تشير أبحاث جديدة صادرة عن جامعة UCL إلى أن الوجبات المدرسية ليست مجرد شبكة أمان اجتماعي، بل هي أداة قوية لتحفيز النمو الاقتصادي، وتعزيز الزراعة المستدامة، وبناء مجتمعات أكثر صحة. فمن خلال إعادة التفكير في كيفية تصميم الحكومات لبرامج الوجبات المدرسية وآليات التوريد الخاصة بها، يمكن لصانعي السياسات معالجة جوع الأطفال، والحد من انبعاثات الغازات الدفيئة، وخلق فرص عمل محلية. وتكشف دراسات حالة من اسكتلندا والسويد والبرازيل كيف يمكن لهذه الأداة المهملة أن تعيد تشكيل النظم الغذائية وتفتح آفاق مستقبل أكثر خضرة ومرونة.
تحسين الوصول إلى وجبات غذائية صحية للأطفال
في تقرير جديد بعنوان: “نهج موجّه بالمهام نحو الوجبات المدرسية: فرصة لاستراتيجية صناعية متعددة القطاعات وعبر الإدارات”، الصادر عن معهد الابتكار والغاية العامة في UCL، حلّل الباحثون كيف يمكن للحكومات استخدام آليات التوريد للوجبات المدرسية من أجل تشجيع ممارسات زراعية أفضل، وتحسين وصول الأطفال إلى وجبات مغذية، وزيادة عوائد الاقتصادات المحلية.
وقد أبرز تحليل الفريق لدراسات حالة من اسكتلندا والسويد والبرازيل الإمكانات الكبيرة للوجبات المدرسية كأداة اقتصادية مؤثرة، وحدد الفرص المتاحة حالياً لتعظيم فوائدها.
مع وجود نحو 466 مليون طفل يستفيدون من الوجبات المدرسية، وإنفاق سنوي يقدّر بـ 62.2 مليار جنيه إسترليني، فإن لهذه البرامج قدرة هائلة على تمكين الحكومات من توجيه الاقتصاد وتحقيق تحولات مستدامة في النظم الغذائية. وهذا الرقم ليس مجرد إحصائية، بل دعوة للعمل أمام صانعي القرار لاستثمار هذا المورد في إحداث تغيير ملموس.
فالنظام الغذائي العالمي، المسؤول عن ثلث انبعاثات الغازات الدفيئة، يُعد أيضاً المحرّك الأساسي لفقدان التنوع البيولوجي وتدهور النظم البيئية والأراضي. وممارسات التوريد الحالية للوجبات المدرسية لا تؤدي إلا إلى تفاقم هذه المشكلات. لذا هناك حاجة ملحّة للتغيير، ويمكن للوجبات المدرسية أن تكون جزءاً من الحل.
إعادة تصميم الوجبات المدرسية لتعظيم القيمة العامة
يدعو الباحثون بشكل عاجل إلى إعادة تصميم نظام توريد الوجبات المدرسية لتعظيم القيمة العامة. ويتطلب ذلك وضع استراتيجيات توريد توفر وجبات مغذية، وتشجع الزراعة المستدامة والممارسات الإنتاجية السليمة، وتزيد من مشاركة المنتجين المحليين.
وقالت البروفيسور ماريانا ماتسوكاتو، المؤلفة الرئيسية للتقرير ومديرة معهد الابتكار والغاية العامة في UCL:
""الوجبات المدرسية تمثل فرصة هائلة للحكومات لاستخدام قوتها الشرائية في خدمة الصالح العام. من خلال إنشاء سوق للوجبات المدرسية الصحية والمستدامة واللذيذة والمتاحة للجميع، يمكن للتوريد المصمم بعناية أن يحوّل بنية الاقتصادات المحلية ويؤدي إلى ظهور قاعدة متنوعة وتنافسية ومبتكرة ومتوافقة مع القيم من الموردين. ويجب النظر إلى هذا النوع من الاستراتيجيات الصناعية الموجّهة بالمهام كاستثمار، لا كتكلفة"".
ويأتي هذا العمل استكمالاً لمساهمات ماتسوكاتو الأوسع حول الأطر الموجّهة بالمهام.
كيف تستخدم دول أخرى الوجبات المدرسية
يتناول التقرير برنامج الوجبات المدرسية في اسكتلندا، الذي تأسس عام 2007 وتم توسيعه مرتين ليشمل جميع التلاميذ من الصف الأول حتى الخامس الابتدائي. ورغم نجاحه في مواجهة التفاوتات الصحية والاقتصادية، إلا أن هذا البرنامج الذي يكلف 238 مليون جنيه إسترليني سنوياً يمكن أن يعزز أكثر الأسواق الغذائية المحلية ويدعم أهداف اسكتلندا المتعلقة بالحياد الكربوني والاستدامة. وتحت إشراف 32 مجلساً إقليمياً، يمكن للتنسيق الاستراتيجي الأفضل، المتماشي مع الاستراتيجية الصناعية الوطنية، أن يفتح المزيد من المنافع الاجتماعية والبيئية والاقتصادية.
أما في السويد، فيُظهر التقرير كيف يمكن لنهج موجّه بالمهام ومشاركة الطلاب أن يقود الابتكار المحلي، مع بقاء التنسيق الوطني القوي ضرورياً لربط سياسات الغذاء بالاستراتيجيات الصناعية الشاملة.
وفي البرازيل، يخدم البرنامج الوطني للتغذية المدرسية (PNAE) أكثر من 50 مليون وجبة يومياً، مساهماً في مكافحة جوع الأطفال، وتحسين التغذية والتعليم، ودعم المزارع العائلية.
وقد رُبط البرنامج مؤخراً بأهداف الاستراتيجية الصناعية الوطنية الخاصة بأمن الغذاء والتغذية. ورغم أن إدارته محلية إلى حد كبير، فإن القوانين الوطنية تلزم بتخصيص ما لا يقل عن 30% من التمويل للمزارعين العائليين وتشجع على التوريد المستدام، مما يعزز الإنتاج المحلي، ويوفر وظائف، ويزيد الدخل، ويشجع على تنوع الأسواق، ويساعد على تبني ممارسات مستدامة.
وقالت الباحثة المشاركة سارة دويل، زميلة السياسات في معهد الابتكار والغاية العامة بـUCL:
""هناك إجماع واسع على أن الوجبات المدرسية مفيدة للأطفال. لكن، ما لم يُعترف بها أيضاً كفرصة للمزارعين والشركات، وكأداة لتحويل النظام الغذائي، فلن يتحقق كامل إمكاناتها وستظل تعاني من نقص التمويل. النظام الغذائي العالمي يفشل اليوم في إطعام المليارات، وهو مسؤول عن ثلث الانبعاثات العالمية، ويشكّل سبباً رئيسياً لتدهور البيئة ويعاني من انخفاض الإنتاجية، وهذه التحديات ستتفاقم مع تزايد عدد السكان. كأداة من أدوات الاستراتيجية الصناعية الخضراء، يمكن لتوريد الوجبات المدرسية أن يخلق فرصاً سوقية تعزز تحوّل النظام الغذائي وتساهم في نمو مستدام"".
