القائمة الرئيسية

كيف تتأقلم الحيوانات مع الضجيج الذي يسببه البشر؟

كيف تتأقلم الحيوانات مع الضجيج الذي يسببه البشر؟
ملخص المقال

يوضح المقال كيف تدفع الضوضاء البشرية المتزايدة الحيوانات إلى تعديل سلوكها وطرق تواصلها للبقاء في البيئات الحضرية، حيث تعتمد العديد من الأنواع على الصوت للتواصل، والتحذير من الخطر، وجذب الشريك، وتحديد موقع الفريسة. وتُظهر دراسة حديثة على خفاش الشفاه الهامشية أن هذه الخفافيش تغيّر استراتيجيتها للصيد تحت الضوضاء العالية، بالتحول من الاعتماد على أصوات الفرائس إلى استخدام تحديد الموقع بالصدى فقط، في مثال واضح على اللدونة الظاهرية. وتمتد هذه التكيفات إلى العديد من الأنواع؛ فالطيور والحيتان والسناجب والضفادع والجراد تغيّر درجة صوتها أو شدته أو سرعة أنغامها أو حتى توقيت غنائها لتجاوز ضوضاء المدن. ويخلص المقال إلى أن الحيوانات القادرة على التكيف مع البيئات الصاخبة هي التي تزدهر في المدن الحديثة، بينما تواجه الأنواع المتخصصة خطر التراجع أو الانقراض المحلي، ما يجعل “البقاء للأقدر على التكيّف” قانونًا جديدًا لحياة الحيوان في القرن الحادي والعشرين.

تجبر الضوضاء البشرية الحيوانات حول العالم على خوض تغيّرات لا نلاحظ معظمها. وستكون مسألة بقاء الأصلح من جديد: بعض الأنواع ستتكيف وتزدهر، بينما سيكافح بعضها الآخر من أجل البقاء.

إن حياتنا الصاخبة تؤثر بشكل كبير لأن الصوت عنصر أساسي في حياة العديد من الحيوانات. فالأغاني والهدير والصرخات والطنين قد تُستخدم للبقاء على اتصال مع الآخرين، أو للتحذير من الخطر أو الدفاع عن الأرض، أو لجذب شريك للتزاوج، أو لطلب الطعام من أحد الوالدين. لكن المدن تقاطع هذه الاتصالات؛ إذ يملأ ضجيج المرور وأعمال البناء – وحتى حديث البشر – آذان الحيوانات بضوضاء منخفضة التردد. فكيف تتكيف الحيوانات التي تعيش في المدن؟

من التنصّت إلى تحديد الموقع بالصدى

يوفّر خفاش الشفاه الهامشية في أميركا الوسطى والجنوبية مثالًا على ذلك. باستخدام ضفادع روبوتية قابلة للنفخ وقفص كبير مزوّد بميكروفونات ومكبرات صوت، كشف فريق بقيادة ووتر هالفويرك مؤخرًا كيف تكيفت هذه الخفافيش للصيد في بيئات مليئة بالضجيج. ونُشرت دراستهم في مجلة Science.

معظم الخفافيش تستخدم تحديد الموقع بالصدى – وهو سلسلة من النبضات فوق الصوتية – للعثور على فرائسها. لكن خفاش الشفاه الهامشية، إلى جانب مجموعة تشمل خفافيش طويلة الأذن الأوروبية، عادة ما يعتمد على الأصوات منخفضة التردد التي يمكن للبشر سماعها أيضًا. وفي هذه الدراسة، ركّز الباحثون على نداءات التزاوج العالية التي تصدرها بعض أنواع الضفادع.

في البرية، يمكن رصد حركة أكياس الصوت لدى الضفادع أثناء انتفاخها قبل إصدار النقيق من خلال تحديد الموقع بالصدى، لذا يمكن للخفافيش استخدام كل من التنصّت وتحديد الموقع بالصدى أثناء الصيد. وفي القفص التجريبي في بنما، استخدم العلماء هواء مضغوطًا لنفخ أكياس الصوت للضفادع الروبوتية لمحاكاة الضفادع الحقيقية.

