ملخص: هذه المقالة تناقش كيف يمكن للطائرات المسيّرة في القطب الشمالي أن تُحدث تحولاً جذرياً في عمليات البحث والإنقاذ، من خلال تجربة ميدانية في نوك بغرينلاند اختبرت قدرات الطائرات في أقسى الظروف لجمع بيانات ضخمة وتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي قادرة على رصد المفقودين بدقة أعلى، مما يمهّد لتطوير طائرات تُطلق من المروحيات وتوسّع نطاق البحث، مع إمكانية تطبيق هذه التقنيات مستقبلاً في الكوارث الطبيعية والبيئات القاسية حول العالم.
- عبر القطب الشمالي، يتوسع الشحن والسياحة واستكشاف الموارد بسرعة مع تراجع الجليد البحري، إذ ينمو المرور البحري بنحو 7% سنوياً.
- وتشكل المسافات الشاسعة، ودرجات الحرارة المتجمدة، والبنية التحتية الهشة واحدة من أصعب تحديات البحث والإنقاذ في العالم.
- ومع ذلك، قد تُحدث تقنيات الطائرات المسيّرة التي جرى اختبارها في غرينلاند تحولاً جذرياً في طريقة الاستجابة للطوارئ في البيئات البعيدة والقاسية.
في العاصمة الغرينلاندية نوك، يمكن للطقس الهادئ أن يتحول إلى خطر في دقائق. ومن يجد نفسه عالقاً على الجليد البحري أو تائهاً وسط الضباب، تصبح كل دقيقة أمراً فاصلاً بين الحياة والموت، ولا تستطيع المروحيات دائماً مجاراة الظروف.
ومع تراجع الجليد البحري، ازداد عدد السفن التي تدخل المياه القطبية بأكثر من 37% منذ عام 2013، بينما تضاعف إجمالي المسافات المقطوعة، وارتفع وقت الإبحار الشتوي إلى ثلاثة أضعاف خلال العقد الماضي. وفي هذا السياق، تصبح الحاجة إلى تكنولوجيا تعزز سرعة وفعالية البحث والإنقاذ أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.
اختبار الطائرات المسيّرة في مياه غرينلاند القطبية
في سبتمبر 2025، أُجريت دراسة تجريبية في نوك تشكّل الخطوة الأولى ضمن مشروع ابتكار أوسع للتعامل مع تحديات البحث والإنقاذ في القطب الشمالي. فقد أجرى باحثون من جامعة جنوب الدنمارك ومعهد ألكسندرا، بالتعاون مع القيادة القطبية المشتركة، عمليات بحث وإنقاذ باستخدام الطائرات المسيّرة في المياه والخلجان المحيطة بالمدينة.
بتمويل من المركز الوطني الدنماركي لتقنيات الدفاع، يعتبر هذا المشروع التجريبي خطوة أساسية نحو تطوير منظومات مدمجة بين الطائرات المسيّرة والمروحيات للعمل في ظروف قاسية.
ولم يكن الهدف اختبار ما إذا كانت الطائرات المسيّرة قادرة على العمل في القطب الشمالي – فهذا مثبت مسبقاً – بل تقييم أداء التقنيات المتاحة تجارياً في مواجهة البرودة والرياح وضعف تغطية GPS. وكان الهدف تحديد نقاط القوة ومواطن التعطل تحت الضغط العملي الحقيقي.
تم إطلاق طائرتين مسيّرتين: إحداهما من رأس ساحلي يعرف محلياً بـ"نهاية العالم"، والأخرى من قارب صغير في مضيق جليدي. alternated between piloting and acting as missing persons by walking, lying down, or hiding behind cliffs. الهدف كان إنشاء قاعدة بيانات تدرّب أنظمة الذكاء الاصطناعي على التعرف على الأجسام المهمة في الوقت الفعلي.
يقول يوسي هيرمانسن، المتخصص الهندسي بجامعة جنوب الدنمارك:
"أردنا أن نعرف متى تعمل الحساسات بكفاءة، ومتى تفشل. فالكاميرات الحرارية قد تفقد أثر شخص إذا كانت الصخور دافئة أو إذا عكس الماء الضوء. ولا يمكنك معرفة ذلك إلا من خلال الاختبار في البيئة الحقيقية."
على مدى 32 رحلة، أكد الفريق أن التصوير الحراري يعمل بأفضل صورة خلال ساعات الصباح الباكر أو المساء عندما يبرد السطح، بينما قد يحجب ضوء الشمس القوي الأجسام تماماً. وجمعت المهمة 250 غيغابايت من البيانات تُستخدم الآن لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
هندسة الطائرات المسيّرة لتحدي القطب الشمالي
تُبرز دروس تجربة نوك أهمية تطوير طائرات مسيّرة قادرة على التحكم في الظروف القطبية. فالطيران في غرينلاند يعني مواجهة البرد الشديد، وتكوّن الجليد على المراوح، وضعف الإشارات، ونفاد البطاريات بسرعة تحت الصفر.
