ملخص: تتناول هذه المقالة كيف تعيد كينيا تصور رعاية السرطان والوقاية منه عبر مشروع "أفيا دادا" الذي يجسد نموذجاً تعاونياً مبتكراً بين الحكومة وشركاء عالميين مثل أسترازينيكا وسيمنس ومركز إم دي أندرسون. يهدف المشروع إلى تمكين العاملين الصحيين وتوسيع الكشف المبكر وتعزيز الوعي المجتمعي، مع بناء نظام صحي مرن ومستدام يقوده المجتمع ويركز على المرأة، ليصبح نموذجاً يُحتذى به في إفريقيا والعالم.
- أصبحت رعاية مرضى السرطان في كينيا عند مفترق طرق، إذ باتت تمثل تحدياً صحياً ملحّاً، خصوصاً بالنسبة للنساء.
- يُظهر مشروع "أفيا دادا" (Afya Dada) قوة الشراكات الهادفة عندما يتعلق الأمر بتحسين رعاية السرطان.
- يهدف هذا النموذج الجديد في كينيا إلى تمكين العاملين في جميع مستويات الرعاية من الكشف المبكر عن السرطان وإنقاذ المزيد من الأرواح.
السرطان بات بسرعة أحد أكثر التحديات الصحية إلحاحاً في كينيا، حيث يؤثر على حياة الناس في جميع أنحاء البلاد يومياً.
وتتحول أنظمة الرعاية الصحية في البلاد من التركيز على الأمراض المعدية إلى معالجة الأمراض غير المعدية، وخاصة سرطان الثدي وعنق الرحم والبروستاتا والرئة. لكن هذا التحول يضع ضغطاً متزايداً على البنية التحتية الصحية في كينيا.
يُعدّ سرطان الثدي وعنق الرحم من أكثر الأنواع تأثيراً على النساء، إذ يمثلان نحو ثلث جميع حالات السرطان الجديدة في البلاد عام 2022.
لكن هذه ليست مجرد أرقام، بل قصص لأسماء ووجوه وعائلات تأثرت بالسرطان، وانتهت الكثير من هذه القصص مبكراً جداً.
لهذا السبب جعلت وزارة الصحة الكينية سرطانات النساء أولوية وطنية.
وقد وضعت الاستراتيجية الوطنية لمكافحة السرطان هدفاً طموحاً يتمثل في تقليل الوفيات الناتجة عن سرطان الثدي وعنق الرحم بمقدار الثلث بحلول عام 2028.
وسيكون مشروع أفيا دادا محركاً رئيسياً لتحقيق هذا الهدف.
كلمة "Afya Dada" تعني بالسواحيلية "الصحة للأخوات"، ويهدف هذا المشروع إلى قلب المعادلة في الوقاية من السرطان ورعاية النساء في جميع أنحاء كينيا.
بناء أنظمة أقوى لرعاية السرطان
من خلال اعتماد نهج شامل للنظام الصحي، يسعى مشروع أفيا دادا إلى اللامركزية في خدمات السرطان.
وقد أنشأ نموذجاً مستداماً وقابلاً للتوسع بدأ في مقاطعتي ماشاكوس (Machakos) وأوسين غيشو (Uasin Gishu)، مع خطة لتوسيع المشروع إلى مناطق أخرى ذات عبء مرتفع من المرض.
يركز المشروع على أربعة مجالات تحول رئيسية:
تعزيز القوى العاملة الصحية من خلال التدريب الحديث والإرشاد.
تحسين الفحص والتشخيص لاكتشاف السرطان في مراحله المبكرة.
زيادة الوعي المجتمعي والطلب على الخدمات الصحية.
تحسين مسارات الإحالة حتى لا تُترك أي امرأة خلف الركب.
يُعد تدريب مروّجي الصحة المجتمعية (CHPs) حجر الزاوية في المشروع.
يوجد حالياً أكثر من 100,000 مروّج صحي مجتمعي في جميع أنحاء البلاد، يتولى كل واحد منهم مسؤولية نحو 100 أسرة.
هؤلاء العاملون في الخطوط الأمامية هم الرابط الأساسي بين المجتمعات والمراكز الصحية، ويملكون موقعاً فريداً لتقديم التثقيف الصحي الملائم ثقافياً، وتحفيز المجتمعات على الفحص والتطعيم ضد فيروس الورم الحليمي البشري (HPV)، ودعم الكشف المبكر والإحالات السريعة.
تزويد هؤلاء المروجين بالأدوات والتدريب اللازم سيُحدث توسعاً هائلاً في الوصول إلى خدمات الوقاية والرعاية، خاصة في المناطق المحرومة.
