في خطوة تعكس تصاعد التوتر التجاري بين بكين وواشنطن، أعلنت الصين مؤخرًا فرض قيود جديدة على تصدير العناصر الأرضية النادرة، الأمر الذي أعاد إشعال حرب تجارية محتدمة بالفعل بين القوتين العالميتين. وقد سارع دونالد ترامب إلى الرد ملوحًا بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية بنسبة قد تصل إلى 100%، وهو ملف كان حاضرًا بقوة خلال لقائه بالرئيس الصيني شي جين بينغ في 30 أكتوبر خلال قمة التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ في كوريا الجنوبية.
ورغم إعلان الجانبين عن توصلهما إلى اتفاق يضمن للولايات المتحدة وصولًا أكبر إلى هذه الموارد الحيوية، فإن تفاصيل الاتفاق لم تتضح بعد. كل ما بدا جليًا هو تمسك إدارة ترامب بالخروج بنتيجة ما، إدراكًا منها بأن مستقبل التكنولوجيا الخضراء في الغرب مرتبط إلى حد كبير بالمعادن التي تتحكم الصين في جزء هائل من إنتاجها العالمي.
احتكار صيني شبه مطلق
العناصر الأرضية النادرة ليست نادرة من حيث الكمية، لكنها نادرة من حيث القدرة على استخراجها ومعالجتها، وهو ما جعل الصين، بفضل استثمارات مبكرة واسعة، تُحكم قبضتها على هذا القطاع بالكامل تقريبًا. فاليوم تستخرج الصين نحو 70% من هذه المعادن عالميًا، وتقوم بتنقية 92% منها، وتنتج 98% من المغناطيسات المصنوعة من العناصر النادرة، وهي مكوّنات لا غنى عنها في السيارات الكهربائية، والهواتف الذكية، والأجهزة الطبية، والألواح الشمسية، ومعظم تقنيات الطاقة النظيفة.
ومع تركيز بكين في السنوات الأخيرة على “تنمية عالية الجودة” تقوم على التكنولوجيا المتقدمة والاقتصاد الأخضر، أصبحت هذه المعادن ورقة استراتيجية في يدها، بل جزءًا من رؤيتها الاقتصادية الكبرى.
قلق عالمي من تأثير القيود الصينية
أثار إعلان الصين الأخير قلقًا واسعًا في الغرب، إذ يعني تضييق الإمدادات أن تكلفة إنتاج السيارات الكهربائية، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، وكل ما يدخل في نطاق الطاقة النظيفة، سترتفع على الأرجح. وقد يؤدي ذلك إلى زيادة الأسعار عالميًا، بل وربما إبطاء التحول نحو الاقتصاد الأخضر، وهو ما يجعل القرار الصيني أحد أخطر العوامل التي قد تعرقل طموحات المناخ العالمية.
ترامب، من جانبه، لم يخفِ استياءه، بل لوّح بإلغاء لقائه مع شي، وذهب أبعد من ذلك بإعلانه دراسة فرض حظر شامل على تصدير أي منتج للصين يعتمد على برمجيات أمريكية، بدءًا من الحواسيب المحمولة، وصولًا إلى محركات الطائرات والمعدات الصناعية. خطوة كهذه قد تعرقل قدرة الصين على تصميم مكونات متقدمة للرقائق الذكية، وهو ما سيضعف محاولاتها لتصدّر سوق التكنولوجيا النظيفة.
وقبل القمة، كانت الولايات المتحدة قد رفعت فعليًا الرسوم الجمركية على السيارات الكهربائية الصينية إلى 100%، وفرضت رسومًا بنسبة 50% على الخلايا الشمسية، و25% على بطاريات الليثيوم.
نتائج غير متوقعة لسياسات ترامب
رغم كل هذا التشدد، جاءت النتائج معاكسة لما كان ترامب يأمله. فبما أن السلع المصنوعة داخل الولايات المتحدة تُعفى من الرسوم، لجأت العديد من الشركات الصينية إلى فتح مصانع داخل الأراضي الأمريكية للتغلب على الحواجز الجمركية. والنتيجة: بدلًا من دعم الشركات الأمريكية، عززت السياسة وجود الشركات الصينية داخل السوق ذاته.
فعلى سبيل المثال، تمثل القدرة الإنتاجية لمصانع الألواح الشمسية التابعة لشركات صينية في الولايات المتحدة 39% من إجمالي الإنتاج الوطني، مقابل 24% فقط للشركات الأمريكية.
ورغم أن الرسوم قد تقلل من مبيعات التكنولوجيا الخضراء الصينية داخل السوق الأمريكي، فإنّ هذه السوق ليست الوجهة الرئيسية للصادرات الصينية.
الصين تبيع للعالم… والولايات المتحدة ليست الأهم
وفق تقديرات مبنية على بيانات مركز Ember للطاقة، بلغت قيمة صادرات الصين من التقنيات الخضراء في عام 2024 نحو 184 مليار دولار، منها 20.66 مليار دولار فقط للولايات المتحدة—أي ما نسبته 11.2%. وفي الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، تراجعت النسبة إلى 7.8%.
وعند المقارنة:
الاتحاد الأوروبي: 29.95%
الأسواق الآسيوية: 27.97%
يتضح أن الولايات المتحدة ليست سوى شريحة صغيرة من سوق الصين الكبير، ما يعني أن الضرر الاقتصادي الناتج عن الرسوم قد يبقى محدودًا مقارنة بما يتوقعه ترامب. لكن الاتحاد الأوروبي، الذي يعتمد بشكل كبير على هذه الواردات لتحقيق أهدافه المناخية، قد يجد نفسه في موقف أكثر تعقيدًا.
وماذا عن الصين؟
صحيح أن بكين تملك اليد العليا في المعادن النادرة، لكنها في المقابل تعتمد على التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة—خصوصًا في مجال أشباه الموصلات المتطورة المستخدمة في تصميم رقائق الذكاء الاصطناعي.
فالولايات المتحدة ما تزال صاحبة الريادة في تصنيع المعدات والبرمجيات الضرورية لإنتاج قطاعات كاملة من التكنولوجيا الخضراء. ومن دون هذه التقنيات، قد تواجه الشركات الصينية خيارات أقل، وتأخيرات أطول، وكفاءة أقل في الصناعات التي تطمح للصعود فيها.
كما تعتمد الصين على هذه المكونات لتطوير أنظمة التحكم الذكية في السيارات الكهربائية، وتحسين أداء الألواح الشمسية، وتوربينات الرياح، وزيادة كفاءة استهلاك الطاقة. وباختصار: مهما امتلكت من معادن، فإنها لن تحقق ريادة عالمية في التكنولوجيا النظيفة من دون أفضل الرقائق والبرمجيات المتقدمة.
ومن هنا، قد تبطؤ قوة الصين الاقتصادية الخضراء—ولو مؤقتًا—إلى أن تلحق تقنياتها في أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي بالولايات المتحدة. وهذا ما يجعل بكين، رغم قوتها، بحاجة إلى صفقات تجارية أفضل للحفاظ على موقعها المتقدم.
