ملخص: هذا المقال يناقش المخاطر التي قد يحملها الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية إذا استمر تدريبه على بيانات غير ممثلة، مما قد يستبعد نحو 5 مليارات إنسان في الجنوب العالمي من فوائده، ويؤدي إلى تعميق فجوة عدم المساواة الصحية بدلًا من ردمها. ويعرض المقال حلولًا عملية مثل بناء قواعد بيانات صحية متنوعة عالميًا، والاستثمار في البنية التحتية والقدرات المحلية، ووضع أطر حوكمة عادلة، لضمان أن تسهم أنظمة الذكاء الاصطناعي في تحسين الرعاية الصحية للجميع بشكل متكافئ.
- تُدرَّب معظم أنظمة الذكاء الاصطناعي (AI) الصحية على بيانات من الدول ذات الدخل المرتفع، ما يجعل مليارات البشر في الجنوب العالمي غير مرئيين في نماذج التشخيص، وتقييمات المخاطر وخوارزميات العلاج.
- وبدون بيانات ممثِّلة، قد تخطئ أدوات الذكاء الاصطناعي الطبية في التشخيص أو تفشل في التعرف على الحالات المرضية لدى الفئات غير الممثلة، مما يعمّق فجوات عدم المساواة الصحية بدلًا من تقليصها.
- سد هذه الفجوة يتطلب تعاونًا عالميًا عبر بناء مجموعات بيانات صحية متنوعة، والاستثمار في البنية التحتية الرقمية المحلية، وإنشاء أطر حوكمة عادلة تضمن استفادة الجميع من أنظمة الصحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي.
الذكاء الاصطناعي يغيّر الرعاية الصحية بسرعة. من الاكتشاف المبكر للسرطان إلى التوصيات العلاجية المخصّصة، تسعى أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى جعل الطب أسرع وأكثر دقة وأقل تكلفة.
في الدول الغنية، تُختبَر هذه الأدوات بالفعل في المستشفيات ومراكز البحوث والعيادات، والنتائج مبشّرة. لكن بالنسبة لمعظم سكان العالم، أي ما يقارب 5 مليارات إنسان يعيشون في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، لا تزال فوائد الذكاء الاصطناعي الطبي بعيدة المنال.
وبدلًا من تضييق فجوة عدم المساواة الصحية، فإن الأساليب الحالية في تطوير الذكاء الاصطناعي قد تؤدي إلى توسيعها. إذ يتم بناء معظم الأنظمة الصحية بالذكاء الاصطناعي على بيانات مستمدة من نطاق محدود من السكان، ما يعني أن مليارات البشر، خاصة من الجنوب العالمي، يظلون إلى حد كبير غير مرئيين في نماذج التشخيص والتقييم.
بدون إجراءات تصحيحية، قد يعزز الذكاء الاصطناعي عن غير قصد أوجه عدم المساواة الهيكلية القائمة في الصحة العالمية بدلًا من معالجتها.
مشكلة البيانات في قلب الذكاء الاصطناعي الطبي
من المعروف أن البيانات هي المحرك الأساسي لتطوير الذكاء الاصطناعي. وفي الرعاية الصحية، يشمل ذلك عادةً السجلات الصحية الإلكترونية، صور الأشعة، المعلومات الجينية أو الإشارات البيومترية التي يتم جمعها من ملايين المرضى.
وبحسب تقرير لـ"دويتشه فيله"، فإن أكثر من 80% من الدراسات الجينية تقتصر على أشخاص من أصول أوروبية، رغم أن هذه الفئة لا تمثل سوى أقل من 20% من سكان العالم، وهو خلل يصفه العديد من الخبراء بأنه غير متوازن بشدة.
وبالمثل، فإن معظم البيانات الصحية المستخدمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي تأتي من مرضى في الولايات المتحدة وأجزاء من أوروبا والصين. بينما لا يمكن لهذه الأنظمة أن تتعلم أنماطًا دقيقة أو تقدم تنبؤات موثوقة إلا عند تزويدها بمجموعات بيانات شاملة ومتنوعة.
فالأنظمة المدرَّبة على بيانات منحازة تؤدي أداءً ضعيفًا عند تطبيقها على مجموعات سكانية ذات خلفيات جينية مختلفة، أو أنماط انتشار أمراض متباينة، أو ظروف بيئية مغايرة. على سبيل المثال:
خوارزميات اكتشاف سرطان الجلد المدرَّبة أساسًا على صور لأصحاب البشرة الفاتحة تعمل بدقة أقل على أصحاب البشرة الداكنة.
حاسبات مخاطر أمراض القلب المبنية على بيانات أوروبية وأمريكية قد تُخطئ في تقدير المخاطر لدى سكان أفريقيا أو جنوب آسيا أو أمريكا اللاتينية.
وهذا يخلق وضعًا مقلقًا، إذ إن الفئات السكانية التي قد تستفيد أكثر من الأدوات التشخيصية منخفضة التكلفة وقابلة للتوسع، هي الأقل تمثيلًا في الأنظمة الحالية.
