ملخص: تناقش هذه المقالة كيف يمكن لأوروبا، عبر تسريع الكهربة في قطاعات الصناعة والمباني والنقل، أن توفّر 250 مليار يورو سنوياً، وتعزّز سيادتها الطاقية، وتدعم طفرة الذكاء الاصطناعي، وتخفض الانبعاثات، وتستعيد قدرتها التنافسية عالمياً. وتُبرز المقالة أن الجمع بين الكهربة والرقمنة والبنية التحتية المتطورة يمكن أن يحول أكبر تحديات أوروبا—ارتفاع تكاليف الطاقة وضغط الشبكات—إلى فرصة استراتيجية لبناء مستقبل طاقي أكثر كفاءة وأقل تكلفة وأكثر مرونة.
يمكن لأوروبا أن توفّر 250 مليار يورو سنوياً إذا سرعت من وتيرة التحول نحو الكهرباء. فالعمل على كهربة قطاعات الصناعة والمباني والنقل يعني دمج مصادر الطاقة المتجددة المحلية بشكل أكثر فعالية.
هذا المسار سيُقلل الاعتماد على واردات الطاقة الأحفورية مرتفعة التكلفة، والتي تُكلّف أوروبا ما بين ضعفين إلى أربعة أضعاف مقارنة بمناطق كبرى أخرى. كما أنه سيدعم الاستثمارات في الطاقة داخل الاتحاد الأوروبي، ويعزز سيادته الطاقية عبر توفير وصول مباشر لمصادر الطاقة الضرورية لبناء مرونة اقتصادية حقيقية.
الوضع الحالي لواردات الطاقة يشكّل ضغطاً خانقاً على الصناعات الأوروبية، ما يضعف الهوامش، ويقيد النمو والاستثمار والقدرة التنافسية. وترتبط مستويات التوظيف في القطاعات كثيفة الاستهلاك للطاقة بشكل مباشر بتكاليفها المرتفعة، والتي تُعد أعلى بكثير في أوروبا بسبب الاعتماد على الوقود الأحفوري المستورد.
وباعتبارها رائدة عالمية في التكنولوجيا النظيفة، تستطيع أوروبا الابتكار وتسريع التحول الطاقي وخفض الانبعاثات وتعزيز قوتها الصناعية. أو يمكنها أن تكتفي بمشاهدة مصانعها تتقادم وتتراجع، لتخسر موقعها أمام المنافسين العالميين.
فكيف يمكن لأوروبا إعادة استثمار هذه الوفورات لدعم التقدم في التحول الطاقي؟
الإجابة تكمن في قدرتها على تحويل أكبر تحدياتها إلى أعظم فرصها.
مستقبل أوروبا الصناعي والرقمي
الكهربة هي العمود الفقري لمستقبل أوروبا الصناعي والرقمي. لكن أبحاث شركة Schneider Electric تشير إلى أن معدل الكهربة في أوروبا قد استقر عند 21% خلال العقد الماضي، في حين تتقدم مناطق مثل الصين نحو معدل قد يصل إلى 35% بحلول عام 2030.
ولتحقيق تسارع حقيقي في الكهربة وزيادة القيمة الاقتصادية، يجب على أوروبا التركيز على جانب الطلب: أي توزيع الطاقة واستخدامها، لا مجرد إنتاجها.
بالنسبة للقطاع الصناعي، يمكن للتكنولوجيا أن تكون نقطة التحول. فدمج الكهربة مع التوليد المحلي للطاقة والتخزين والتحكم الرقمي يخلق مرونة أكبر، ويتيح الاستفادة من الطاقة المتجددة المتقطعة، مما يجعل تكاليف الإنتاج أكثر تنافسية.
وفي المباني، تحقق الكهربة فوائد مماثلة، إذ تُخفض التكاليف التشغيلية بشكل كبير عبر الاستثمار في مضخات الحرارة وربطها بالطاقة الشمسية على الأسطح والتخزين الثابت وأنظمة التحكم الذكية. وتشير تحليلات Schneider Electric إلى إمكانية تحقيق وفورات تتراوح بين 15% و80%.