أراد فريق هالفويرك معرفة ما الذي سيحدث إذا تم حجب نداءات التزاوج بواسطة ضوضاء خلفية، فقاموا بترتيب الضفادع الروبوتية بحيث تعتمد بعضها فقط على صوت النقيق بينما يمكن رصد بعضها الآخر باستخدام تحديد الموقع بالصدى. والسؤال: هل ستغير الخفافيش استراتيجيتها في الصيد إذا لم تستطع سماع النقيق فوق الضوضاء العالية في القفص؟

عندما غمر الفريق القفص بضوضاء طبيعية منخفضة المستوى، تم اصطياد الروبوتات المنفوخة وغير المنفوخة بأعداد متساوية  فقد سمعت الخفافيش النقيق وتوجهت نحو الضفادع الروبوتية.
لكن عندما ارتفع مستوى الضوضاء بحيث أخفى صوت الضفادع، لم تُصطَد إلا الروبوتات ذات أكياس الصوت المنتفخة. وفي الظروف الصاخبة، أطلقت الخفافيش ضعف عدد النبضات الصوتية التي تستخدمها لتحديد الموقع بالصدى مقارنة بالوضع الهادئ. لقد تحولت الخفافيش إلى استخدام تحديد الموقع بالصدى فقط للعثور على فريستها.

يمثل هذا التغيير في السلوك ما يُعرف باللدونة الظاهرية (phenotypic plasticity) — وهي قدرة الكائن الحي على الاستجابة للتغيرات البيئية بتعديلات في بنيته أو سلوكه أو دورة حياته. وقد تحدث هذه التغييرات بسرعة، وقد تكون دائمة أو غير دائمة خلال عمر الكائن.

الغناء بصوت أعلى… وبنبرة أعلى

الخفافيش ليست المثال الوحيد. فقد وُثِّقت أمثلة عديدة لكيفية تكيف الأنواع المختلفة مع الضوضاء البشرية:

  • العندليب يرفع مستوى صوته استجابة لضوضاء المرور، ويبدو أنه يغني بصوت أعلى في صباح أيام الأسبوع مقارنة بعطلات نهاية الأسبوع.

  • عصافير السونغ سبارو ترفع تردد أغانيها لنقلها إلى طبقة أعلى لا تحجبها ضوضاء المدن المنخفضة.

  • القراقيف الكبيرة (great tits) في المدن تُصدر أغاني أقصر وأسرع مقارنة بأقاربها في الغابات.

ولا يقتصر الأمر على الطيور:

  • الحيتان في الموانئ والممرات البحرية المزدحمة تغني بصوت أعلى ولكن أقل تكرارًا.

  • السناجب الأرضية في كاليفورنيا تغيّر نداءاتها إلى ترددات أعلى بالقرب من توربينات الرياح الصاخبة.

  • ضفادع أستراليا البنية الجنوبية و الجراد المجنح القوسي في ألمانيا يرفعان طبقة أصواتهما استجابة لضوضاء المرور.

وبعيدًا عن تغيير النبرة أو الصوت، بدأت بعض الطيور الحضرية في الغناء في أوقات مختلفة. فعلى سبيل المثال، أصبح الروبين الأوروبي يغني ليلًا في المناطق التي تكون صاخبة نهارًا.

ماذا يعني ذلك لحياة الحيوانات في المدن؟

من الواضح أن بعض الأنواع قادرة على التكيف مع البيئات الصاخبة، وهي الأنواع التي تمتلك لدونة ظاهرية وقدرة على العيش في ظروف متنوعة والاستفادة من موارد مختلفة.
أما الأنواع المتخصصة، التي لا تستطيع التكيف، فهي تواجه خطر الانقراض المحلي.

إن الأنواع العامة القادرة على التكيّف  هي حيوانات “البقاء” في القرن الحادي والعشرين، وهي التي يراها سكان المدن يوميًا. لقد منحتها حياتنا الصاخبة، دون قصد، فرصة لتزدهر.

مقالات ذات صلة