من شبه المستحيل العثور على هدوء تامّ. حتى لو كنت تعيش في منطقة ريفية بعيدة عن مسارات الطائرات والمرور وأعمال البناء، فمن المحتمل أن يكون منزلك مليئًا بأصوات الحواسيب والأجهزة الحديثة. وفي بعض الأماكن، هناك ادعاءات بوجود أصوات منخفضة التردد غامضة لا يُعرف مصدرها. على سبيل المثال، اشتكى سكان مدينة بريستول في غرب إنجلترا مؤخرًا من ""أزيز"" مشابه لذلك الذي تم الإبلاغ عنه في السبعينيات.
هذه الأصوات ليست مزعجة فحسب، بل هناك أدلة متزايدة على أن التعرّض طويل المدى للضوضاء البيئية بمستويات معينة يمكن أن يؤثر سلبًا على صحتك. وقد تكون هذه التأثيرات جسدية، أو نفسية، أو ربما تعيق تعلّم الأطفال.
ردود فعل جسدية
تُظهر الأبحاث الحديثة أن ضوضاء المرور والطائرات تزيد من خطر ارتفاع ضغط الدم، خصوصًا عند التعرّض للضوضاء ليلًا. وقد وجدت دراسة حول ضوضاء الطائرات حول مطار هيثرو في لندن أن المستويات المرتفعة من الضوضاء ارتبطت بزيادة مخاطر دخول المستشفى والوفاة بسبب السكتة الدماغية وأمراض القلب التاجية وأمراض القلب والأوعية الدموية في المنطقة المحيطة.
كما وجدت دراسة كبيرة أخرى، تناولت التعرّض لضوضاء الطائرات على مدى فترة أطول تصل إلى 15 عامًا، أن الوفيات بسبب النوبات القلبية ازدادت عندما كانت الضوضاء أعلى واستمرت لفترة أطول. وتشير أحدث التقديرات إلى أن زيادة متوسط ضوضاء الطائرات بمقدار عشرة ديسيبل ارتبطت بزيادة في ارتفاع ضغط الدم والنوبات القلبية والسكتات الدماغية تتراوح بين 7% و17%.
استجابتك العاطفية للضوضاء قد تكون مهمة أيضًا، لدرجة أنها تحمل اسمًا خاصًا: الانزعاج من الضوضاء. وهو يشير إلى المشاعر السلبية التي تخلقها الضوضاء، مثل الاضطراب، والتوتر، والانزعاج، والضيق، والشعور بانتهاك الخصوصية. لكن الانزعاج يختلف كثيرًا من شخص لآخر.
ولا يعتمد فقط على نوع الصوت وحجمه، بل أيضًا على مدى تدخّله في أنشطتك، أو الخوف المرتبط بمصدره، أو آلياتك في التكيّف معه، أو حتى اعتقادك بإمكانية منعه. فعلى سبيل المثال، سيكون شعورك بالانزعاج من الطائرات أعلى إذا كنت تعتقد أن المطار لا يتخذ أي إجراءات للحدّ من الضوضاء.
مع ذلك، فإن تأثير الانزعاج على الصحة طويلة المدى غير واضح. وتشير الأدلة إلى أن الاضطرابات النفسية قد تزيد من احتمال الشعور بالانزعاج — وليس العكس.
أما تأثير الضوضاء المنخفضة الخلفية أو ""الأزيز"" مثل ذلك الذي سُمع في بريستول، فلا يزال غير واضح، رغم قدرتها على التسبب بالانزعاج. وبالمثل، فقد أشار تحليل حديث للأمواج فوق الصوتية عالية التردد (التي لا تُسمع بشكل واعٍ) إلى أن الناس أصبحوا أكثر تعرضًا لها من الماضي، وأوصى بضرورة دراسة الأعراض التي أبلغ عنها بعض الأشخاص مثل الغثيان والصداع والدوار.
تأثير الضوضاء على تعلم الأطفال
يمثل هذا جانبًا مهمًا آخر من أبحاث الضوضاء. فقد وجدت نحو 20 دراسة تأثيرات لضوضاء الطائرات أو المرور على قدرات الأطفال في القراءة والذاكرة طويلة المدى.
إحدى الدراسات وجدت أن ضوضاء الطائرات ارتبطت بضعف في الفهم القرائي والذاكرة، حتى بعد أخذ الوضع الاجتماعي للأطفال وضوضاء المرور بعين الاعتبار. وفي المملكة المتحدة، تراجع العمر القرائي للأطفال بما يصل إلى شهرين مقابل كل زيادة قدرها خمسة ديسيبل في متوسط التعرض لضوضاء الطائرات.
تفسيرات محتملة
الآن بعد أن عرفنا أن الضوضاء قد تكون ضارة، يبقى السؤال: لماذا؟
ضوضاء الطائرات والمرور مرتبطة حتمًا بانبعاثات التلوث، لكن الباحثين يأخذون هذا في الحسبان عادة عند دراسة التأثيرات. ومن المرجح وجود أسباب منفصلة تجعل الضوضاء والتلوث الهوائي يؤثران على الصحة.
فتأثيرات جزيئات التلوث ترتبط غالبًا بالالتهاب، بينما يؤدي التعرض للضوضاء إلى زيادة مستويات التوتر، مما يرفع النشاط الجسدي مثل زيادة ضربات القلب وضغط الدم.
هذا قد يؤدي إلى ارتفاع عوامل الخطر المعروفة لأمراض القلب، مثل ضغط الدم، ومستويات السكر في الدم، والدهون، وحتى السمنة المركزية. ومع مرور الوقت، قد يؤدي ذلك إلى ارتفاع دائم في ضغط الدم وتصلّب الشرايين، ومن ثم حدوث نوبات قلبية أو سكتات دماغية لدى بعض الأشخاص.
ولأن الجسم يستجيب للضوضاء حتى أثناء النوم (وقد توقظك)، يُعتقد أن أحد مسارات تأثر الصحة بالضوضاء هو اضطرابات النوم المتكررة. فالضوضاء أثناء النوم قد تؤثر على التنفس، وحركة الجسم، وضربات القلب، ومواعيد الاستيقاظ. وتزداد قابلية التأثر بها لدى كبار السن، والأطفال، والعاملين بنظام المناوبات، أو من يعانون من مشاكل صحية. وتشير الأبحاث إلى أن اضطراب النوم الذي يُبلّغ عنه يكون أسوأ عند التعرض لضوضاء الطائرات مقارنة بضوضاء المرور.
تأثير الضوضاء على تعلم الأطفال غير مفهوم تمامًا. فقد يكون ببساطة لأن الضوضاء تعيق التواصل بين المعلمين والطلاب، أو لأن الطلاب يركزون بشدة في البيئات المزعجة فيستبعدون الكلام المفيد إلى جانب الضوضاء. لكن ما نعرفه هو أن الأمر لا يرتبط فقط بالوضع الاجتماعي للسكان قرب المطارات، إذ تظل النتائج صالحة حتى بعد أخذ ذلك في الاعتبار.
الخلاصة
من الواضح أن التلوث الضوضائي يؤثر على عدد كبير من الناس ويشكل خطرًا حقيقيًا على صحتهم. لذلك، نحتاج إلى التفكير في حلول تقلّل الضوضاء من مصدرها، سواء عبر الحواجز أو العزل الصوتي، أو — والأفضل — عبر تصميم مدن ومجتمعات تكون أقل ضجيجًا منذ البداية.