تُعد هذه التجارب خطوة حاسمة نحو تطوير أنظمة قادرة على إرشاد المروحيات عملياً. وتشمل المرحلة المقبلة تطوير طائرات مسيّرة ثابتة الجناحين تُطلق وتُستعاد من المروحية في الجو، مستوحاة من الطائرات المستخدمة في العمليات الدفاعية مثل Switchblade، بحيث تفتح أجنحتها في الهواء ثم تعود عبر شبكة أو كابل.
وقد تمكّن هذه الأنظمة من توسيع نطاق عمليات البحث للمروحيات بنسبة تزيد عن 20%، وهو أمر بالغ الأهمية في غرينلاند حيث عدد المروحيات محدود.
وبذلك تعمل تجربة نوك كنموذج أولي ومُنطلق لتحويل البيانات الميدانية إلى تصاميم لنظام بحث وإنقاذ جديد في القطب الشمالي. كما يمكن لهذه التقنيات دعم الدفاع، ورصد البيئة، والخدمات اللوجستية.
غرينلاند كمختبر للتقنيات القطبية
تشير المؤشرات إلى أن الطائرات غير المأهولة ستصبح عاملاً أساسياً لعمليات الاستجابة الطارئة والتنمية المستدامة في القطب الشمالي. فقد أكدت سياسة الاتحاد الأوروبي المتكاملة للقطب الشمالي أن هذه الطائرات أساسية للسلامة والمراقبة المناخية وفحص البنية التحتية وحماية الحياة البرية وإدارة الموارد.
كما يشير "المدونة القطبية" للمنظمة البحرية الدولية إلى الحاجة الملحة لتعزيز قدرات البحث والإنقاذ. وتستثمر كندا والولايات المتحدة وروسيا بقوة في قدرات الطائرات المسيّرة القطبية.
ويتوقع الاتحاد الأوروبي أن يساهم قطاع الطائرات المسيّرة بما يصل إلى 10% من سوق الطيران بحلول 2035، مع خلق أكثر من 150 ألف وظيفة.
وفي الوقت نفسه، يزداد دفء القطب الشمالي بمعدل يقارب أربعة أضعاف المعدل العالمي، ما يعيد تشكيل السواحل والطقس والنشاط البشري. ومع فتح طرق بحرية جديدة وتوسع السياحة، سيزداد الضغط على قدرات الإنقاذ.
من الابتكار القطبي إلى تعزيز المرونة عالمياً
ما بدأ كمشروع صغير في نوك أصبح الآن رؤية واسعة: فالتقنيات التي تثبت فعاليتها في القطب الشمالي يمكن أن تعيد تشكيل الاستجابة للكوارث في المناطق المعزولة أو المتضررة حول العالم. فالأنظمة القادرة على الطيران من دون GPS وبث البيانات لمسافات طويلة قد تكون حيوية في مناطق الزلازل، والجبال الوعرة، وحرائق الغابات، أو أي مكان انهارت فيه البنية التحتية.
توضح تجربة نوك أن الابتكار لا يقتصر على الآلات فحسب، بل يشمل بناء قدرات بشرية وتشغيلية في تحليل البيانات والذكاء الاصطناعي والعمليات الجوية.
يقول هيرمانسن:
"عندما تقف على قارب وسط الضباب قرب نوك، وتطلق طائرة مسيّرة في ضوء الصباح، تدرك أننا لا نختبر آلات، بل نختبر طرقاً لإنقاذ الأرواح في أقسى بيئة على وجه الأرض."
الطائرات المسيّرة القطبية قد تعيد تعريف الاستجابة للكوارث
مع ازدياد النشاط في القطب الشمالي، سيكون للتقنيات التي تم اختبارها في غرينلاند تأثيرات عالمية. فقد تعيد الطائرات المسيّرة التي تعمل بكفاءة في أماكن تعجز عنها المروحيات تشكيل مستقبل الإنقاذ، وبناء أنظمة أكثر مرونة تعتمد على البيانات عبر مختلف القطاعات.
الدروس المستفادة من خلجان الجليد في غرينلاند يمكن تطبيقها في الصحارى والجبال والمناطق المنكوبة، لتوفير نموذج لعمليات في البيئات القاسية حول العالم.
في النهاية، القطب الشمالي ليس مجرد ساحة للمخاطر، بل مختبر للحلول؛ يثبت أن الابتكار الذي يولد في البرد قد ينقذ الأرواح في كل مكان.
