القائمة الرئيسية

جبال الملح القديمة في جنوب أستراليا كانت ملاذًا للحياة المبكرة على كوكب الأرض

جبال الملح القديمة في جنوب أستراليا كانت ملاذًا للحياة المبكرة على كوكب الأرض
ملخص المقال

يلخّص المقال الدور العميق الذي لعبته الكتل الملحية الصاعدة (الديابيرات) في تاريخ الأرض القديم، وكيف شكّلت تضاريس البيئات البحرية وأسهمت في ازدهار أولى أشكال الحياة. فقبل 640 مليون سنة، ارتفعت جبال ملحية تحت بحار ضحلة في جنوب أستراليا، مغيرة شكل القاع ومُنشئة بيئات مميزة سمحت للشعاب الكربوناتية البدائية مثل الستروماتوليت بالنمو فوقها. وتشير الدراسة إلى أن هذه الديابيرات قد كانت ملاجئ حيوية خلال فترات الاضطراب المناخي، ما ساعد الحياة على الاستمرار عبر الأزمات. كما توضح أن فهم هذه البنى القديمة يساعد اليوم في دراسة حركة السوائل في باطن الأرض، ويدعم تقنيات حديثة مثل تخزين الهيدروجين داخل القباب الملحية. في جوهره، يكشف المقال كيف يمكن لطبقات ملح مدفونة منذ ملايين السنين أن تعيد تشكيل بيئات كاملة وتؤثر على الحياة قديمًا… وعلى التكنولوجيا الحديثة اليوم.

يُعدّ الملح عنصرًا أساسيًا للجسم البشري اليوم، لكن قبل مئات الملايين من السنين من ظهور الإنسان، لعبت معادن الملح دورًا أكبر بكثير: فقد ساهمت في تشكيل تضاريس كاملة، بل وحددت الأماكن التي استطاعت فيها أولى أشكال الحياة على الأرض أن تزدهر.

ففي أعماق التاريخ الجيولوجي للأرض، تبخرت بحار قديمة عبر ملايين السنين، تاركة خلفها طبقات سميكة من الملح. ومع مرور الزمن، دُفنت هذه الطبقات وتحولت إلى صخور. وتبدأ كتل الملح المدفونة بالحركة ببطء عبر الزمن، فتتشكل «جبال ملحية» تصل أحيانًا إلى سطح الأرض.

بحثنا الجديد — المنشور في مجلة Geological Society of America Bulletin — يدرس إحدى هذه الكتل الملحية الصاعدة، المعروفة بالـ diapir، والتي تشكلت تحت بحر ضحل خلال حقبة ما قبل الكمبري قبل نحو 640 مليون سنة.

وتكشف دراستنا أن هذا الديابير في جنوب أستراليا كان يرتفع بنشاط بينما كانت أنظمة الشعاب القديمة تتطور فوقه. وتشير النتائج إلى أن هذه الجبال الملحية ربما لعبت دورًا مهمًا خلال فترة كان فيها تعقيد الحياة على الأرض في مرحلة ازدهار متسارعة.

ديابير الملح… كأنه مصباح الحمم البركانية لكنه جيولوجي

تتشابه الديابيرات الملحية مع الحركة البطيئة في مصابيح الحمم. ففي المصباح، ترتفع الكتل الدافئة واللينة من الأسفل نحو الأعلى، وهي تتمدد وتتغير أثناء صعودها.

وتتصرف كتل صخور الملح المدفونة بطريقة مشابهة: إذ ترتفع تدريجيًا عبر ملايين السنين، وتشكل هياكل معقدة. ويعود هذا الارتفاع إلى أن الملح أقل كثافة وأكثر مرونة من الصخور التي تعلوه.

ويؤدي هذا الارتفاع إلى تشكل «قبة» ملحية تشوه الطبقات المحيطة بها. وقد تصل هذه القباب إلى عدة كيلومترات طولًا وعرضًا.

وتوجد الديابيرات اليوم سواء على اليابسة أو تحت قاع المحيط، وغالبًا ما تستضيف نظمًا بيئية نشطة — من تربة فريدة إلى كائنات أعماق البحار التي تعيش دون ضوء الشمس

دلائل على حياة مبكرة

عثر الجيولوجيون على بقايا واضحة لهياكل الديابيرات الملحية في السجل الصخري. وتبرز هذه البقايا بوضوح في سلسلة جبال فليندرز في جنوب أستراليا، التي تشكلت خلال حقبة النيوبرتيرووزيك (من مليار إلى 541 مليون سنة)، وهي فترة شهدت تغيرات كبرى في المناخ والحياة على الأرض.

