ملخص: يتناول المقال الوهم المتزايد حول اعتبار النيتروجين وسيلة “هادئة” و“رحيمة” لإنهاء الحياة، سواء في الإعدام أو القتل الرحيم، موضحًا أن العلم يكشف عكس ذلك تمامًا؛ فالنيتروجين النقي يخفض الأكسجين سريعًا فيحدث اختناقًا داخليًا يفعّل حساسات الجسم ويولّد ما يسميه العلماء “جوع الهواء”، وهو إحساس شديد بالهلع والاختناق لا يشبه أي موت هادئ. ويعرض المقال أدلة من تجارب الطيارين وشهادات الإعدامات التي أظهرت معاناة واضحة، وينتقد ترويج أجهزة مثل كبسولة “ساركو” لفكرة موت بلا ألم رغم غياب أي دعم علمي لذلك، مؤكدًا أن هذه الطريقة، رغم مظهرها “النظيف”، تظل شكلًا من أشكال الاختناق القاسي الذي لا يمكن وصفه بالرحيم.
نستنشق في كل نفسٍ نأخذه غازًا لا نهتم به كثيرًا: أربعة أخماس الهواء من حولنا نيتروجين، لا لون له ولا رائحة ولا طعم. ومع ذلك، فهو لا يلعب أي دور مباشر في إبقائنا على قيد الحياة. المفارقة أن هذا الغاز الخامل ذاته يُستخدم اليوم لإنهاء الحياة.
خلال العام الماضي، اعتمدت عدة ولايات أمريكية النيتروجين وسيلةً لتنفيذ أحكام الإعدام، كما أثار جهاز “ساركو” السويسري – كبسولة تُملأ بالنيتروجين بهدف القتل الرحيم – جدلًا واسعًا. وبينما يروّج المدافعون عن هذه الطريقة لفكرة “موت هادئ بلا ألم”، فإن العلم يكشف صورة مختلفة تمامًا.
كيف يقتل النيتروجين؟
يعمل النيتروجين النقي على خفض مستوى الأكسجين في الدم بسرعة، حتى يصل الجسم إلى حالة من الاختناق الداخلي. ويظن البعض أن غياب ثاني أكسيد الكربون سيمنع إحساس الذعر، لكن هذه رؤية مضللة.
فالجسم مزود بحساسات دقيقة في الرقبة – تُسمى الأجسام السُّباتية – تستشعر أي انخفاض في الأكسجين. وما إن يتراجع مستواه، حتى تُطلق إشارات قوية تدفع الإنسان للنهَم في التنفس.
جوع الهواء: أسوأ شعور يمكن أن يمر به الإنسان
ما يسمّيه العلماء “جوع الهواء” ليس مجرد ضيق نفس، بل واحد من أشد التجارب البشرية إزعاجًا ورعبًا. بعكس فقدان الوعي أثناء التخدير، فإن نقص الأكسجين يخلق موجة هائلة من الهلع والشعور بالاختناق.
حتى الطيارون المدربون، عند تعرضهم لنقص الأكسجين المفاجئ على ارتفاعات عالية، يصفون ثواني من ارتباك خانق وضيق تنفس عنيف قبل أن يفقدوا السيطرة. هذه الثواني القصيرة في الطيران تُسمى “وقت الوعي المفيد”، وهي بعيدة تمامًا عن أي صورة لـ“موت هادئ”.
وعند استخدام النيتروجين للإعدام، تكون التجربة أصعب. فالمحكوم يكون مقيّد الحركة، ما يجعل التوسع الكامل للرئتين شبه مستحيل، ويضاعف إحساس الاختناق. وقد سجّل شهود عيان حركات عنيفة، وتشنجات، ومحاولات يائسة للحصول على الهواء – علامات واضحة على معاناة جسدية لا يمكن وصفها بأنها رحيمة.
وهم “الموت السلمي” في القتل الرحيم
امتد الجدل إلى مجال القتل الرحيم. ففي سويسرا، تم الترويج لكبسولة “ساركو” باعتبارها وسيلة “هادئة وأنيقة” لإنهاء الحياة عبر ملئها بالنيتروجين. لكن لا توجد أي أدلة علمية تدعم هذا الادعاء.
بل إن أول استخدام معلَن للجهاز في عام 2024 أثار تحقيقًا جنائيًا، ولم تظهر شهادات عيان توضّح ما اختبره الشخص داخل الكبسولة.
يخلط البعض بين هذا النوع من الاختناق وبين “نشوة النيتروجين” التي يشعر بها الغواصون تحت ضغط عالٍ، لكن ذلك يحدث فقط عند مستويات ضغط غير موجودة على سطح الأرض. أما عند الضغط الطبيعي، فالنيتروجين لا يسبب إلا الاختناق الصامت.
اختناق بلا صوت… لكنه بعيد عن الهدوء
استنشاق النيتروجين النقي يمكن أن يؤدي إلى فقدان الوعي خلال نحو 20 ثانية، لكن حتى داخل هذه الثواني القليلة، تحدث لحظات مرعبة من الارتباك والهلع وجوع الهواء. ويشبه العلماء هذه التجربة بالغرق… لكن دون ماء.
ورغم هذا، تستمر بعض الولايات في اعتماد هذه الطريقة بسبب نقص أدوية الحقن المميتة، ولأن النيتروجين يبدو “نظيفًا” و”غير دموي”. إلا أن ما يحدث داخل الجسد – من تشنجات، وتقيؤ، وارتجافات، ومقاومة لا إرادية – لا يمت للرأفة بأي صلة.
ثلاث شركات أمريكية كبرى موردة للنيتروجين الطبي أعلنت رفضها بيعه للإعدام، إلا أن البعض ما زال يقدّم هذه الوسيلة كخيار “إنساني”.
لكن العلم يقول شيئًا واحدًا بوضوح: الصمت لا يعني الهدوء، والاختناق لا يمكن أن يُسمّى رحيمًا.
