تلعب الذاكرة العاملة دوراً أساسياً في تنظيم نشاط شبكات الدماغ، وهي مرتبطة بتنظيم المزاج، وقد تتأثر في حالات اضطرابات المزاج، أو عند استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية، أو خلال أعراض ما قبل الحيض.
بينما يمكن تفسير الوظائف الإدراكية مثل التنقل، وتوليد الكلمات، والحساب، والتعرف على الوجوه بسهولة، فإن الذاكرة العاملة أقل وضوحاً. ومع ذلك، فهي تشكل أساس جميع هذه الوظائف الإدراكية وتقودنا في حياتنا اليومية.
ما هي الذاكرة العاملة؟
تشمل الذاكرة العاملة مجموعة متنوعة من الوظائف الإدراكية التي تحدد كيفية معالجة المعلومات التي نتلقاها من حواسنا أو استرجاعها من الذاكرة طويلة المدى. ونظراً لأننا نستطيع الاحتفاظ بكمية محدودة من المعلومات في الذاكرة العاملة في أي وقت، فإن ذلك يشمل تحديث المعلومات عند ورود مدخلات جديدة، والصيانة النشطة للمعلومات المرتبطة بمهمة معينة، وكبح المعلومات غير المرتبطة بالمهمة، والتنقل بين العمليات المختلفة بحسب متطلبات المهمة.
شبكات الدماغ المرتبطة بالذاكرة العاملة
لا يمكن ربط العمليات الإدراكية بشبكة دماغية واحدة فقط، إلا أن كل عملية يتم دعمها بشبكات دماغية معينة أكثر من غيرها. على سبيل المثال، تشارك شبكة الأهمية (Salience Network) في اختيار المعلومات، بينما تشارك شبكة التحكم التنفيذي (Executive Control Network) في كبح المعلومات، وتشارك شبكة الوضع الافتراضي (Default Mode Network) في التأمل واسترجاع الذكريات. لذلك، ليس من المستغرب أن يؤدي عدم التوازن بين هذه الشبكات إلى اضطرابات في الذاكرة العاملة.
العلاقة بالصحّة النفسية
من المثير للاهتمام أن توازن هذه الشبكات الدماغية يدعم الصحة النفسية. فإذا تغيّر التوازن بين اختيار وكبح المعلومات، فقد يؤدي ذلك إلى معالجة انتقائية أو مفرطة للمعلومات العاطفية السلبية أو زيادة التفكير المكرر (Rumination)، مما يستنزف موارد الذاكرة العاملة ويؤدي إلى تقلب المزاج، والاكتئاب، أو القلق. ولذلك، ارتبطت اضطرابات المزاج مثل الاكتئاب والقلق بضعف الذاكرة العاملة وتغيرات في الاتصال بين هذه الشبكات الدماغية.
استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية
يمكن ملاحظة ذلك أيضاً خلال الانتقالات الهرمونية. فالنساء اللواتي يلاحظن تأثيرات سلبية على المزاج عند استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية يظهرن تغييرات في الاتصال داخل الشبكات الدماغية المذكورة وبينها، ما قد يرتبط بزيادة تقلب المزاج. ومن المهم الإشارة إلى أن هذه النتائج تنطبق فقط على النساء اللواتي تظهر لديهن فعلياً تدهور المزاج أثناء استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية، وهو ما يقدر بنسبة 4-10% من النساء، بينما قد تستفيد نساء أخريات من مزاج أكثر استقراراً أثناء الاستخدام.
لا يُعرف بعد كيف تتغير شبكات الدماغ عند النساء اللواتي لا يعانين من تدهور المزاج، وما إذا كانت هذه التغييرات مرتبطة بالذاكرة العاملة. ومع ذلك، تشير الأدلة الحديثة من متلازمة ما قبل الحيض (PMS) إلى أهمية تقييم الذاكرة العاملة خلال فترات الانتقال الهرموني.
الذاكرة العاملة وأعراض ما قبل الحيض
تشير متلازمة ما قبل الحيض إلى زيادة مرحلية في مجموعة من الأعراض النفسية مثل التهيج، والقلق، والاكتئاب، وتقلب المزاج خلال المرحلة السابقة للحيض. وفي الحالات الشديدة، قد تُستوفى معايير اضطراب ما قبل الحيض الاكتئابي (PMDD)، الذي يؤثر على 3-9% من النساء. وقد لوحظ أن النساء المصابات بهذه المتلازمة يظهرن ضعفاً طفيفاً في الذاكرة العاملة.
ومن المهم أن هذه التغيرات في الذاكرة العاملة لا تقتصر على مرحلة ما قبل الحيض، بل تبقى ثابتة عبر جميع مراحل الدورة الشهرية. ولا يزال غير واضح ما إذا كانت ضعف الذاكرة العاملة سبباً أم نتيجةً للأعراض المزاجية السلبية المتكررة خلال مرحلة ما قبل الحيض، ومن الممكن أن تنشأ نتيجة لتكرار الأعراض دون علاج.
الخلاصة
تؤكد هذه النتائج أهمية معالجة الذاكرة العاملة والشبكات الدماغية المرتبطة بها بالتوازي مع تغييرات المزاج خلال فترات الانتقال الهرموني، بما في ذلك استخدام وسائل منع الحمل الهرمونية، لفهم وتحسين الصحة النفسية للنساء.