أما في النقل، فإن التحول نحو المركبات الكهربائية سيؤدي إلى خفض تكاليف الطاقة للسائقين بنسبة تزيد عن الربع في بعض مناطق أوروبا.
ويساعد هذا النهج أيضاً في تسريع نشر الطاقة المتجددة، خصوصاً الألواح الشمسية المنزلية، إضافة إلى تخفيف الضغط على الشبكات الكهربائية وتقليل الحاجة لتوسعات مكلفة. كما يحد من تقلبات الأسعار ويجعل النظام الطاقي أكثر كفاءة.
وبتعزيز السيادة الطاقية وخفض التكاليف، يمكن لأوروبا استعادة قدرتها التنافسية عالمياً وتسريع التحول الطاقي بشكل جذري.
مسار مستدام لازدهار الذكاء الاصطناعي
لتحافظ أوروبا على موقعها في سباق الذكاء الاصطناعي، في وقت يمكن أن تكون فيه تكاليف الطاقة لدى بعض الدول أقل بخمس مرات، ستحتاج أوروبا إلى قدر كبير من المرونة. فمن المتوقع أن يرتفع الطلب على الكهرباء بنسبة تصل إلى 20% خلال العقد القادم، بينما قد يتضاعف استهلاك مراكز البيانات ليصل إلى أكثر من 230 تيراواط/ساعة بحلول عام 2035.
لكن أوروبا تواجه تحديات من ازدحام الشبكات وبطء إجراءات الترخيص، مما يهدد خمس القدرات المخطّط لها في مراكز بيانات كبرى مثل دبلن وأمستردام وفرانكفورت. وهذا يؤكد ضرورة الاستثمار المتوازي في تعزيز الشبكات، وزيادة مصادر الطاقة المتجددة، وتوسيع حلول المرونة.
إذا استثمرت أوروبا في البنية التحتية قبل ارتفاع الطلب، يمكنها دعم نمو الذكاء الاصطناعي دون الإخلال باستقرار الشبكات.
ويتخيل معهد الاستدامة في Schneider Electric سيناريو يمكن فيه لأوروبا احتضان الذكاء الاصطناعي المستدام، شريطة أن تدعم التشريعات الأوروبية ذلك، بما يتماشى مع أهداف المناخ والطاقة، وتنفيذ منسق لقانون الذكاء الاصطناعي والصفقة الخضراء الأوروبية وخطط الطاقة الوطنية. وإذا تحقق ذلك، قد يرتفع الطلب على الكهرباء من 13 تيراواط/ساعة في 2025 إلى 90 تيراواط/ساعة في 2030، مع الحفاظ على الاستقرار وانخفاض الانبعاثات.
الحفاظ على انخفاض الانبعاثات الكربونية
يتطلب إنشاء نظام طاقة قادر على تلبية الطلب المستقبلي وتعزيز التنافسية الأوروبية مرونة تنظيمية واعتماداً أكبر على الكهرباء، لكنه يتطلب أيضاً خفض الانبعاثات من الأساس.
وباختصار، يمكن لأوروبا أن تحقق المزيد إذا استهلكت طاقة أقل. فالتكنولوجيا متوفرة بالفعل لتحقيق ذلك، وتسريع الرقمنة الصناعية هو مفتاح تعزيز الكفاءة وتقليل التكاليف، حتى تتمكن الشركات من الإنتاج بشكل أفضل وأكثر استدامة.
أوروبا تقف على أعتاب تحول طاقي مفصلي. السنوات القادمة ستحدد مساراً جديداً نحو منظومة طاقة أكثر نظافة ومرونة وقدرة على المنافسة.
ولكن الوصول إلى هذا المستقبل يتطلب سياسات جريئة تعطي الأولوية للاستثمار في البنية التحتية للشبكات، وتدعم كهربة الطلب. كما يتطلب من قادة الصناعة تسريع تحولهم الطاقي، والاعتماد على تلاقي الكهربة والرقمنة لمواكبة الطلب المتزايد من الذكاء الاصطناعي وغيره.
وباعتبارها رائدة في التكنولوجيا النظيفة، تمتلك أوروبا القدرة على إطلاق تحول حقيقي. وقد حان الوقت لتحويل هذه القدرة إلى واقع.
