ملخص: المقال يستعرض سبب تفاوت قدرة البالغين على تعلم لغة ثانية، مع التركيز على دراسة أجرتها الدكتورة شانتل برات حول نشاط الدماغ في حالة الراحة كعامل تنبؤي لمعدل تعلم اللغة. أظهرت النتائج أن أنماط نشاط الدماغ، خاصة في النصف الأيمن، فسرت أكثر من 60% من الفروق بين الأفراد، مما يشير إلى أن تنظيم الدماغ قبل التعلم يؤثر على سرعة اكتساب اللغة. ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الأشخاص ذوي نشاط دماغي “أبطأ” لا يمكنهم التعلم، إذ تظل العوامل مثل الانتباه والدافعية مؤثرة، ويمكن تعديل نشاط الدماغ بالتدريب المستمر. الخلاصة أن تعلم لغة ثانية صعب لكنه مفيد، فحتى لو كان التعلم أبطأ، فإنه يعزز القدرات المعرفية والاجتماعية ويتيح فهم ثقافات جديدة والتواصل بفعالية مع الآخرين.
عندما كنت طالبًا في الجامعة، قررت تعلم اللغة اليابانية. فأسرة والدي من اليابان، وكنت أحلم بالسفر إلى هناك يومًا ما.
لكنني، مثل كثير من زملائي، وجدت صعوبة في تعلم لغة جديدة كبالغ. كنا نكافح للربط بين الأصوات الجديدة ونظام الكتابة المختلف تمامًا وبين الأشياء المألوفة حولنا.
ولم يكن الوضع صعبًا على الجميع؛ إذ استطاع بعض الطلاب في الصف اكتساب اللغة بسهولة أكبر من الآخرين.
فما الذي يجعل بعض الأشخاص “متعلمين جيدين للغة”؟ وهل يمتلك هؤلاء ما يُسمى “الموهبة لتعلم اللغة الثانية”؟
ما نعرفه عن موهبة تعلم اللغة الثانية
تركزت الأبحاث السابقة على كيفية إدراك الناس للأصوات في لغة معينة، وعلى العمليات الإدراكية العامة مثل الذاكرة والقدرة على التعلم. واعتمدت معظم هذه الدراسات على اختبارات ورقية وحاسوبية لتحديد القدرة على تعلم اللغة والتنبؤ بمستوى التعلم المستقبلي.
كما درس الباحثون نشاط الدماغ كطريقة لقياس القدرات اللغوية والإدراكية، إلا أن معرفتنا بكيفية تنبؤ نشاط الدماغ بتعلم لغة ثانية لا تزال محدودة.
هل يمكن التنبؤ بموهبة تعلم لغة ثانية؟
في دراسة عام 2016، استكشفت مع الدكتورة شانتل برات من جامعة واشنطن كيف يمكن لنشاط الدماغ في حالة الراحة – عندما يكون الشخص مسترخيًا وعيناه مغلقتان – أن يتنبأ بسرعة تعلم لغة ثانية لدى البالغين الذين يتحدثون لغة واحدة فقط.
دراسة الدماغ في حالة الراحة
يُعتقد أن نشاط الدماغ في حالة الراحة يعكس تنظيم الدماغ وقدراته العامة على التفكير وحل المشكلات.
قمنا بقياس النشاط الكهربائي للدماغ باستخدام تخطيط الدماغ الكهربائي أثناء الراحة مع إغلاق العيون لمدة خمس دقائق لدى مجموعة من الشباب، بالإضافة إلى ساعتين من اختبارات ورقية وحاسوبية.
ثم خضع 19 مشاركًا لتدريب مكثف على اللغة الفرنسية لمدة ثمانية أسابيع باستخدام برنامج كمبيوتر صمّمته القوات المسلحة الأمريكية لتأهيل الجنود بسرعة في لغة جديدة.
جمع البرنامج بين القراءة والاستماع والمحادثة، مع سيناريوهات واقعية محاكية للألعاب. على سبيل المثال، كان على المشاركين تعلم التواصل مع سائق سيارة أجرة افتراضي: معرفة ما إذا كان متاحًا، تحديد مكان الأمتعة، وشكره بعد ذلك.
المشاركون أتموا جلستين تدريبيتين مدة كل واحدة 30 دقيقة أسبوعيًا، بإجمالي 16 جلسة. بعد كل جلسة، سجلنا مستوى كل مشارك، وبنهاية التجربة استخدمنا هذه البيانات لحساب معدل تعلم كل فرد خلال الأسابيع الثمانية.
كما هو متوقع، كانت هناك تفاوتات كبيرة في معدل التعلم؛ إذ تقدم أفضل المشاركين في البرنامج أكثر من ضعف ما أنجزه أبطأ المشاركين. وكان هدفنا معرفة أي من القياسات الأولية يمكن أن تتنبأ بهذه الفروق.
مقياس دماغي جديد لموهبة تعلم اللغة
عند تحليل البيانات، وجدنا أن أنماط نشاط الدماغ المرتبطة بالعمليات اللغوية تنبأت بسهولة تعلم اللغة الثانية.
وقد فسرت الأنشطة في الجانب الأيمن من الدماغ أكثر من 60% من الفروق بين الأفراد، وهو ما يتوافق مع أبحاث سابقة تشير إلى أن النصف الأيمن من الدماغ يُستخدم بشكل أكبر عند تعلم لغة ثانية.
تشير النتائج إلى أن معظم الفروق في تعلم اللغة بين المشاركين يمكن تفسيرها بالطريقة التي كان منظّم بها دماغهم قبل أن يبدأوا التعلم حتى.
ما دلالة هذا على تعلم لغة جديدة؟
هل يعني هذا أنه إذا لم يكن دماغك “سريع التعلم للغة ثانية” فلا جدوى من المحاولة؟
ليس بالضرورة.
أولًا، حوالي 40% من الفروق في معدل التعلم لم تُفسر بعد. جزء منها مرتبط بعوامل مثل الانتباه والدافعية، وهي مؤشرات موثوقة للتعلم بشكل عام ولتعلم اللغة الثانية بشكل خاص.
ثانيًا، نعلم أن نشاط الدماغ في حالة الراحة يمكن تغييره. لذلك، قد يساعد التدريب المستمر في تعديل الدماغ ليصبح أكثر استعدادًا للتعلم، وهو اتجاه بحثي واعد للمستقبل.
خلاصة
تعلم لغة ثانية في سن البلوغ صعب، لكنه يحمل فوائد كبيرة، خصوصًا لمن يُحفزهم رغبتهم في التواصل مع الآخرين بلغتهم.حتى إذا كان التعلم أبطأ، فإن المجهود يبني قدرات معرفية واجتماعية مهمة لاكتساب مهارات جديدة والتعامل مع ثقافات مختلفة. المصدر