القائمة الرئيسية

ضجيج الذكاء الاصطناعي: صدى فقاعة تكنولوجية قبل قرن

ضجيج الذكاء الاصطناعي: صدى فقاعة تكنولوجية قبل قرن
ملخص المقال

يستعرض المقال أوجه الشبه بين ثورة الكهرباء في عشرينيات القرن الماضي وثورة الذكاء الاصطناعي الحالية، موضحًا كيف أن كليهما مثّل طفرة تكنولوجية واعدة ترافقت مع فقاعة استثمارية وانفجار مالي لاحق. فقد تحولت الكهرباء آنذاك من رمز للتقدم والحداثة إلى أساس للاقتصاد العالمي، لكنها تسببت أيضًا في انهيار الأسواق والكساد الكبير قبل أن تصبح بنية تحتية منظمة ومستقرة. واليوم، يتكرر المشهد مع الذكاء الاصطناعي، حيث تتسابق القوى الكبرى للاستثمار فيه، وتحتكر قلة من الشركات الضخمة بناء بنيته التحتية، بينما لا يزال التنظيم القانوني عاجزًا عن مواكبته. ويحذر المقال من أن تجاهل دروس التاريخ قد يؤدي إلى تكرار دورة الازدهار والانهيار نفسها، ما لم يُدار الانتقال نحو “عصر الذكاء الاصطناعي” بحذر ووعي.

طفرة الكهرباء التي غيّرت العالم... وتكرارها المحتمل مع الذكاء الاصطناعي

في عشرينيات القرن الماضي، أشعلت الكهرباء ثورة اقتصادية وصناعية كبرى جعلت من الولايات المتحدة قوة عالمية مهيمنة على مدى قرن كامل. لكنها، قبل أن تتحول إلى بنية تحتية أساسية وغير مرئية في حياتنا، كانت محور فقاعة تكنولوجية كبرى، تبعها انهيار مالي مدوٍ، وبطالة واسعة، واضطرابات هزّت العالم لعقد كامل.

اليوم، يعيش العالم لحظة مشابهة مع الذكاء الاصطناعي، الذي يُتوقع أن يعيد تشكيل كل جانب من جوانب الاقتصاد والمجتمع، لكنه يُظهر بالفعل ملامح تشبه صعود الكهرباء وانهيارها قبل مئة عام.

البدايات: حين كانت الكهرباء هي “التقنية العالية”

قبل قرن من الزمن، كانت الكهرباء هي ما يُشار إليه بـ “التكنولوجيا المتقدمة”.
تدفقت الاستثمارات إلى شركات الإمداد مثل Electric Bond & Share وCommonwealth Edison، وإلى شركات استثمرت الكهرباء بطرق مبتكرة مثل جنرال إلكتريك (الأجهزة المنزلية) وإيه تي آند تي (الاتصالات) وآر سي أيه (الراديو).

كانت الكهرباء رمزًا للتقدم والحداثة، جلبت الأفلام الجديدة، والمجلات المطبوعة بسرعة غير مسبوقة، وأمسيات الترفيه أمام الراديو. كما بدت محركًا اقتصاديًا واعدًا، تعد بالأتمتة وزيادة الإنتاجية ومستقبل مريح يفيض بالاستهلاك. 

واليوم، يتكرر المشهد — إذ تتعامل القوى العظمى، الرأسمالية والشيوعية على حد سواء، مع الذكاء الاصطناعي كأولوية استراتيجية لا تقل أهمية عن الكهرباء آنذاك.

الذروة: حين فاقت الحماسة حدود المنطق

تمامًا كما يحدث مع أسهم الذكاء الاصطناعي اليوم، أصبحت أسهم الكهرباء في عشرينيات القرن الماضي محط هوس المستثمرين رغم صعوبة تقييمها الواقعي.
سيطرت قلة من الشركات الكبرى على السوق، وأنشأت هياكل معقدة للالتفاف على القوانين وبيع الأسهم بأسماء متعددة لذات الشركات.

في عام 1929، شكّلت شركات الكهرباء 18% من بورصة نيويورك، فيما امتلكت حفنة من الشركات القابضة 80% من السوق. ولم يقتصر الأمر على قطاع المرافق؛ فقد استفادت معظم الشركات الكبرى حينها من الكهرباء، مثل جنرال موتورز التي تفوقت على فورد بفضل تقنيات الإنتاج الكهربائي.

بمعنى آخر، أصبحت الكهرباء الخلفية التكنولوجية لكل الأعمال، تمامًا كما يسعى الجميع اليوم ليصبح “مدعومًا بالذكاء الاصطناعي”.

وهكذا سيطرت شركات التكنولوجيا الكبرى على المشهد كما تهيمن اليوم شركات الذكاء الاصطناعي على مؤشرات الأسهم مثل S&P 500 وNASDAQ. التكنولوجيا التحويلية تخلق النمو — لكنها أيضًا تركز الثروة والسلطة في أيدٍ قليلة.

الانهيار: من وعود الرفاه إلى طوابير الخبز

بلغ مؤشر Dow Jones Utilities Average ذروته عام 1929 عند 144 نقطة، ثم انهار إلى 17 نقطة فقط بحلول 1934.
كان “الانهيار العظيم” الذي بدأ في أكتوبر 1929 شرارة الكساد العالمي الكبير، الذي دمّر النظام المالي، وأغرق الملايين في البطالة، ورفع نسبتها في الولايات المتحدة من 3% إلى 25% خلال أربع سنوات.

تحولت وعود “العصر الكهربائي الذهبي” إلى واقع قاسٍ من الفقر والجوع والبطالة، وظهرت فضائح مالية ضخمة كشفت الطمع والفساد في النظام الاقتصادي.

أشهر تلك القصص كانت قصة صمويل إنسول، تلميذ توماس إديسون ومؤسس شركة Commonwealth Edison، الذي بلغت ثروته 150 مليون دولار قبل أن تنهار إمبراطوريته ويُتهم بالاختلاس — رغم تبرئته لاحقًا، فقد خسر مئات الآلاف من المستثمرين كل مدخراتهم.

تبع ذلك إصلاح جذري: صدر قانون شركات المرافق العامة لعام 1935 الذي فكك الشركات القابضة الضخمة، وحوّل صناعة الكهرباء من “حلم المستقبل” إلى بنية تحتية منظمة ومملة — تمامًا كما يظهر مربع “شركة الكهرباء” في لعبة مونوبولي الأصلية.

دروس الماضي لعصر الذكاء الاصطناعي

ينتشر الذكاء الاصطناعي اليوم بوتيرة أسرع مما تستطيع الحكومات أو الشركات مواكبته بفعالية.
وكما حدث مع الكهرباء، تبني قلة من الشركات العملاقة البنية التحتية لهذه الثورة الجديدة، بينما يندفع المستثمرون إلى السوق دون أن يدرك كثير منهم مدى انكشافهم عبر صناديق الاستثمار والتقاعد.

تنظيم الذكاء الاصطناعي لا يزال هشًّا عالميًا — باستثناء الاتحاد الأوروبي الذي أقر أول قانون شامل له، في حين تتبنى الولايات المتحدة توجهًا معاكسًا بتخفيف القيود التنظيمية، تاركة بعض الولايات تتصرف بمفردها.

السؤال الآن:
هل يمكن أن يتحول الذكاء الاصطناعي إلى بنية تحتية خفية مثل الكهرباء دون أن يمر بانهيار مماثل؟

إذا تجاهلنا دروس عشرينيات القرن الماضي، فالإجابة على الأرجح ستكون: لا.

المصدر

مقالات ذات صلة