بدأ الأمر—كما تبدأ أشياء كثيرة في أكسفورد—بنقاش بعد الغداء. كان ذلك في ربيع عام 2013، حين اجتمع عدد من الأساتذة في قاعة الكلية ليتحدّثوا عن أزمة القيادة التي تتكرر في مختلف القطاعات حول العالم. فمجددًا، في البنوك والسياسة والأعمال والصحافة والتكنولوجيا والرياضة والجيش وغيرها، كان القادة يفشلون في الالتزام بمعايير النزاهة والمسؤولية التي يفرضها عليهم موقعهم. ولم يكن جوهر المشكلة نقصًا في المهارات القيادية أو الخبرة الفنية، بل كان يتعلق بثقافة المؤسسات وخصال القادة.
ولجامعات مثل أكسفورد، يصعب تجاهل هذه المسؤولية. فنحن نفاخر بأن طلابنا يشغلون مناصب مؤثرة حول العالم، لكن—كما قال أحد الأساتذة—“لا شكّ أننا نُخرّج مفكرين وقادة، ولكن… هل نُخرّج مفكرين حكماء وقادة صالحين؟”
من هذه الفكرة، ودعم مؤسسة تمبلتون الخيرية العالمية، وُلد مشروع أكسفورد للصفات الأخلاقية. وكان السؤال البحثي الجوهري للمشروع:
كيف نُعدّ جيلًا من المفكرين الحكماء والقادة الأخيار الذين يسهمون في ازدهار الأفراد والمؤسسات والمجتمعات عالميًا؟
كيف تُسهم الخصال الأخلاقية في الازدهار؟
الفكرة الأساسية للمشروع—أن القيادة الفاضلة هي مفتاح ازدهار الإنسان وخير المجتمع—ليست جديدة. فقد كانت محورًا في فلسفات أرسطو وكونفوشيوس، وقوةً محركة لعصر النهضة الأوروبية، وأساسًا للتعليم العالي حتى أوائل القرن العشرين.
لكن هذا التركيز على الفضيلة تراجع خلال القرن الماضي مع صعود التكنولوجيا والأنظمة المصمّمة لتعظيم المكاسب الاقتصادية. تراجعت القيم إلى المجال الخاص، بينما أرادت الحياة العامة أن تُدار بـ“الحقائق” لا بـ“الفضائل”.
أما اليوم، فلم يعُد الفصل بين الحقائق والقيم أمرًا مقنعًا، خاصة بعد التطورات الكبيرة في علم ازدهار الإنسان. فقد نشرت مجلة Nature هذا العام نتائج أول دراسة عالمية طويلة المدى للرفاه، شملت أكثر من 200 ألف شخص في نحو 20 دولة. وتعرّف الدراسة الازدهار بأنه:
“حالة يعيش فيها الإنسان جودة عالية في جميع جوانب حياته وفي البيئات التي ينتمي إليها.”
وتشمل جوانب الازدهار: الصحة الجسدية والنفسية، الاستقرار المالي، العلاقات الاجتماعية القوية، المعنى والغاية—إضافة إلى الخصال الأخلاقية.
فالفضائل مثل: الامتنان، والعدل، والحكمة، والشجاعة، والاعتدال، واللطف، والأمل…
كلها في صميم حياة مزدهرة ومجتمع مزدهر.
وقد وجد الباحثون في الولايات المتحدة والمكسيك أن الأشخاص ذوي الخصال الأخلاقية العالية أكثر رضا وسعادة، ويتمتعون بصحة أفضل، وروابط اجتماعية أعمق، وإحساس أقوى بالمعنى والهدف.
لكن الازدهار ليس تجربة فردية فقط؛ بل يعتمد على المؤسسات: من العائلة والمدرسة والرعاية الصحية، إلى الأعمال والبنوك والنقل والإعلام والحكومات.
وهنا يظهر دور القيادة الأخلاقية.
وفي عام 2023، حلّل الباحثون 720 دراسة عن أثر القيادة المبنية على الخصال الأخلاقية، ووجدوها تعود بفوائد على:
الأفراد: الرفاه، المعنى، الرضا الوظيفي، الإبداع…
المؤسسات: المناخ الأخلاقي، الأداء، التماسك، الثقة…
المجتمع: مكافحة الفساد، العدالة الاجتماعية، الاستدامة…
أربع فضائل محورية: الغاية، الشجاعة، المحبة، الأمل
منذ 2014، يعمل مشروع أكسفورد على تطوير برامج وبحوث وشراكات تقدّم نموذجًا للقيادة القائمة على الفضيلة. وأطلق الفريق مؤخرًا دورة مجانية بعنوان “القيادة بالخصال الأخلاقية” بشراكة مع مؤسسة ليغاتوم وبرنامج ازدهار الإنسان في هارفرد، وقد التحق بها حتى الآن 2000 متعلم من 122 دولة.
تركّز الدورة على أربع فضائل مركزية:
1) الغاية
يعرّفها الباحث بيل دامون بأنها:
“نية موجّهة نحو المستقبل لتحقيق أهداف ذات معنى للفرد ومفيدة للآخرين.”
الغاية تمنح القائد رؤية واتجاهًا، وتساعده على توحيد الاستراتيجية مع الرسالة، وتحقيق الخير العام.
2) الشجاعة
هي اتخاذ القرار والعمل وفق القيم رغم المخاطر أو الصعوبات.
فالقيادة ليست سهلة، والخوف من الفشل قد يشلّ القائد.
والشجاعة هنا ليست بطولة صاخبة—بل كما قالت إحدى الطالبات:
“كل خطوة صغيرة تبذلها نحو الخير… هي شجاعة.”
3) المحبة
رغم ندرة الحديث عنها في سياق القيادة، إلا أنها فضيلة جوهرية.
وهي تعني: الالتزام بخير الآخرين.
القائد المحبّ يضع مصلحة الفريق قبل مصلحته، ويعامل الآخرين بالكرامة والإنصاف حتى في القرارات الصعبة.
4) الأمل
الأمل ليس تفاؤلًا ساذجًا، بل مهارة عقلية تُبنى بالممارسة.
هو تركيز على إمكانية مستقبل أفضل رغم التحديات.
وبحسب مقولة شهيرة تُنسب لنابليون:
“القادة هم تجّار الأمل.”
القيادة الصالحة لعالم أفضل
لا شك أن القائد يحتاج للخبرة المهنية في الاستراتيجية والتكنولوجيا وإدارة المخاطر والتواصل.
لكن القيادة الفاضلة—المبنية على الغاية والشجاعة والمحبة والأمل—تجعل هذه المهارات قوة للخير.
يبني مشروع أكسفورد عمله على قناعة واضحة:
التحديات التي يواجهها العالم اليوم تحتاج قادة يمتلكون أعلى درجات الكفاءة… وأرقى درجات الأخلاق.
ومع دخول المشروع عقده الثاني، يستعد لإطلاق دراسات جديدة حول القيادة الأخلاقية في السياسة والأعمال والرياضة، وبرامج تدعم جيلًا جديدًا من القادة في أكسفورد وحول العالم.
