ملخص: يقدّم المقال قراءة متوازنة لمهنة التدريس، موضحًا أن الصورة السائدة في الإعلام حول "أزمة" المهنة مبالغ فيها، إذ يظهر مسح TALIS أن الغالبية العظمى من المعلمين حوالي 90% راضون عن وظائفهم، ويشعر 95% منهم بالسعادة أثناء التدريس، بينما سيختار ثلاثة أرباعهم المهنة نفسها لو عاد الزمن. ويُعزى هذا الرضا إلى الشعور بالرسالة الاجتماعية، واستقرار العمل في القطاع الحكومي، وفرص التطوير المهني، رغم تفاوت الرضا عن الرواتب بين الدول. ويشير المقال أيضًا إلى أن نسبة كبيرة من المعلمين لا يعانون توترًا كبيرًا، وأن تقدير المجتمع للمعلم يعزز استمراريته في المهنة. وفي النهاية، يؤكد المقال أن التدريس لا يزال مهنة جاذبة ومليئة بالقيمة والمعنى، وأن المعلمين سعداء بعملهم، مما يستحق الاحتفاء.
تهيمن على الأخبار العالمية عن التعليم عناوين تُصوّر مهنة التدريس وكأنها تعيش أزمة حقيقية. فالحديث عن نقص المعلمين، وتراجع أداء الطلاب، وازدياد حوادث العنف في المدارس يوحي بأن "المهنة النبيلة" لم تعد جذابة كما كانت. لذلك قد يشعر صناع السياسات ببعض الارتياح حين يعلمون أن تسعة من كل عشرة معلمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية المشاركة في مسح TALIS (الصادر في 7 أكتوبر) يقولون إنهم راضون عن وظائفهم بشكل عام. كما أن نحو ثلاثة أرباع المعلمين تقريبًا يقولون إنهم سيختارون مهنة التدريس مرة أخرى لو عاد بهم الزمن.
ورغم اختلاف تجارب المعلمين ووجهات نظرهم، فإن البيانات تشير بقوة إلى أن معظمهم، في معظم الدول، سعيدون بعملهم. بل إن ما يقرب من 95% من المعلمين الذين شملهم المسح يقولون إنهم يشعرون بالسعادة أثناء التدريس في كثير من الأحيان.
ما السبب؟
قلة من المهن توفر معنى ورسالة مثل التدريس: إذ يرى 95% من المعلمين أن إسهامهم الاجتماعي ودورهم في خدمة المجتمع أمر مهم للغاية بالنسبة لهم. إضافة إلى ذلك، فإن غالبية المعلمين في دول منظمة التعاون الاقتصادي يعملون في القطاع الحكومي، حيث توفر الوظائف استقرارًا نسبيًا أمام تقلبات السوق، إلى جانب مزايا التقاعد والرعاية الصحية ومسار وظيفي واضح، مما يجعل المهنة مستقرة ماليًا وإن لم تكن من الأكثر ربحًا.
ولهذا لا ينبغي أن نستغرب أن مهنة التدريس أصبحت أكثر جاذبية في بعض الدول. فمنذ عام 2018، ارتفعت نسبة المعلمين الجدد الذين يعتبرون التدريس خيارهم المهني الأول في تسعة نظم تعليمية، وانخفضت في سبعة. وفي دول مثل ألبانيا وكوريا والسعودية وشنغهاي (الصين) وفيتنام، يقول أكثر من 85% من المعلمين الجدد إن التدريس كان خيارهم المهني الأول.
لكن بيانات TALIS تكشف أيضًا جانبًا آخر من الصورة.
لطالما كان راتب المعلم محورًا للنقاشات المتعلقة بإصلاح التعليم. وتشير نتائج TALIS إلى أن نسبة المعلمين الذين يشعرون بالرضا عن رواتبهم ارتفعت في 23 من 43 نظامًا تعليميًا منذ 2018. وبشكل عام، اثنان من كل خمسة معلمين راضون عن رواتبهم. وفي دول مثل النمسا وبلجيكا (الناطقَتين بالهولندية والفرنسية) وبلغاريا وكولومبيا والدنمارك وكازاخستان وهولندا والسعودية وأوزبكستان، تزيد النسبة على 60%. لكن في دول أخرى، لا يزال الراتب مشكلة كبيرة: ففي آيسلندا ومالطا والبرتغال وصربيا، تقل نسبة الراضين عن رواتبهم عن 20%.
بعض هذه الأرقام قد لا يبدو مشجعًا، ولكن من المهم تذكر أن العديد من المعلمين مدفوعون بشعور قوي بالرسالة، وأن عوامل مثل التطوير المهني والقيادة المدرسية الجيدة والثقافة الإيجابية في المدرسة قد تكون مؤثرة بقدر تأثير الرواتب.
وماذا عن التوتر؟
يتعامل المعلمون يوميًا مع مهام متنوعة وضغوط متعددة، من إدارة سلوك الطلاب، إلى التعامل مع اختلاف احتياجاتهم، إلى تلبية متطلبات المناهج والتقارير الإدارية. ومع ذلك، يظهر TALIS أن واحدًا من كل خمسة معلمين فقط يقول إنه يشعر بالتوتر "بشكل كبير". وفي المقابل، يشير تقرير State of the Global Workplace من Gallup إلى أن اثنين من كل خمسة موظفين حول العالم يعانون من توتر يومي كبير.
فهل يعني ذلك أن المعلمين أقل توترًا من غيرهم؟
تشير البيانات إلى أن نصف المعلمين تقريبًا يقولون إنهم لا يشعرون إلا بقليل من التوتر أو لا يشعرون به إطلاقًا. لكن الوضع يختلف من دولة لأخرى. ففي ألبرتا (كندا)، وأستراليا، والبحرين، وكوستاريكا، ومالطا، ونيوزيلندا، يشعر أكثر من 30% من المعلمين بتوتر كبير في عملهم.
كما أن البيئة المدرسية وصورة المعلم في المجتمع تؤثر بشكل كبير على مشاعرهم تجاه مهنتهم. فحين يشعر المعلمون بأن المجتمع يقدّرهم، يكون ذلك عاملًا مهمًا في جذب الموهوبين للمهنة والحفاظ عليهم. وتُظهر بيانات TALIS أن مكانة المعلم تراجعت في بعض الدول، لكنها لا تزال مرتفعة في دول أخرى. إذ يشعر أكثر من 70% من المعلمين في السعودية وسنغافورة والإمارات وأوزبكستان بأن المجتمع يقدرهم، وتصل النسبة في فيتنام إلى 92%. كما أن المعلمين الذين يشعرون بأن المجتمع يحترم المهنة أقل رغبة في تركها خلال السنوات الخمس المقبلة.
عند جمع كل هذه النتائج، يقدم مسح TALIS صورة متنوعة، لكنها ليست صورة مهنة منهارة كما تذكر بعض العناوين الصحفية. على العكس، تُظهر البيانات أن التدريس لا يزال يجذب من يؤمنون بالرسالة والقيمة والصمود والشغف.
والخلاصة: نعم، المعلمون سعداء بعملهم وهذه حقيقة تستحق الاحتفاء.