مخاطر الإقصاء
مخاطر التحيز في أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحية ليست تقنية فقط؛ بل لها عواقب واقعية ملموسة. فخوارزمية لا تكتشف أورام السرطان على البشرة الداكنة ليست مجرد خطأ تقني؛ بل مسألة حياة أو موت.
إذا تم نشر أنظمة الذكاء الاصطناعي الطبية دون معالجة هذه التحديات، فقد يؤدي ذلك إلى:
تشخيص خاطئ وأضرار: المرضى في المناطق غير الممثلة قد يتلقون تشخيصات غير دقيقة أو غير ملائمة، مما يؤدي إلى علاج متأخر أو غير فعال.
تآكل الثقة: المجتمعات التي تواجه أخطاء منهجية من أدوات الذكاء الاصطناعي قد تفقد الثقة ليس فقط بالتكنولوجيا الرقمية، بل أيضًا بالمؤسسات الصحية.
تعمّق عدم المساواة: بينما تحسن الأنظمة المتقدمة النتائج في الشمال العالمي، قد يتأخر الجنوب العالمي أكثر، مما يفاقم الفجوات الصحية العالمية.
رغم ذلك، فإن قوة الذكاء الاصطناعي في الرعاية الصحية لا يمكن تحقيقها بعدالة إلا إذا استندت إلى أسس تعكس التنوع العالمي.
بناء ذكاء اصطناعي شامل للصحة العالمية
بناء أنظمة صحية بالذكاء الاصطناعي شاملة ليس مهمة سهلة، بل يتطلب تنسيقًا بين الحكومات والمنظمات الدولية والمبتكرين من القطاع الخاص والمجتمعات المحلية. ولتحقيق ذلك، ينبغي التركيز على الأولويات التالية:
1. بناء مجموعات بيانات صحية عالمية متنوعة
البيانات الممثلة هي الأساس. لضمان أن تخدم أنظمة الذكاء الاصطناعي سكان أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، يجب الاستثمار في إنشاء وتجميع بيانات تعكس التنوع الديموغرافي.
قد يشمل ذلك دعم المستشفيات والعيادات المحلية في رقمنة السجلات الطبية. وتُعد مبادرة رواندا للصحة الرقمية خطوة نموذجية في هذا الاتجاه.
كما أن تشجيع التعاونات التي تتيح توافق البيانات عبر الحدود مع احترام سيادة الدول على بياناتها أمر أساسي. المبادرات الدولية مثل "التحالف العالمي للجينوميات والصحة" أثبتت أن التعاون في تبادل البيانات عبر الحدود ممكن.
أطر مماثلة ضرورية لضمان أن البيانات الصحية الشاملة تُغذي نماذج الذكاء الاصطناعي وتعكس الواقع العالمي.
2. الاستثمار في البنية التحتية الرقمية والقدرات المحلية والحوكمة
حتى مع وجود بيانات شاملة، لا قيمة لها ما لم تتمكن الأنظمة الصحية المحلية من نشر أدوات الذكاء الاصطناعي وتكييفها. إذ تفتقر العديد من المرافق الطبية في الجنوب العالمي إلى البنية الرقمية الأساسية مثل الإنترنت الموثوق والتخزين الآمن للبيانات.
وبالمثل، فإن القدرات البشرية أساسية. يحتاج الأطباء والعلماء وصناع السياسات إلى تدريب وموارد لتقييم أدوات الذكاء الاصطناعي، وتكييفها للسياقات المحلية، وضمان توافقها مع سير العمل الطبي.
إن بناء منظومات ابتكار محلية حول الذكاء الاصطناعي في الصحة يضمن أن تكون الحلول مطوّرة داخل المجتمعات ولأجلها، لا مجرد أدوات مستوردة.
إلى جانب ذلك، يجب إنشاء أنظمة حوكمة وأطر تنظيمية تضمن العدالة في تصميم ونشر واستخدام هذه الأنظمة.
المخطط الصحي الوطني للهند مثال استراتيجي آخر يسعى لمعالجة هذه الفجوات.
أنظمة صحية بالذكاء الاصطناعي للجميع
خطر استبعاد 5 مليارات إنسان من مستقبل الرعاية الصحية بالذكاء الاصطناعي حقيقي، لكنه ليس حتميًا. فالخيارات التي يتخذها اليوم صناع السياسات والمبتكرون وقادة الرعاية الصحية ستحدد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيزيد الفجوات أو يساهم في ردمها.
المنظمات الدولية مثل منظمة الصحة العالمية، في استراتيجيتها العالمية للصحة الرقمية، تؤكد على أهمية العدالة الرقمية الصحية. كما أن شركات التكنولوجيا ومراكز البحث بدأت تدرك الحاجة لبيانات متنوعة. ومع ذلك، يظل التقدم غير متوازن، وحجم التحدي يتطلب تعاونًا عالميًا أوسع.
إن الذكاء الاصطناعي يحمل وعودًا هائلة للرعاية الصحية: يمكن أن يساعد الأطباء على اكتشاف الأمراض مبكرًا، ويوجه قرارات العلاج، ويوصل الرعاية الجيدة إلى المجتمعات البعيدة عن المراكز الطبية. ولكن لكي تكون هذه الفوائد متاحة للجميع، علينا معالجة التفاوتات الهيكلية في كيفية تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي الصحية اليوم.
