أصبحت عبارات مثل ""طيف التوحّد"" أو ""على الطيف"" جزءاً من اللغة اليومية، وغالباً ما تُستخدم كطرق مختلفة للإشارة إلى شخص ""مختلف عصبياً"" (neurodivergent).
ظهر هذا المصطلح في ثمانينيات القرن الماضي على يد الطبيبة النفسية لورنا وينغ، التي غيّر عملها طريقة فهم التوحّد في المملكة المتحدة. في ذلك الوقت، كان مفهومها عن ""طيف التوحّد"" ثورياً، إذ لم تعد تنظر إلى التوحّد كحالة نادرة وضيقة التعريف، بل اعترفت بوجود مجموعة واسعة من السمات والتجارب.
لكن فكرة وجود طيف واحد يمتد من ""خفيف"" إلى ""شديد"" قد تكون مضللة. بعض خبراء التوحّد – وأنا منهم – يرون أن هذا المصطلح قد تجاوز فائدته.
عندما يسمع معظم الناس كلمة ""طيف""، قد يتخيلون خطاً مستقيماً مثل ترتيب الألوان من الأحمر إلى البنفسجي. وعند تطبيق هذا التصور على التوحّد، فإنه يوحي بأن الأشخاص المصابين بالتوحّد يمكن ترتيبهم من ""أكثر توحداً"" إلى ""أقل توحداً"". لكن التوحّد لا يعمل بهذه الطريقة.
يتكوّن التوحّد من سمات واحتياجات متعددة، تظهر في توليفات فريدة لدى كل شخص. فبعض الأفراد يعتمدون بشكل كبير على الروتين، بينما يجد آخرون راحة في الحركات التكرارية المعروفة باسم التنبيه الذاتي (stimming). وهناك من يركّزون بشكل مكثف على موضوعات محددة، وهو ما يسميه الباحثون التركيز الأحادي (monotropism).
توجد أيضاً روابط معروفة بين التوحّد وحالات جسدية مثل فرط الحركة المفصلية (hypermobility). وبسبب تعدّد هذه العناصر، لا يمكن وضع جميع الأشخاص المتوحّدين على خط واحد.
ومع ذلك، ما تزال هناك محاولات لرسم حدود. فالدليل التشخيصي للجمعية الأمريكية للطب النفسي يقسم التوحّد إلى ثلاث ""مستويات"" وفق مقدار الدعم الذي يُعتقد أن الشخص يحتاجه:
المستوى الأول: ""يحتاج إلى دعم""
المستوى الثاني: ""يحتاج إلى دعم كبير""
المستوى الثالث: ""يحتاج إلى دعم كبير جداً""
لكن أبحاثاً عديدة تشير إلى أن هذه المستويات غامضة وتُطبّق بشكل غير متسق، ولا تعكس دائماً تجارب الأفراد في حياتهم اليومية.
كما أن الظروف الحياتية يمكن أن تغيّر احتياجات الشخص. فقد يمر شخص متوحّد عادةً بمرحلة يُعرف فيها بـ ""الإنهاك"" (burnout) إذا لم تُلبَّ احتياجاته لفترة طويلة، مما يزيد من حاجته إلى الدعم.
في دراسة حديثة، أظهرنا أنا وزملائي أن مراحل الحياة مثل سن اليأس يمكن أن ترفع من مستويات الحاجة إلى الدعم. وبالتالي، فإن ""المستوى"" الثابت لا يمكن أن يعبّر عن الطبيعة المتغيّرة للتوحّد.
في الآونة الأخيرة، اقترحت لجنة ""ذا لانسيت"" – وهي مجموعة دولية من الخبراء – استخدام مصطلح ""التوحّد العميق"" (profound autism) للإشارة إلى الأشخاص المتوحّدين الذين لديهم إعاقات تعلم أو احتياجات دعم مرتفعة. لكن خبراء آخرين يرون أن هذا المصطلح غير مفيد، لأنه لا يخبرنا شيئاً عن التحديات الخاصة بكل شخص أو نوع الدعم الذي يحتاجه.
إرث مصطلح ""متلازمة أسبرجر""
قدّمت لورنا وينغ أيضاً مصطلح ""متلازمة أسبرجر"" في المملكة المتحدة. ومثل مفهوم ""التوحّد العميق""، كان هذا المصطلح يقسّم الأشخاص المتوحّدين بين من لديهم احتياجات دعم مرتفعة وبين من شُخّصوا بمتلازمة أسبرجر (احتياجات أقل).
لكن هذه التسمية استندت إلى اسم الطبيب النمساوي هانز أسبرجر، الذي حدد في أربعينيات القرن الماضي مجموعة من الأطفال وصفهم بـ""السيكوباتيين التوحّديين"". وخلال الحقبة النازية، ارتبط أسبرجر بجرائم إبادة استهدفت الأشخاص المتوحّدين ذوي الاحتياجات المرتفعة. لهذا السبب، توقف كثير من المتوحّدين عن استخدام هذا المصطلح، حتى لو كان هو التشخيص الأصلي لهم.
ما وراء النقاشات: القيمة الإنسانية
تحت هذه النقاشات يكمن قلق أعمق: تقسيم الأشخاص المتوحّدين إلى فئات أو ترتيبهم على ""طيف"" قد ينزلق إلى أحكام حول قيمتهم في المجتمع. وفي أقصى صورها، قد تؤدي هذه التصنيفات إلى نزع الإنسانية عن ذوي الاحتياجات المرتفعة، وهو ما يحذر ناشطون متوحّدون من أنه قد يغذي أجندات سياسية ضارة.
في أسوأ الحالات، قد يصبح من يُنظر إليهم كـ""أقل فائدة للمجتمع"" عرضة لإبادة مستقبلية. وقد يبدو هذا مبالغاً فيه، لكنه اتجاه سياسي مقلق بالنسبة لكثير من المتوحّدين، خاصة في الولايات المتحدة.
فقد صرّح مؤخراً وزير الصحة الأمريكي روبرت ف. كينيدي الابن بأنه يعتزم ""مواجهة وباء التوحّد في البلاد"". وشملت تصريحاته حتى الآن مزاعم مثيرة للجدل – وقد دُحضت بقوة – حول ارتباط استخدام الباراسيتامول أثناء الحمل بزيادة احتمال إصابة الأطفال بالتوحّد، ودعا النساء الحوامل لتجنب هذا الدواء المسكن.
أهمية اللغة
غالباً ما يُستخدم مصطلح ""طيف التوحّد"" أو ""على الطيف"" كوسيلة لتجنب قول إن شخصاً ما ""متوحّد"". ورغم أن هذه النية قد تكون حسنة، إلا أنها تستند إلى فكرة أن التوحّد أمر سلبي. بينما يفضل كثير من البالغين المتوحّدين استخدام كلمتي ""التوحّد"" و""متوحّد"" بشكل مباشر.
فالتوحّد ليس مقياساً للشدّة، بل هو طريقة وجود، اختلاف لا عيب.
صحيح أن اللغة لن تلتقط كل التفاصيل الدقيقة، لكنها تشكّل الطريقة التي يعامل بها المجتمع الأشخاص المتوحّدين. إن الابتعاد عن فكرة الطيف الواحد قد يكون خطوة نحو الاعتراف بالتنوّع الكامل للتوحّد، وتقدير الأشخاص المتوحّدين كما هم.
