من المعروف أن تراكم الدهون حول الخصر يؤثر سلبًا في الصحة، إذ يزيد خطر الإصابة بأمراض مثل السكري من النوع الثاني وأمراض القلب. لكن دراسة حديثة وجدت أن الأشخاص الذين تتجمع الدهون لديهم حول البطن تحديدًا يواجهون خطرًا أعلى للوفاة المبكرة—حتى لو لم يكونوا يعانون من زيادة الوزن.
فقد ارتبط كل زيادة بمقدار 10 سم في محيط الخصر بارتفاع خطر الوفاة بنسبة 11% خلال فترة المتابعة.
شملت الدراسة 72 بحثًا تضم بيانات 2.5 مليون شخص. ودرس الباحثون مؤشرات شكل الجسم مثل:
نسبة محيط الخصر إلى الورك
نسبة محيط الخصر إلى الفخذ
محيط الخصر
محيط الفخذ
بمعنى آخر: كل المناطق التي يخزن فيها الجسم الدهون بشكل طبيعي.
نتائج أخرى مهمة:
وجد الباحثون أيضًا أن الأشخاص الذين يخزّنون الدهون في الوركين والفخذين بدلًا من البطن يملكون خطرًا أقل للوفاة.
فكل زيادة بمقدار 5 سم في محيط الفخذ ارتبطت بانخفاض خطر الوفاة بنسبة 18% خلال فترة المتابعة (التي تراوحت بين 3 و24 سنة حسب الدراسة).
لكن لماذا تختلف مخاطر الدهون حسب موقعها في الجسم؟
الجواب يكمن في نوع النسيج الدهني الموجود في كل منطقة من الجسم.
دهون الجسم… ووظيفتها الأساسية
يلعب النسيج الدهني (adipose tissue) أدوارًا مهمة في وظائف الجسم:
سحب الجلوكوز من الدم وتخزينه على شكل دهون لاستخدامه لاحقًا كمصدر طاقة
إفراز هرمونات تتحكم في الشهية وتنظم عمليات عديدة في الجسم
ولهذا، فإن وجود كمية غير كافية من الدهون يمكن أن يؤثر على قدرة الجسم في تنظيم مستويات السكر. فعندما يقلّ النسيج الدهني جدًا (كما في حالات “الحثل الشحمي”) لا تستطيع الخلايا الدهنية تخزين الجلوكوز، مما يؤدي إلى مقاومة الإنسولين ثم السكري.
لكن الأهم من كمية الدهون هو مكان تخزينها.
فالأشخاص بذات الوزن والطول قد يواجهون مخاطر مختلفة تمامًا حسب:
إن كانت دهونهم تتجمع في البطن أم الوركين؟
الدهون الحشوية مقابل الدهون تحت الجلد
يؤثر موقع تخزين الدهون على شكل الجسم وصحته. فهناك نمطان شائعان:
1) “شكل التفاحة”
أي تراكم الدهون حول البطن والخصر.
هذا النوع غالبًا ما يعني زيادة الدهون الحشوية (visceral fat): دهون عميقة تحيط بالأعضاء الداخلية.
2) “شكل الكمثرى”
حيث تتجمع الدهون في الوركين والفخذين.
هذا النوع يرتبط بزيادة الدهون تحت الجلد (subcutaneous fat)، وهي دهون تقع تحت الجلد مباشرة.
هذه المستودعات المختلفة للدهون تختلف في:
خصائصها الفسيولوجية
الجينات التي تعبر عنها
الخلايا الأولية التي تنشأ منها
لماذا الدهون الحشوية أخطر؟
الدهون الحشوية:
أكثر مقاومة للإنسولين
تزيد خطر السكري من النوع الثاني
تطلق الدهون الثلاثية في الدم بسرعة عند التوتر
وارتفاع الدهون الثلاثية عامل كبير في أمراض القلب
ولهذا تُعدّ الدهون الحشوية أكثر ضررًا من الدهون تحت الجلد.
لماذا دهون الوركين والفخذين “وقائية”؟
الدهون تحت الجلد في الفخذين والأرداف:
قادرة على امتصاص الدهون الثلاثية من الدم وتخزينها بأمان
تقلل احتمال تراكم الدهون في الكبد والعضلات—وهو ما يسبب أمراضًا خطيرة
يمكن أن تتحول إلى خلايا (beige fat) التي تحرق الدهون بدل تخزينها
لذلك تُعدّ دهون الفخذين أكثر أمنًا بل قد تكون واقية من الأمراض الأيضية.
عندما تمتلئ مخازن الدهون الآمنة
في بعض الناس، تمتلئ “المستودعات الآمنة” للدهون تحت الجلد بسرعة، فلا يعود الجسم قادرًا على صنع خلايا دهنية جديدة.
فتتجه الدهون الزائدة إلى المخازن الأقل أمانًا في البطن، حيث:
تتسبب بالالتهاب
تزيد خطر أمراض القلب والسكري
ثم تتسرب إلى:
الكبد
القلب
العضلات
وهذا يؤدي إلى أمراض خطيرة.
الجينات لها دور كبير
تلعب الوراثة دورًا مهمًا في شكل الجسم. إذ حددت الدراسات الجينية أكثر من 400 اختلاف وراثي صغير يؤثر في توزيع الدهون.
مثال:
الأشخاص الذين يحملون طفرة في جين LRP5 يخزنون دهونًا أكثر في البطن وأقل في الجزء السفلي من الجسم.
ومع أن هذه الاختلافات ليست نادرة، إلا أنها تفسر لماذا تختلف أشكال أجسام البشر بهذا التنوع الكبير.
هل يعني هذا أن أصحاب دهون البطن محكومون بالخطر؟
لسوء الحظ، قد يجد الأشخاص الذين يتجمع لديهم الدهون في البطن صعوبة أكبر في الحفاظ على صحتهم.
لكن الجانب المشرق هو أن:
فقدان الوزن يقلل الدهون الحشوية بسرعة ويحسّن الصحة الأيضية بشكل كبير.
شكل الجسم مجرد عامل خطر، وليس حكمًا نهائيًا.
وحتى لو كانت الوراثة تلعب دورًا، فإن تبنّي نمط حياة صحي من نشاط بدني وغذاء متوازن ونوم جيد يستطيع خفض خطر الأمراض المزمنة بشكل ملموس.
