في ستينيات القرن الماضي قدّم لنا فيلم الرحلة العجيبة رؤية بدت حينها خيالية تمامًا: سفينة صغيرة تُصغَّر مع طاقمها إلى حجم مجهري وتُحقن داخل جسم إنسان لمعالجة جلطة في الدماغ. هذا المشهد السينمائي، الذي بدا بعيدًا عن الواقع، يُعاد استحضاره اليوم مع اقتراب العالم من ثورة طبية قد تغيّر كل ما نعرفه عن الرعاية الصحية: دخول أجهزة استشعار متناهية الصغر إلى أجسادنا وربط الإنسان مباشرة بالإنترنت.
هذا المفهوم، الذي بدأ العلماء يطلقون عليه إنترنت الكائنات البشرية، يمثّل المرحلة الثالثة في تطور الإنترنت. بعد أن ربط العالم بين الحواسيب أولًا، ثم بين الأشياء من حولنا، تتجه التقنية اليوم نحو المرحلة الأكثر جرأة: ربط الأعضاء البشرية نفسها بمنظومات الإنترنت العالمية. وفي مؤتمر “نماذج أولية من أجل الإنسانية” بدبي، بات واضحًا أن هذا المستقبل لم يعد بعيدًا.
الفكرة تحمل بداخلها إغراءً وأرقًا معًا. فالبعض يرى فيها الطريق إلى حياة أطول وربما “الخلاص من المرض”، بينما يحذر خبراء الأمن من مخاطر تهدد البشر أنفسهم، وليس مجرد أجهزتهم. وفي كتاب إنترنت الكائنات البشرية المرتقب، تتضح ثلاثة تحولات جذرية سيجلبها هذا العالم الجديد.
1. مراقبة صحية دائمة… واكتشاف مبكر ينقذ الملايين
ستتيح المستشعرات المزروعة داخل الجسم مراقبة المؤشرات الصحية على مدار الساعة، مما يجعل اكتشاف الأمراض أكثر سهولة قبل أن تتفاقم. فالوقاية أقل تكلفة وأكثر فاعلية من العلاج. ويمكن لتحذير بسيط يصل في الوقت المناسب أن ينقذ أرواحًا كثيرة.
في الولايات المتحدة مثلًا، هناك مئات الآلاف من النوبات القلبية “الصامتة” التي يمر بها الناس دون أن يعرفوا أنهم في خطر.
2. روبوتات حيوية قادرة على العلاج من الداخل
لم تعد المستشعرات مجرد أدوات مراقبة. الجيل الجديد منها وهي بيو-روبوتات مصنوعة غالبًا من مواد هلامية سيكون قادرًا على التدخل العلاجي المباشر: إطلاق جرعة دواء عند حدوث جلطة، أو تنشيط لقاح عند تعرض الجسم لفيروس.
وقد فتحت لقاحات mRNA الخاصة بكوفيد-19 الباب لهذا النوع من الطب، ومع تطور تقنيات تعديل الجينات، قد تصبح هذه الروبوتات قادرة حتى على إصلاح الحمض النووي نفسه.
3. ثورة في البحث الطبي واكتشاف الأدوية
النموذج التقليدي لاكتشاف الأدوية — فرضية ثم تجارب طويلة ومكلفة — سينقلب رأسًا على عقب. فمع تدفق بيانات هائلة من أجساد البشر، ستظهر أنماط واضحة لما ينجح بالفعل في علاج مشكلات معينة. بعدها يأتي دور العلماء لفهم “لماذا” يحدث ذلك.
وبذلك ستصبح عملية تطوير العلاجات أسرع، وأرخص، وأكثر دقة.
نهاية الطب الموحَّد… وبداية الطب الشخصي الحقيقي
نحن بالفعل في طريقنا للخروج من عصر “علاج واحد يناسب الجميع”. لكن مع إنترنت الكائنات البشرية، سيحصل كل فرد على توصيات يومية دقيقة، من جرعات الدواء إلى التمارين والنوم حسب حالته اللحظية.
وستتغير كذلك طبيعة الأبحاث الطبية. فقد تبيّن البيانات اليومية لعدد هائل من البشر أن صداعًا معينًا مرتبط بطريقة المشي، أو أن الدماغ والقدمين يرتبطان بطريقة لم تخطر لنا من قبل.
وسيعتمد الطب في المستقبل على “التوأم الرقمي”: نموذج افتراضي حيّ لجسد كل شخص، يجري تحديثه كل ثانية، ويتيح محاكاة العلاجات والتنبؤ بالأمراض قبل حدوثها. وهذا قد يغيّر جوهر علوم الحياة كما نعرفها.
حلم الصحة للجميع
الحلم هنا ليس خلودًا ولا هروبًا من الشيخوخة كما يروّج بعض المتحوّلين تقنيًا، بل شيء أقرب إلى الواقع:
-
توفير رعاية صحية عالية الجودة لكل الناس
-
إنقاذ أنظمة صحية منهكة مثل NHS البريطانية
-
مكافحة السرطان بفعالية غير مسبوقة
-
الوصول بالعلاج إلى الدول الأكثر فقرًا
-
وتمكين البشر من حياة أطول وأكثر صحة
لكن على الجانب الآخر، يلوح كابوس فقدان إنسانيتنا بينما تتحول أجسادنا إلى كيانات رقمية متصلة.
إنترنت الكائنات البشرية هو واحد من أكثر المسارات إثارة في مستقبل التكنولوجيا، لكنه يتطلب حذرًا شديدًا. فبعد ستة عقود من تخيّل تلك الرحلة داخل الجسد البشري، ها نحن نعود إليها لكن هذه المرة ليس عبر الخيال العلمي، بل عبر استكشاف عالم جديد بالكامل… عالم داخل أجسادنا نحن.
