحمال هو ضمان أن كل واط مستهلك يتحول إلى إنتاج حوسبي ذي معنى. تتيح تقنيات الافتراضية تشغيل عدة تطبيقات على الخوادم نفسها، مما يزيد الاستفادة ويقلل الطاقة الضائعة.
كما يمكن لتحسين اختيار البنية التحتية المناسبة لكل مهمة أن يعزز الكفاءة. وإضافة إلى ذلك، توفر ترقية الأنظمة القديمة مكاسب واضحة، إذ تقدم المعماريات الحديثة أداءً أعلى مع استهلاك أقل للطاقة.
لكن التأثير الأكبر يأتي من تحسين الأحمال نفسها لتستفيد بالكامل من قدرات العتاد الذي تعمل عليه.
في عصر الحوسبة المتسارعة وتضخم البيانات، تمثل كفاءة الأحمال الجسر بين الأداء والاستدامة. ويمكن البدء تدريجيًا، حملًا بعد آخر، لبناء تحول كامل على المدى الطويل.
3. الاقتصاد الدائري
لا تزال مراكز البيانات تعيد استخدام أو تدوير جزء يسير من بنيتها التحتية، مما يترك فرصة كبيرة لتحسين الاستدامة. تعمل لينوفو، على سبيل المثال، مع العملاء لتعزيز الاستدامة طوال دورة حياة البنية التحتية، بدءًا من الأنظمة الموفرة للطاقة وتقنيات التبريد المتقدمة وصولًا إلى خدمات إطالة عمر الأجهزة وتقليل النفايات.
وتُعد مبادئ الاقتصاد الدائري غالبًا نقطة البداية لرحلة الاستدامة. وهي تشمل ليس فقط المعدات عبر إعادة الاستخدام وإعادة التدوير المسؤول، بل تشمل أيضًا الموارد مثل المياه.
ورغم أن تأثيرها المباشر على الانبعاثات أقل من تأثير الكفاءة التشغيلية، فإن الاقتصاد الدائري مهم للغاية لاستعادة المعادن الحيوية، وإطالة عمر الأصول، وتحسين استغلال الموارد المحدودة على كوكبنا.
تعتمد الأركان الثلاثة جميعها على القياس الدقيق. ومن خلال التعامل مع مراكز البيانات كأنظمة متطورة باستمرار، وتبني رؤية شمولية، يمكن للصناعة تحويل تحديات اليوم إلى مسار دائم للتحسين المستمر.
