القائمة الرئيسية

كيف يخطو الذكاء الاصطناعي نحو حلّ واحدة من أعقد المعضلات: منح الحواسيب حاسّة الشم

كيف يخطو الذكاء الاصطناعي نحو حلّ واحدة من أعقد المعضلات: منح الحواسيب حاسّة الشم
ملخص المقال

يتناول المقال تطوّر الشمّ الآلي منذ دعوة ألكسندر غراهام بيل لابتكار “علم للروائح”، وحتى استخدام نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة لفهم الروائح والتنبؤ بها. ويشرح التحدي الكبير الذي يواجهه العلماء بسبب تعقيد حاسة الشم البشرية واعتمادها على نحو 400 مستقبل مختلف، إضافة إلى نقص البيانات اللازمة لتدريب النماذج. لكن هذا تغيّر مع مبادرات مثل DREAM ومشروع Pyrfume، ومع تطور الشبكات العصبية البيانية التي سمحت ببناء خرائط دقيقة للروائح. ويفتح هذا التقدم الباب أمام تطبيقات واسعة تشمل العطور المخصّصة، حساسات الكشف الكيميائي، وتشخيص الأمراض عبر “بصمة الرائحة”، ما يجعل الشم الرقمي أحد أبرز اتجاهات العلم المستقبلية.

قبل أكثر من قرن، دعا ألكسندر غراهام بيل قرّاء ناشيونال جيوغرافيك إلى إطلاق “علم جديد”. فقد أوضح حينها أن البشرية نجحت في بناء علوم متقدمة لدراسة الصوت والضوء، لكنها لم تقترب حتى من إنشاء علم مماثل للروائح. وتساءل بيل: كيف يمكن أن “نقيس رائحة”؟

اليوم، أصبحت الأجهزة الذكية مفعمة بتقنيات تعتمد على الصوت والضوء: المساعدات الصوتية، فتح القفل بالتعرّف على الوجه، تحسين الصور وغير ذلك. أما “علم الروائح” فما يزال متأخرًا كثيرًا… لكن الوضع بدأ يتغيّر فعلاً بفضل طفرة ما يُعرف بـ الشمّ الآلي أو الشمّ الرقمي، وهو المجال الذي يسعى إلى منح الآلة القدرة على إدراك الروائح وفهمها.

تحدّي يشبه فكّ شيفرة بيولوجية معقدة

تكمن صعوبة هذا العلم في التعقيد الهائل لحاسة الشمّ عند الإنسان. فبينما تعتمد الرؤية على نوعين من الخلايا الحسّية (العصيّ وثلاثة أنواع من المخاريط)، يعتمد الشمّ على حوالي 400 نوع مختلف من المستقبلات داخل الأنف وهو اختلاف يجعل محاكاة الرائحة مهمة شديدة التعقيد.

تبدأ العملية باستخدام حساسات تلتقط جزيئات الهواء وتحللها، على غرار الطريقة التي تتعرّف بها مستقبلات الأنف على الروائح. لكن هذه الخطوة وحدها لا تكفي. فحتى لو أمكن للآلة اكتشاف المركّبات الكيميائية، فهي لا تعرف كيف يشتمّها الإنسان، ولا ما إذا كان مزيجها سيُشعره برائحة “حلوة” أم “زهريّة” أم “فاكهية”. هنا يأتي دور التعلم الآلي.

التعلم الآلي… بوابة الآلة لفهم الروائح

مثلما أحدث التعلم العميق ثورة في التعرف على الوجوه والأصوات، فهو اليوم الأساس الذي يبنى عليه الشمّ الرقمي. فالنماذج يمكنها تعلم الربط بين البنية الجزيئية لمركّب معيّن والصفات اللغوية التي يستخدمها البشر لوصفه، مثل “حلو”، “دسم”، “فانيليا”، “فاكهة” وغير ذلك.

لكن العقبة الكبرى كانت دائمًا نقص البيانات. فالإنترنت مليء بالصور والفيديوهات والصوتيات، مما يجعل تدريب النماذج البصرية والسمعية سهلًا. أما الروائح، فهي عالم فقير لغويًا؛ الناس لا يجيدون وصف الروائح بدقة، ولا توجد قاعدة بيانات ضخمة لها، مما كان يمنع العلماء من تدريب نماذج قوية.

تبدّل هذا الوضع في عام 2015 مع إطلاق تحدي DREAM للتنبؤ بالروائح. فقد أتاح التحدي لأول مرة قاعدة بيانات مناسبة، وجمع نماذج من فرق حول العالم تتنافس على مهمة: التنبؤ بالصفات الشمّية لمركّب كيميائي انطلاقًا من بنيته.

في عام 2017، نُشرت النتائج في مجلة Science، وتبيّن أن أفضل النماذج كان يعتمد على خوارزمية “الغابة العشوائية”، وهي تقنية تجمع قرارات عدة أشجار تصنيف للحصول على نتيجة نهائية أكثر دقة.

من العطور الهندية إلى التعلم العميق

يروي أحد الباحثين في التعلم الآلي وهو من أصول تعود إلى مدينة كانّوج الهندية الشهيرة بصناعة العطور كيف جمعه هذا المجال بين الكيمياء والتراث والثقافة والتقنية. فوالده كان يعمل في تحليل العينات الجيولوجية، وهو نفسه مهتم بالتعلم الآلي وتطبيقاته في الكيمياء والطب النفسي، فكان الشمّ الآلي نقطة التقاء مثالية بين اهتماماته الشخصية والمهنية.

نقطة تحوّل: جائحة كورونا وطفرة البيانات

مع جائحة كورونا، تصدّرت حاسة الشمّ واجهة الاهتمام العالمي بسبب فقدانها لدى مصابين كُثر. بالتزامن، ظهر مشروع Pyrfume الذي نشر قواعد بيانات جديدة وأكثر اتساعًا.

وبحلول عام 2019، قفز عدد الجزيئات المتاحة للدراسة من أقل من 500 إلى نحو 5000 جزيء، ما فتح الباب أمام دخول تقنيات أضخم. حينها نجح فريق Google Research بقيادة ألكسندر فيلتشكَو في بناء نموذج عميق يعتمد على الشبكات العصبية البيانية (Graph Neural Networks)، واستطاع تحقيق نتائج غير مسبوقة.
فيلتشكَو أسس لاحقًا شركة Osmo التي تحمل مهمة واضحة: جعل الحواسيب تشمّ.

مؤخرًا، استخدم الفريق هذه الشبكات لبناء خريطة رئيسية للروائح، تُرتّب فيها الروائح المتقاربة إدراكيًا بالقرب من بعضها. الإنجاز لم يكن بسيطًا؛ فاختلاف بسيط جدًا في تركيب الجزيء قد يؤدي إلى اختلاف هائل في رائحته، وفي المقابل قد تتطابق رائحة جزيئين مختلفين تمامًا في الشكل.

ما الذي ينتظر الشمّ الرقمي؟

النجاحات الأخيرة لا تمثل مجرد تقدم علمي، بل تفتح الباب أمام تطبيقات ثورية، منها:

  • صناعة عطور مخصّصة لكل فرد

  • ابتكار طاردات حشرات أكثر كفاءة

  • حساسات كيميائية قادرة على كشف مواد دقيقة

  • رصد الأمراض عبر “بصمة الرائحة” قبل ظهور الأعراض

  • تجارب واقع معزز تحاكي الروائح بدقة

إنّ مستقبل الشمّ الآلي يبدو واعدًا، بل يمكن القول إنه سيكون مستقبلًا يفوح بالأفكار الجديدة… والرائحة الطيبة.

مقالات ذات صلة