كشفت دراسة جديدة عن سبب قدرة المساحات الطبيعية في المدن على المساهمة في صحة الإنسان. وجد الباحثون أن الأشخاص الذين يعيشون في أحياء تحتوي على مساحات خضراء واسعة، مثل الحدائق أو ملاعب الأطفال، يعانون من مستويات توتر أقل. كما أظهرت النتائج أن النساء يتأثرن بشكل خاص: فاللواتي يعشن في أحياء بها القليل من المساحات الخضراء أظهرن مستويات توتر أعلى مقارنة بالرجال في نفس الظروف.
تندرج هذه الدراسة ضمن جهود أوسع لفهم سبب كون المساحات الخضراء مفيدة لعدة جوانب من صحة الإنسان. هناك أدلة قوية من المملكة المتحدة ودول أخرى تشير إلى أن المساحات الخضراء ترتبط بانخفاض ضغط الدم، وتحسن الصحة النفسية، وتقليل مخاطر زيادة الوزن أو الوفاة بسبب أمراض القلب.
ومن المهم أن هذه العلاقة تبقى قائمة حتى بعد أن يأخذ الباحثون بعين الاعتبار مستوى الثراء أو الفقر في المنطقة. وعند النظر في التأثير المتزايد للأمراض المزمنة في المجتمع، والتي يمكن أن تساهم المساحات الخضراء في تقليلها، يصبح من الواضح سبب الاهتمام الكبير بهذا الرابط.
كيف تؤثر المساحات الخضراء على صحتنا؟
لا يزال الجدل قائمًا حول الآليات الدقيقة، لكن هناك بعض العوامل المحتملة التي قد تعمل معًا:
-
تشجيع النشاط البدني: مثل المشي أو الجري في الهواء الطلق.
-
زيادة فرص التفاعل الاجتماعي: لقاء الآخرين والمشاركة في أنشطة مجتمعية.
-
تخفيف التوتر والإجهاد الذهني: حيث يُعرف أن قلة الحركة، وسوء العلاقات الاجتماعية، والتوتر، كل منها يؤدي لمشكلات صحية، لذا فإن تحسينها يسهم في تحسين الصحة العامة.
الدراسة الجديدة في دندي، اسكتلندا
ركزت هذه الدراسة على فرضية التخفيف من التوتر، من خلال دراسة العلاقة بين كمية المساحات الخضراء في الحي ومستويات التوتر لدى العاطلين عن العمل في مناطق محرومة من دندي، اسكتلندا. قاد الفريق البحثي الدكتورة جيني رو من جامعة هيريوت-وات في إدنبرة، بمشاركة أعضاء من جامعات إدنبرة، وغلاسكو، ووستمنستر، ومعهد جيمس هاتون، وBiomathematics and Statistics Scotland.
تم قياس مستويات هرمون الكورتيزول في لعاب المشاركين كل ثلاث ساعات، باعتباره مؤشرًا جيدًا لمستوى التوتر. تصل مستويات الكورتيزول إلى ذروتها في الصباح الباكر ثم تنخفض خلال اليوم: الأفراد الأكثر توترًا يظهرون انخفاضًا أبطأ مقارنة بالأقل توترًا. ولتكملة الاختبارات، استخدم الباحثون أيضًا استبيانًا لقياس إدراك المشاركين لمستوى التوتر لديهم.
وجدت النتائج أن الرجال والنساء في الأحياء ذات المساحات الخضراء الواسعة أظهروا مستويات أقل من التوتر الذاتي، وانخفاضًا أسرع في مستويات الكورتيزول مقارنة بأولئك في المناطق ذات المساحات الخضراء القليلة. ويبدو أن العيش في منطقة خضراء ساهم في التخفيف من بعض الآثار السلبية للفقر الحضري، وهو أمر مهم، إذ أن الفقر والعيش في بيئة محرومة معروف عنه تأثيره السلبي على الصحة.
أدلة من دراسات أخرى
وجد باحثون في هولندا أن المساحات الخضراء يمكن أن تشكل وسادة واقية ضد التأثيرات الصحية السلبية للأحداث الحياتية المجهدة. وأظهرت دراسة سابقة في إنجلترا أن الفجوة الصحية بين الأغنياء والفقراء كانت أصغر في الأحياء الأكثر خضرة، على الرغم من عدم وضوح السبب. وتضيف هذه الدراسة الجديدة تفسيرًا واعدًا: أن وجود كمية كبيرة من المساحات الخضراء يعزز الصحة في السكان المحرومين.
ومن المثير للاهتمام أن المشاركين الذين يعيشون في مناطق بها مساحات خضراء قليلة كانوا أكثر توترًا بشكل عام، ولكن النساء كنّ الأكثر تأثرًا. فقد أظهرن عبر الاستبيانات مستويات توتر أعلى من الرجال، كما أظهرت قياسات الكورتيزول توترًا مزمنًا وإرهاقًا جسديًا.
تشير النتائج بوضوح إلى أن النساء يتأثرن بشكل أكبر بغياب المساحات المفتوحة والخضراء مقارنة بالرجال. ونظرًا لأن عدد النساء اللواتي يعتنين بأفراد الأسرة كان أكبر بخمس مرات من الرجال في الدراسة، فقد يكون نقص الحدائق ومساحات اللعب أثر على النساء بشكل أكبر، لكن هذا الأمر يحتاج لمزيد من البحث.
الخلاصة وأهميته للتخطيط الحضري
من خلال تعزيز الأدلة حول خصائص تخفيف التوتر والفوائد الصحية للمساحات الخضراء، تضيف هذه الدراسة إلى قاعدة المعرفة التي يجب أن تُستند إليها سياسات التخطيط الحضري والصحة العامة في المدن. وهناك حاجة لمزيد من الدراسات لفهم كيفية تأثير المساحات الخضراء على مستويات التوتر في أماكن مختلفة وبين فئات سكانية متنوعة.
وينبغي إيلاء اهتمام خاص لمقارنة جودة المساحات مقابل كميتها، إذ تشير دراسات أخرى إلى أن جودة المساحات الخضراء هي العامل الذي يشجع النساء على استخدامها وبالتالي الاستفادة منها، وهو عامل مهم يجب أن يأخذه مخططو المدن في الاعتبار.
