ملخص: تتناول هذه المقالة أهمية الاستماع كمهارة محورية في القيادة الحديثة، موضحة كيف أصبح فقدان الثقة في القادة ظاهرة عالمية تهدد التماسك المجتمعي في زمن الأزمات المتعددة. وتُبرز أن القادة الذين يُصغون لمختلف الآراء ويعملون بشفافية واتساق، مثل نيلسون مانديلا وجاسيندا أردرن، هم الأكثر قدرة على بناء الجسور بين الانقسامات وصياغة حلولٍ جماعية تحقق الصالح العام، مؤكدة أن الاستماع ليس ضعفًا بل قوة استراتيجية تعيد تعريف القيادة في عالمٍ يتغيّر بسرعة.
- يُعَدّ القيادة الفعّالة أمرًا حيويًا في عصرٍ يُوصَف بمصطلحات مثل الأزمة الدائمة (Permacrisis)، والأزمة المتعددة (Polycrisis)، والعشرينيات العاصفة (Raging 2020s).
- ومع ذلك، فإن الثقة العامة في القادة تشهد أدنى مستوياتها التاريخية، في وقتٍ يحتاج فيه القادة أكثر من أي وقت مضى إلى بناء جسورٍ عبر الانقسامات المجتمعية.
- فالقادة الذين يُصغون إلى مختلف الأطراف هم الأكثر قدرة على ابتكار حلول مشتركة وتحقيق أهدافٍ تصبّ في المصلحة العامة.
القيادة في زمن الأزمات المستمرة
الأوصاف التي تُطلق على عصرنا الحالي قاتمة إلى حدٍّ كبير — من الأزمة الدائمة إلى الأزمة المتعددة والعشرينيات العاصفة. وفي ظلّ ذلك، نجد الثقة العامة في القيادة في أدنى مستوياتها التاريخية.
لكن إذا نظرنا إلى القيادة باعتبارها عملية التأثير على الآخرين لتحقيق أهداف مشتركة مع تمكين الجهود الفردية والجماعية لخدمة الصالح العام، فإننا ندرك أن القيادة اليوم أصبحت أكثر أهمية من أي وقتٍ مضى.
تغيّر المناخ، والصراعات المسلحة، والتطور التكنولوجي السريع ليست سوى أمثلة على تحديات تتطلب عملاً جماعيًا واسع النطاق، وقادة يحظون بدعمٍ مجتمعي واسع قادرين على بناء جسورٍ بين الانقسامات الاجتماعية وتقديم حلولٍ توحيدية في زمن الاستقطاب.
ومع أن الجميع يدّعي فهم ماهية القيادة الجيدة، إلا أن القادة في أنحاء العالم يجدون صعوبة في التعامل بفعالية مع هذه الأزمات المستمرة، مما يُفاقم حلقة انعدام الثقة المتزايدة تجاههم.
التراجع الواسع في الثقة
منذ عام 2019، يُلاحَظ تراجع متزايد في الثقة تجاه القادة والمؤسسات.
وفقًا لتقرير Edelman Trust Barometer 2025، فإن 68% من الناس يرون أن قادة الأعمال يضلّلون الجمهور، بينما يعتقد 69% الشيء نفسه عن القادة الحكوميين.
كما أشار التقرير إلى أن 61% من المستجيبين يشعرون بدرجة متوسطة إلى عالية من السخط تجاه الحكومات والشركات، وأكثر من نصفهم (53%) ممن يشعرون بسخطٍ عالٍ يتبنون عقلية “المحصلة الصفرية”، أي يعتقدون أن ما يفيد فئة أخرى من المجتمع لا بد أن يأتي على حساب فئتهم.
وهذا يُبرز أن الانقسامات المتقابلة يصعب التوفيق بينها في عالمٍ يرزح تحت الأزمات الدائمة، إذ يرى كل طرف أن حلوله تتعارض جذريًا مع الطرف الآخر، ما يؤدي إلى جمودٍ مؤسف يضرّ بالمجتمع والأمن والازدهار والكوكب.
في الأشهر الأخيرة مثلًا، فشلت الأحزاب السياسية في فرنسا في التوافق على رؤية سياسية موحدة، بينما في الولايات المتحدة يعتقد ثمانية من كل عشرة ناخبين أن الحزبين لا يختلفان فقط في السياسات، بل أيضًا في الحقائق الأساسية نفسها. ومع تآكل قاعدة الحقائق المشتركة، تتراجع الهوية الجماعية والتماسك الاجتماعي والرؤية المشتركة للمستقبل.
في هذا السياق، يُطلب من القادة اليوم ألا يكتفوا بابتكار الحلول، بل أن يشارِكوا مختلف الأطراف في صياغتها.
التنقل بين وجهات النظر المختلفة لبناء الثقة
إن إدارة التباينات، واستخلاص المصالح المشتركة، وإيجاد سُبلٍ عملية للمضي قدمًا، كلها ضرورية لإعادة بناء الثقة بين الفئات والقطاعات والدول.
وعلى عكس ما قد يبدو، فإن الاستماع إلى مختلف الأطراف ومحاولة دمج وجهات نظرها لا يُقلّص مساحة القيادة بل يوسّعها.
