القائمة الرئيسية

ودّع الورق… كيف يساعد تقليل البيروقراطية في ازدهار الأعمال المحلية

ودّع الورق… كيف يساعد تقليل البيروقراطية في ازدهار الأعمال المحلية
ملخص المقال

يُسلّط المقال الضوء على أن البيروقراطية المعقدة تمثل عقبة رئيسية أمام نمو الشركات الصغيرة والمتوسطة، كما توضّح تجربة عائلة افتتحت دارًا لرعاية المتقاعدين التي واجهت تأخيرات طويلة في الحصول على التصاريح. يشير المقال إلى أن الإجراءات الإدارية المرهقة تقلل من تأسيس الشركات، وتحدّ من الابتكار والإنتاجية الإقليمية، رغم أهمية القوانين واللوائح لحماية البيئة والسوق. ويطرح حلولًا عملية، أبرزها تبسيط الأنظمة المحلية بالتعاون مع أصحاب الأعمال، وتفعيل الرقمنة المتكاملة، مثل نموذج مدينة ديلفت الهولندية الذي يجمع كل التصاريح في منصة رقمية واحدة ويطبق نظام ""المرة الواحدة"" لتبادل المعلومات بين الجهات الحكومية بسلاسة. كما يشير إلى أهمية المراجعة المستمرة وتحسين الخدمات، مثل اختبار جودة الخدمة عبر ""المتصلين الخفيين"". ويخلص المقال إلى أن تبسيط البيروقراطية ليس رفاهية بل شرط أساسي لدفع ريادة الأعمال والابتكار، وتمكين الشركات من التركيز على الإبداع والنمو بدلاً من الانشغال بالإجراءات الإدارية.

قبل ست سنوات، قررت عائلتي افتتاح دار صغيرة لرعاية المتقاعدين في منطقة تشهد ارتفاعًا سريعًا في أعداد كبار السن. اعتقدنا أن التحديات ستتمحور حول الرعاية نفسها، لكن تبيّن لنا سريعًا أن الجزء الأصعب لم يكن الاهتمام بالمسنين… بل التعامل مع البيروقراطية.

فقد وقعنا في دوامة من الطلبات والتصاريح  من تصاريح البناء والبيئة، إلى فحوصات السلامة من الحرائق والمعايير الصحية  التي أدخلت مشروعنا الصغير في حالة من الانتظار المرهق لشهور طويلة. وحده الحصول على تصريح البناء أو ربط المبنى بالشبكة الكهربائية استغرق أكثر من عام. فما الذي يجعل الإجراءات الإدارية بهذه القدرة على خنق الشركات الصغيرة والمتوسطة؟

البيروقراطية… عقبة أمام اقتصادات المناطق

ما مررنا به ليس حالة فردية. فبحسب تقرير قادم لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، يرى واحد من كل خمسة أصحاب أعمال في العديد من المناطق الكبيرة أن إجراءات الترخيص تمثل عائقًا كبيرًا أمام نشاطهم.

لا أحد ينكر أهمية القوانين واللوائح؛ فهي تحمينا وتضمن بيئة صحية وسوقًا عادلاً. لكن حين تصبح هذه القوانين معقدة أو مبالغًا فيها، فإنها تتحول من أدوات حماية إلى قيود تكبّل حركة الأعمال وتحدّ من قدرتها على النمو.

المناطق التي يستغرق فيها الحصول على الترخيص أكثر من 60 يومًا تشهد معدلًا لإنشاء الشركات يقل بنسبة 25% عن المناطق التي تُنجز فيها العملية خلال أقل من شهر. ومع قلة الشركات الجديدة تقل المنافسة، وينخفض الضغط على الابتكار، فتتراجع إنتاجية المنطقة بأكملها.

ما الذي يمكن للحكومات المحلية فعله؟

الجانب المشرق هو أن الحلول موجودة، ودور الحكومات المحلية فيها أساسي. فبيانات من 31 دولة تُظهر فجوات واسعة بين المناطق في البلد الواحد من حيث سهولة الحصول على التصاريح، ما يعني وجود مساحة كبيرة للإصلاح.

ويبدأ الإصلاح من تبسيط الأنظمة التي تقع ضمن صلاحيات الحكومات المحلية، مثل تصاريح البناء واستخدامات الأراضي وتراخيص المهن. وهذا يتطلب مراجعة القوانين بالشراكة مع أصحاب الأعمال لتحديد البنود غير الضرورية وحذفها.

كما تشكل الرقمنة أداة قوية لتخفيف العبء عن رواد الأعمال إذا كانت متكاملة بين المستويات المحلية والوطنية.

ديلفت… نموذج رقمي يحتذى به

مدينة ديلفت الهولندية مثال بارز على ذلك. فمن خلال منصتها الرقمية الموحدة، يستطيع رواد الأعمال الوصول إلى معلومات كل التصاريح المطلوبة، وتقديم الطلبات إلكترونيًا، ورفع المستندات، وتحديد المواعيد جميعها في مكان واحد.

ميزة هذا النموذج أنه لا يكتفي بتجميع الخدمات، بل يربط المنصة الرقمية بنظام الهوية الوطنية للشركات، مما يتيح تدفقًا سريعًا للمعلومات بين البلديّة والجهات الوطنية دون الحاجة لتكرار النماذج أو تقديم نسخ موثقة.

هذا ما يسمى بنظام ""المرة الواحدة"": تقدم المعلومة مرة واحدة فقط، ثم تتولى الجهات الحكومية تبادلها فيما بينها بشكل آمن وسلس.

مراجعة مستمرة وتحسين دائم

حتى أفضل الأنظمة تحتاج إلى تحديث. ومع توسع الخدمات الرقمية، أصبح بإمكان الحكومات تتبع رحلة المستخدم بالكامل، وتحديد نقاط التعطّل، وطلب آراء المراجعين لزيادة كفاءة الخدمات.

وقد لجأت بعض الدول إلى أساليب مبتكرة مثل ""المتصلين الخفيين"" في إيطاليا، حيث يتصل موظفون حكوميون بالبلديات متظاهرين بأنهم رواد أعمال، لاختبار جودة الخدمة. وتبيّن أن بعض الطلبات احتاجت ما يصل إلى عشر مكالمات للحصول على المعلومات المطلوبة—ما يكشف حجم الإمكانات المتاحة للتحسين.

نحو ثورة حقيقية على البيروقراطية

تبسيط الإجراءات ليس رفاهية. إنه شرط أساسي لدفع ريادة الأعمال والابتكار والتنافسية. فحين تتعاون الحكومات المحلية والوطنية على تبسيط القوانين وتطوير الخدمات الرقمية، فإنها تمكّن الشركات من التركيز على النمو بدل الغرق في الورق.

بالنسبة لعائلتي، كان تقليل البيروقراطية سيعني وقتًا أطول لرعاية كبار السن ووقتًا أقل في متابعة المعاملات. وبالنسبة للمجتمع، يعني ذلك مزيدًا من المشاريع الجديدة التي تخلق فرص عمل وتنعش الاقتصاد.

لقد حان الوقت ليمهّد صناع السياسات الطريق أمام رواد الأعمال، لا ليعترضوه. فالمستقبل ينتمي لأولئك الذين يقضون وقتهم في الإبداع والبناء وليس الانتظار خلف طوابير الموافقات.

مقالات ذات صلة