وكان موقع دراستنا هو ديابير إنوراما داخل متنزه Ikara–Flinders Ranges الوطني.

وتوصلنا إلى أن تشكّل هذا الجبل الملحي تحت الماء خلق الظروف المناسبة لازدهار الحياة المبكرة فوقه مباشرة. ونقترح أن حركة هذا الديابير ساعدت على تشكيل تضاريس مميزة تسمح بتطور هذه الأنظمة البيئية.

في فترات التاريخ المبكر للأرض — قبل ظهور الحيوانات المعقدة — غالبًا ما واجهت أشكال الحياة فترات قاسية: عصور جليدية، موجات حر شديدة، وتغيرات كبيرة في كيمياء المحيطات.

خلال تلك الفترات، ربما كانت البيئات الخاصة حول الديابيرات الملحية بمثابة ملاجئ حقيقية، توفر حماية للكائنات عندما تصبح بقية الأرض غير صالحة للعيش. وعندما تتحسن الظروف لاحقًا، تنتشر هذه الكائنات مجددًا وتعيد استعمار المحيطات.

وبهذا المعنى، قد تكون الديابيرات الملحية قد لعبت دورًا صامتًا — لكنه مهم — في استمرار الحياة عبر الأزمات والانقراضات.

شعاب مرجانية… لكن ليست كالتي نعرفها اليوم

خلال حقبة ما قبل الكمبري، كانت البحار تستضيف شعابًا كربوناتية أبسط بكثير من الشعاب المرجانية الحديثة.

هذه الشعاب كانت مبنية في أغلبها من الستروماتوليت — وهي مستعمرات من البكتيريا الزرقاء تقوم بترسيب معادن الكربونات بين حبيبات الرمل والطين، مما يؤدي إلى بناء طبقات صخرية ببطء.

تُعد الستروماتوليت من أقدم أشكال الحياة على الأرض، إذ يعود وجودها إلى أكثر من 3 مليارات سنة. وعلى مدى الزمن الجيولوجي، تطورت الشعاب الكربوناتية من تراكيب بسيطة إلى أنظمة بيئية أكثر تعقيدًا.

وبما أن الديابيرات الملحية كانت منتشرة عالميًا في حقبة ما قبل الكمبري، تشير أبحاثنا إلى أنها ربما لعبت دورًا مهمًا في تطور هذه الشعاب المبكرة.

لماذا يهمّ الأمر اليوم؟

فهم كيفية نمو الديابيرات الملحية ودورها في تشكيل الأنظمة البيئية قديمًا يساعد العلماء اليوم في دراسة الصخور العميقة تحت سطح الأرض، والتي ترتبط مباشرة بمصادر المياه والمعادن والطاقة الحديثة.

فالديابيرات المدفونة تُعدّ عوامل أساسية في كيفية تحرك السوائل عبر الصخور، مثل:

  • المياه الجوفية

  • النفط

  • النحاس

  • ثاني أكسيد الكربون

  • الهيدروجين

ويعمل الجيولوجيون الذين يدرسون البيئات الملحية القديمة على تصميم مشاريع حديثة لتخزين الهيدروجين تحت الأرض، إذ يمكن حقن الهيدروجين في القباب الملحية عندما يكون الإنتاج وفيرًا، ثم استعادته عند الحاجة كبديل نظيف للغاز الطبيعي.

وهكذا تسهم دروس الماضي، بما فيها كيفية تكيف الحياة مع البيئات المالحة، في صياغة استراتيجيات مستقبلية أكثر استدامة.

من حبة ملح… إلى بناء بيئة كاملة

في المرة القادمة التي ترى فيها حبة ملح، تخيلها جزءًا من طبقة ملحية سميكة مدفونة منذ ملايين السنين تحت قاع البحر، ترتفع ببطء لتعيد تشكيل قاع المحيط، وتخلق موائل جديدة.

فوق هذا القاع المتغير، تتجمع الستروماتوليت، وترشح أشعة الشمس فوق الشعاب القديمة، وتزدهر أشكال الحياة التي كانت في بداياتها الأولى.

مقالات ذات صلة