فالقادة الذين يُصغون جيدًا يفتحون مجالات أوسع للحلول تتجاوز قدرة أي طرفٍ بمفرده.
ومن أبرز الأمثلة على ذلك الزعيم نيلسون مانديلا، أول رئيسٍ منتخب ديمقراطيًا في جنوب إفريقيا، الذي جسّد نموذجًا أخلاقيًا ورؤية موحِّدة رغم ماضي الانقسام.
اختار مانديلا طريق الوحدة الوطنية بدلاً من الانتقام بعد نظام الفصل العنصري، مُظهرًا رؤية بعيدة المدى للسلام والاستقرار.
كان تحليليًا واستراتيجيًا في قراراته، لكنه أيضًا تحلّى بالتواضع وأصغى لمختلف الآراء خلال صياغة دستور جنوب إفريقيا الشهير عالميًا، مؤمنًا بأن التغيير قد يكون فوضويًا لكنه يثمر نتائج عادلة إذا تعاون الجميع على بناء الجسور.
ورغم ما امتاز به من كاريزما قوية، فقد ميّز مانديلا بين القيادة الحقيقية والطموح الشخصي — وهو تمييز ما زال العالم بحاجة إلى فهمه بعمق.
الاستماع مهارة أساسية في القيادة الفعّالة
أصبح الاستماع من أكثر المهارات القيادية تهميشًا رغم كونه الأساس في بناء الثقة.
فالقادة الذين يُصغون باهتمام قادرون على جمع رؤى وبيانات من مصادر متعددة لتوجيه قراراتهم، وخلق ثقافات مؤسسية شاملة تُعزّز الثقة المتبادلة.
وهذه الثقافة لا تكتمل دون الشفافية والاتساق — سواء في اتخاذ القرارات أو تطبيقها.
فعلى سبيل المثال، عندما خالف رئيس الوزراء البريطاني السابق بوريس جونسون وفريقه قواعد الإغلاق خلال فضيحة Partygate، فقدوا ثقة الناس لأنهم لم يلتزموا بالقواعد التي فرضوها على الآخرين.
ولا شك أن الاستماع أصبح أكثر تعقيدًا في عالم اليوم. إذ يتعين على القادة التعامل مع كميات هائلة من المعلومات واتخاذ قراراتٍ سريعة في بيئات متعددة الأبعاد، مما يستدعي قدرة على التصفية والتحليل واستخدام البيانات كأداة إقناع وبناء ثقة.
ورغم ما واجهته العلوم والبيانات من تشكيكٍ خلال أزمات الصحة العامة والاقتصاد، تبقى الأدلة التجريبية وسيلة فعالة لبناء الثقة وتشجيع الحلول التوافقية — حتى وإن كانت صعبة في المدى القصير، طالما أن فوائدها واضحة في المدى الطويل.
بناء الثقة لا يعني بالضرورة كسب الإجماع
إن بناء الثقة من خلال الاستماع والأدلة والشفافية والاتساق لا يضمن دائمًا تأييدًا شعبيًا واسعًا.
ففي عالم الأزمات المتعددة، قد تكون القرارات الصحيحة على المدى الطويل صعبة وغير شعبية، مما يُغري القادة بتبني حلولٍ آنية لإرضاء جمهورهم — سواء كانوا ناخبين أو مساهمين أو داعمين آخرين.
ومن سقوط بنك “ليمان براذرز” إلى فضيحة انبعاثات “فولكسفاغن”، يمكن ملاحظة نمطٍ متكرر لقادةٍ يختارون الحلول السهلة ويتهربون من الإصلاح الحقيقي حتى لو كان ذلك على حساب المصلحة العامة.
قلب أزمة القيادة إلى فرصة
إن القدرة على الموازنة بين الرؤية الطويلة الأمد وردود الفعل السريعة أمر جوهري للتعامل مع الأزمات المستمرة.
رئيسة وزراء نيوزيلندا السابقة جاسيندا أردرن مثال على ذلك، فقد بنت ثقة شعبها على المدى الطويل واستثمرتها في مواجهة هجمات كرايستشيرش الإرهابية عام 2019 — حيث جمعت بين التعاطف مع الضحايا والتحرك السريع لتشديد قوانين السلاح — ثم في إدارة جائحة كورونا لاحقًا.
ورغم تراجع رصيدها السياسي لاحقًا، فإن تجربتها تبرز الفوائد طويلة المدى لبناء الثقة والعلاقات الإيجابية مع المواطنين.
قلب أزمة القيادة ليس مهمة سهلة، ولا يمكن لقائدٍ واحد أن يحققها بمفرده.
فالكثير من تحديات الأزمات المتعددة ستستمر لعقود، مثل تغيّر المناخ والصحة العامة.
لكن مع وجود قادة يستمعون عبر الانقسامات، ويطرحون حلولًا مبنية على الأدلة، ويوازنون بين المكاسب الآنية والمصالح المستقبلية، ويطبّقون الشفافية والاتساق في أفعالهم — يمكننا أن نُحيي ذلك النموذج القيادي القادر على إعادة بناء الثقة وتحقيق الأهداف المشتركة للصالح العام.
