ملخص: هذا المقال يناقش كيف تعيد اليابان ابتكار منظومة النقل لمواجهة شيخوخة السكان وتراجع اليد العاملة، عبر مبادرات حكومية رقمية مثل MaaS 2.0، ومشاريع تجريبية مبتكرة من القطاع الخاص مثل مدينة "ووفن" التابعة لتويوتا. ويعرض الجهود المبذولة لتقليل "صحاري النقل"، وتوحيد أنظمة الحافلات، واستخدام المحاكاة الرقمية لتطوير نماذج نقل مرنة وشاملة تضمن استمرارية الخدمات الأساسية وجودتها للأجيال القادمة.
- أصبحت مسألة ضمان استمرارية الخدمات العامة الأساسية مثل النقل قضية متزايدة الإلحاح في اليابان.
- يعيش أكثر من 20% من السكان على بُعد يزيد عن 500 متر من أقرب محطة قطار وأكثر من 300 متر من أقرب محطة حافلات.
- وفي مواجهة هذه التحديات، يعمل كل من القطاعين الحكومي والخاص في اليابان على إعادة تصميم خدمات النقل، مع الاستفادة من التقنيات الرقمية.
مع تقدّم السكان في السن وتقلّص أعدادهم، أصبحت المحافظة على استمرارية الخدمات العامة الأساسية تحدياً متزايداً. وفي اليابان، حيث تتسارع ظاهرتا تناقص السكان في المناطق الريفية وشيخوخة المجتمع، بات نقص اليد العاملة تحدياً حرجاً في الحفاظ على خدمات النقل الإقليمية.
أحد الأمثلة على ذلك هو ظهور ما يُعرف بـ"صحاري النقل"، حيث يفتقر السكان إلى وسائل النقل العام على مسافة مقبولة من منازلهم. ووفقاً لإحدى الدراسات، يعيش 20.7% من السكان على بعد يزيد عن 500 متر من محطة قطار وأكثر من 300 متر من محطة حافلات. وفي بعض المناطق الريفية، انسحبت شركات سيارات الأجرة بالكامل، مما حدّ من تنقل كبار السن الذين يشكلون نحو 30% من السكان، وكذلك أولئك الذين لا يملكون سيارات. وقد أدى ذلك إلى زيادة صعوبة الوصول إلى السلع والخدمات والفرص الأساسية.
كما تواجه شركات النقل نفسها ضغوطاً متعددة ومترابطة، بما في ذلك نقص العمالة وتدهور الأوضاع المالية. فقد أظهر مسح وطني شمل مشغلي الحافلات والقطارات والسفن أن 55% منهم يواجهون صعوبة في الحفاظ على خطوطهم الحالية، وترتفع النسبة إلى نحو 70% بين مشغلي الحافلات. وأفاد أكثر من 90% من مشغلي الحافلات وحوالي 60% من مشغلي القطارات بانخفاض عدد الموظفين منذ 2019، بينما عبّر 40% منهم عن قلق بالغ بشأن الحاجة إلى إصلاحات هيكلية.
مبادرات حكومية
في يوليو 2024، أطلقت وزارة الأراضي والبنية التحتية والنقل والسياحة (MLIT) "مقر حلّ صحاري النقل" لمعالجة المناطق التي تفتقر إلى خدمات مثل سيارات الأجرة وخدمات مشاركة الركوب خلال 30 دقيقة من الطلب. وبالتعاون مع الحكومات المحلية والمشغلين، يهدف هذا المشروع إلى تقييم احتياجات كل منطقة وتحديد التدابير المناسبة لها.
وفي عام 2025، أطلقت الوزارة أيضاً مبادرة التحول الرقمي للتنقل المحلي: MaaS 2.0، التي تهدف إلى تعزيز التحول الرقمي عبر أربعة محاور: تقديم الخدمات، تكامل البيانات، الأطر الإدارية، وتوحيد إجراءات العمل، وذلك بهدف إعادة تصميم أنظمة التنقل الإقليمية والحد من فجوات النقل. وقد تم اختيار 15 مشروعاً تجريبياً للتنفيذ في عام 2025.
