تظلّ أمراض القلب والأوعية الدموية السبب الأول للوفاة في العالم، رغم عقود من التقدم في مجالات الوقاية والعلاج. فقد أودت بحياة 19 مليون شخص عام 2020، ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم إلى 26 مليوناً بحلول عام 2030.
وعلى المستوى العالمي، يثقل العبء المتزايد لأمراض القلب كاهل كل المناطق، ويبطئ النمو الاقتصادي، ويُعمّق عدم المساواة في الوصول إلى الرعاية الصحية.
تُعدّ التعقيدات البيولوجية أحد أبرز أسباب محدودية التقدم في تقليل هذا العبء، إذ تشمل أمراض القلب مجموعة واسعة من الحالات مثل ارتفاع ضغط الدم، ومرض الشريان التاجي، واضطرابات النظم، والسكتة الدماغية.
حتى داخل الحالة الواحدة، يتفاعل كل من الجينات والبيئة ونمط الحياة بطرق مختلفة من شخص لآخر. هذا التنوّع بين المرضى يمتدّ إلى كيفية تطور المرض على المستوى الخلوي، مما يؤدي إلى اختلافات كبيرة في الأعراض، وتطور المرض، والاستجابة للعلاج.
فعلى سبيل المثال، رغم أن العقاقير المخفضة للكوليسترول (الستاتينات) فعّالة وواسعة الاستخدام، فإنها تمنع النوبات القلبية لدى العديد من المرضى وليس جميعهم، وهو ما يبرز محدودية العلاجات التقليدية الموحّدة.
الطب الدقيق القلبي كإطار للابتكار
لمواجهة هذا التحدّي، يتطلب تحويل طب القلب تغييراً جذرياً في طريقة اكتشاف الأدوية وتطويرها واختبارها. ويُعدّ نهج الطب الدقيق – الذي يعتمد على إيصال العلاج المناسب للمريض المناسب في الوقت المناسب – خطوة أساسية نحو تحسين النتائج وتقليص فجوات الرعاية.
كما هو موضح في مقال Frontiers in Science 2025، فإن تطبيق الطب الدقيق على أمراض القلب يستلزم الابتكار في ثلاثة مجالات رئيسية:
1. فهم أمراض القلب بمنظور شامل (Systems-based)
لا يمكن تفسير أمراض القلب عبر مسار بيولوجي واحد. إذ تتفاعل عمليات متعددة – تشمل الالتهاب، والتمثيل الغذائي، والإجهاد الخلوي – بطريقة معقدة تقود المرض.
يرى منظور “طب الأنظمة” أن أمراض القلب ناتجة عن اضطرابات في شبكات مترابطة من الجينات والبروتينات والخلايا، وليس عن خلل منفرد.
هنا يأتي دور تقنيات “الأوميكس” Omics التي تقدم رؤية شاملة للنشاط الجزيئي في الأنسجة وتربطه بصفات المرض. تسمح هذه التقنيات بالكشف عن كيفية تفاعل العوامل البيولوجية وتغيرها بين المرضى.
وتُظهر الدراسات أنّ أمراض القلب أكثر تنوعاً مما كنا نعتقد، حتى داخل نوع خلية واحد مثل البلاعم في اللويحات التصلبية، والتي قد تضم مجموعات فرعية تلعب أدواراً مختلفة، بعضها يعزز الالتهاب وتلف الشرايين.
يساعد دمج هذه البيانات على تحديد الأنماط الفرعية للمرض واكتشاف “بصماته الجزيئية”، مما يُفسّر اختلاف النتائج والاستجابة للعلاج بين مرضى يحملون التشخيص ذاته.
2. تحديد أهداف علاجية جديدة
يسمح فهم الشبكات الجزيئية بتحديد نقاط التحكم الأساسية التي يُمكن للتدخل العلاجي عندها تعطيل تطور المرض بفعالية. وغالباً ما تكون هذه النقاط عبارة عن جينات أو بروتينات لم يكن يُنظر إليها سابقاً كمحورية.
يساعد رسم هذه الشبكات على تطوير علاجات تستهدف جذور المرض بدلاً من أعراضه فقط.
ومن خلال تتبع دور نقاط التحكم داخل الشبكات البيولوجية الواسعة، يمكن تحديد الآليات التي يجب استهدافها لتحقيق أعلى فاعلية علاجية، وكذلك كيفية التأثير على عدة مسارات في الوقت نفسه لتحقيق نتائج أفضل.
3. تطوير علاجات دقيقة وجديدة كلياً
يُسهم هذا النهج في ولادة جيل جديد من العلاجات المصممة خصيصاً لآليات المرض المتنوعة.
تسمح النماذج الحاسوبية المتقدمة للباحثين بمحاكاة تفاعل الأدوية المحتملة مع أهدافها قبل الوصول إلى التجارب المخبرية أو الإكلينيكية، مما يزيد الكفاءة ويعزز السلامة.
وتبرز العلاجات القائمة على الحمض النووي الريبي (RNA) كأحد أكثر التطورات الواعدة، إذ يمكن تصميمها لإسكات رسائل جينية محددة أو تعديلها – بما في ذلك تلك التي تنتج بروتينات “يصعب استهدافها” بالأدوية التقليدية.
وقد تُطوَّر هذه العلاجات بشكل أسرع مقارنة بالأدوية الكلاسيكية، وأظهرت الدراسات الأولية فعاليتها. فبعض علاجات RNA interference أثبتت قدرتها على خفض الكوليسترول وعوامل الخطر القلبية بشكل يفوق العلاجات المعتادة.
الذكاء الاصطناعي: المحرّك الخفي لهذا التحوّل
يسهم الذكاء الاصطناعي في تسريع كل خطوة من هذه المنظومة عبر تحليل البيانات البيولوجية والسريرية الضخمة لاستخلاص الأنماط، والتنبؤ بتطور المرض، وتقسيم المرضى وفق الآليات الأساسية، وحتى توقع سلوك الأدوية داخل الجسم.
وبذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي تقليص زمن تطوير العلاجات ودعم تصميم أدوية دقيقة مصممة بشكل شخصي لآليات المرض لدى كل فئة من المرضى.