في يوليو 2025، سافر فريق من الخبراء من مركز إم دي أندرسون للسرطان بجامعة تكساس (MD Anderson Cancer Center) إلى كينيا في إطار المرحلة الأولى من تنفيذ المشروع، للعمل مع أكثر من 20 متخصصاً محلياً، من بينهم أطباء أورام نسائية وأخصائيو أشعة وباثولوجيا وجراحو ثدي وممرضات ومدربون رئيسيون.
معاً، قاموا بمراجعة وتحديث المناهج التدريبية الوطنية الكينية الخاصة بفحص سرطان الثدي وعنق الرحم والكشف المبكر عنهما.
وقد تم إعداد المواد التدريبية لتكون مبنية على الأدلة، ومتكيفة مع السياق المحلي، ومناسبة لكل فئة من مقدمي الرعاية الصحية والمروجين الصحيين المجتمعيين.
يُنفذ هذا البرنامج حالياً عبر نموذج تدريبي متسلسل بدأ في يوليو 2025 ويستمر لمدة 12 شهراً.
ستُمكّن المناهج المحدثة والمنسقة العاملين في جميع مستويات الرعاية من اكتشاف السرطان في وقت مبكر وإنقاذ المزيد من الأرواح، مما سيساعد على بناء أنظمة عادلة ودائمة بدلاً من حلول مؤقتة.
التعاون في رعاية السرطان
يُعد مشروع أفيا دادا ثمرة شراكة بين وزارة الصحة الكينية والتحالف العالمي لصحة المرأة (Global Alliance for Women’s Health)، إلى جانب مركز إم دي أندرسون للسرطان، وسيمنس هيلثينيرز (Siemens Healthineers)، وزينكو ميديكال (Xenco Medical)، وأسترازينيكا (AstraZeneca).
الهدف هو إنشاء نظام رعاية سرطان في كينيا يكون أقوى وأكثر ذكاءً ومستداماً.
ستساهم هذه الجهات الشريكة بالتمويل وبمزيج من الخبرة التقنية، والابتكار، وبناء القدرات لتعزيز منظومة الوقاية والعلاج من السرطان في البلاد.
يقول كيفن مسعودي، نائب الرئيس ورئيس قطاع المشاركة العامة في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا بشركة سيمنس هيلثينيرز:
"هذا مثال حقيقي على نهج القيمة المشتركة، حيث يجلب كل طرف شيئاً إلى الطاولة لحل تحدٍ جماعي ومصلحة مشتركة."
ويضيف ديباك أرورا، رئيس شركة أسترازينيكا في إفريقيا:
"نحن ملتزمون بسد الفجوات عبر مسار الرعاية من خلال بناء القدرات المحلية، وتحسين الوصول إلى الفحص والتشخيص، وتمكين المرضى، وتطوير نماذج وصول مبتكرة لعلاج السرطان."
تتولى فرقة عمل مخصصة ضمان أن يظل هذا العمل قائماً على القيادة المحلية والمعرفة العالمية والواقع المجتمعي.
وهذا التوازن هو ما يجعل مشروع أفيا دادا فريداً وفعالاً.
ورغم أنه صُمم ليصمد بعد انتهاء أي شراكة محددة، فإن هذا الجهد الجماعي يهدف إلى خلق نظام صحي يخدم الشعب الكيني اليوم وفي المستقبل.
تحفيز العمل من أجل صحة المرأة
يعمل التحالف العالمي لصحة المرأة على تحقيق التأثير من خلال شبكة المحفزين العالمية لسرطان الثدي وعنق الرحم، والتي تدعم وزارات الصحة في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل.
تربط هذه الشبكة بين الوزارات والموارد، وتشجع التعاون بين القطاعات، وتوفر الأدوات اللازمة لتوسيع نطاق التأثير.
تقول إميلي فيتزجيرالد، قائدة المبادرات في التحالف العالمي لصحة المرأة:
"نحن نعلم أن سد فجوة رعاية السرطان في كينيا يتطلب أكثر من النوايا الحسنة؛ فهو يتطلب الدعوة والتزام الشركاء."
ومن بين هذه الشراكات شركة زينكو ميديكال (Xenco Medical)، حيث يقول مؤسسها ومديرها التنفيذي جيسون هايدر إن المشروع يستخدم "القدرات اللامحدودة للعلم" لتحويل حياة مرضى السرطان، والمساهمة في معالجة أحد أكثر التحديات الصحية إلحاحاً في عصرنا.
فالتغيير الحقيقي لا يأتي من قطاع واحد أو خبير واحد أو حل واحد.
من خلال هذا النموذج التعاوني، الذي تقوده الدولة وتدعمه المجتمعات، تبني كينيا نظام رعاية صحية مرن يتمحور حول الإنسان، قادر على الصمود أمام تحديات الزمن، ويشكل نموذجاً يُحتذى به لبقية دول إفريقيا والعالم.
لأن كل امرأة تستحق فرصة، وكل أخت تستحق الصحة.