أحد هذه المشاريع يتم بالشراكة مع شركة Future Architect المتخصصة في التصميم التجاري وتقنيات المعلومات. يركز هذا المشروع على توحيد إجراءات العمل في قطاع الحافلات. ففي الوقت الحالي، تؤدي اختلافات الإجراءات التشغيلية وأنظمة تكنولوجيا المعلومات وتنسيقات البيانات بين شركات الحافلات إلى صعوبة التعاون فيما بينها. ومن خلال وضع معايير وطنية موحدة، يهدف المشروع إلى تقليل تكاليف نشر الأنظمة واستبدالها، وتحسين قابلية تبادل البيانات، ورفع كفاءة التشغيل. ومن المتوقع أن يؤدي الانتقال من أنظمة فردية إلى بنية مشتركة إلى تحسين تجربة المستخدم، وتمكين الابتكار في الخدمات، وتعزيز منظومة النقل بشكل عام.
كما يجري تنفيذ مبادرة أخرى بالشراكة مع شركة Fujitsu، التي تطوّر نظام محاكاة متكامل لإدارة النقل الإقليمي. فإدخال نماذج تنقل جديدة قد يكون صعباً بسبب عدم اليقين حول الجدوى الاقتصادية وتأثيرها التشغيلي. ومن خلال "البروفة الرقمية"، يتيح النظام إجراء محاكاة متكررة لسيناريوهات مختلفة تشمل حجم الأسطول، الممرات، وساعات الخدمة، وتقييمها من منظور تجربة المستخدم والجدوى المالية. تساعد هذه المخرجات المرئية على التخطيط المبني على الأدلة، وبناء توافق بين الحكومات المحلية والمشغلين والسكان، وتصميم نماذج نقل مستدامة تلائم احتياجات كل منطقة.
مدينة "ووفن" التجريبية من تويوتا: مثال على الابتكار المدفوع بالقطاع الخاص
تتقدم المبادرات الخاصة أيضاً. ففي سبتمبر 2025، افتتحت شركة تويوتا "Woven City"، وهي مدينة تجريبية ذكية قائمة على موقع مصنع سابق بمساحة تناهز 708 آلاف متر مربع. وقد صُممت كـ"مختبر حي" ومن المتوقع أن تستوعب حوالي 360 مقيماً يعيشون ويتفاعلون مع التكنولوجيا أثناء تطويرها وتطبيقها.
تتيح المدينة اختبار تقنيات التنقل التي يصعب تطبيقها على الطرق العامة، مثل البنية التحتية المتصلة حيث تتكيف إشارات المرور تلقائياً بناءً على قرب المركبات. كما تحتوي على ممر دائري تحت الأرض يتيح اختبار الروبوتات الذاتية المستخدمة في التوصيل وجمع النفايات، مما يدعم تطوير خدمات لوجستية وتنقلية مدمجة في الحياة اليومية.
ابتكار أنظمة النقل من أجل مجتمع مرن وشامل
تُعد أنظمة النقل العام، بما في ذلك الحافلات والقطارات وسيارات الأجرة، جزءاً أساسياً من الحياة اليومية. وفي ظل التغيرات الديموغرافية المتواصلة والتحديات التشغيلية، تتقدم الجهود الرامية إلى تحسين المسارات وإجراءات العمل ونماذج الخدمة عبر اليابان. لا تركز هذه المبادرات فقط على رفع الكفاءة أو خفض التكاليف، بل تهدف أيضاً إلى تصميم أنظمة تنقل مرنة تستجيب لاحتياجات المجتمعات المحلية وتحافظ على الوصول المستدام للخدمات الأساسية.
ومن خلال الاستفادة من البيانات والابتكار الرقمي، تواصل اليابان جهودها لبناء أنظمة نقل resilient، شاملة، وقادرة على دعم الأجيال المقبلة بشكل مستدام.
