ملخص: هذا المقال يناقش كيف يمكن للاقتصاد الدائري أن يشكّل مستقبل البيئة العمرانية، عبر تقليص الانبعاثات بنسبة تصل إلى 75% بحلول عام 2050، وتخفيض التكاليف من خلال إعادة الاستخدام والتدوير، وبناء سلاسل توريد أكثر كفاءة وتنافسية. كما يبرز دور السياسات الأوروبية في دعم هذا التحول، والاستثمارات الضخمة المطلوبة مقابل العوائد الاقتصادية الهائلة المتوقعة، مع عرض أمثلة عملية من شركات مثل VELUX التي بدأت بتطبيق الابتكار الدائري فعلياً، ليؤكد في النهاية أن الدائرية ليست خياراً بيئياً فقط، بل استراتيجية مربحة وضرورية لمستقبل أكثر استدامة.
- في البيئة العمرانية، يمكن أن يؤدي تبني الممارسات الدائرية إلى خفض انبعاثات القطاع بنسبة تصل إلى 75% بحلول عام 2050 مقارنةً ببناء مبانٍ جديدة.
- تنفق الشركات حالياً أكثر من ضعفي ما تنفقه على العمالة أو الطاقة لشراء المواد، مما يبرز الإمكانات الكبيرة لتوفير التكاليف عبر الدائرية.
- من خلال تعزيز الكفاءة وتقليل الهدر وتحسين القدرة التنافسية، يمكن أن تقود نماذج الأعمال الدائرية إلى نمو طويل الأمد.
نموذجنا الاقتصادي والاجتماعي الخطي لم يعد مناسباً. ففي عالم يواجه تحديات مناخية ونقصاً في الموارد وعدم يقين جيوسياسي، حان الوقت للتحول نحو اقتصاد دائري حقيقي.
الإمكانات مذهلة. تُظهر بيانات الاتحاد الأوروبي أن الشركات تنفق على المواد أكثر من ضعفي ما تنفقه على العمالة أو الطاقة. وهكذا يمكن للدائرية أن تطلق وفورات كبيرة في التكاليف، مما يساعد الشركات على البقاء في دائرة المنافسة.
في البيئة العمرانية، سيؤدي اعتماد الممارسات الدائرية إلى تقليل انبعاثات الكربون في القطاع بنسبة تصل إلى 75% بحلول عام 2050 مقارنةً ببناء مبانٍ جديدة، وفقاً للمنتدى الاقتصادي العالمي. وهذا مثال بارز على الفوائد المناخية للدائرية.
في جوهرها، تحوّل الدائرية نهجنا من "خذ – اصنع – تخلّص" إلى حلقة مغلقة من "اصنع – استخدم – أعد". وبهذا تقلل من الانبعاثات المسببة للاحترار العالمي، وتعزز الاستقلال الاستراتيجي في الموارد، وتجعل المنتجات أكثر تنافسية في السوق العالمية.
حان وقت الاقتصاد الدائري
لن يحدث التحول نحو الدائرية بين عشية وضحاها، ولكن كما كتب همنغواي عن التحولات الكبرى: "تحدث تدريجياً، ثم فجأة".
من الواضح أن هناك حاجة لبذل المزيد لجعل الدائرية تياراً رئيسياً. ففي البيئة العمرانية، وفقاً لمؤسسة إلين ماك آرثر، يتم إعادة تدوير ما بين 20% و30% فقط من نفايات البناء، بينما تكشف بيانات ماكينزي أن 1% فقط من مواد هدم المباني يُعاد استخدامها. أما بالنسبة للزجاج المسطح، فقد أدى النموذج الخطي في سلسلة القيمة إلى "معدلات إعادة تدوير منخفضة تتراوح بين 0-1%"، بحسب تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي لعام 2023.
بمجرد أن تصبح عمليات التصنيع الدائرية ونماذج الأعمال قائمة، فإن الدائرية ستفتح الباب أمام نماذج أعمال جديدة بالكامل.
خلق بيئة سياسية داعمة
إن وجود إطار تنظيمي إيجابي يشجع الشركات على الاستثمار في الدائرية ويساعد على خلق طلب على المواد المعاد تدويرها والمسترجعة هو مفتاح نجاح التحول، وهنا يلعب صانعو السياسات دوراً محورياً.
ولحسن الحظ، فإن الكثيرين يتحركون في هذا الاتجاه: فالاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمهّد الطريق لقانون الاقتصاد الدائري، وهو تشريع رئيسي يهدف إلى مضاعفة حصة المواد المعاد تدويرها في اقتصاد الاتحاد الأوروبي.
سيخفض هذا القانون تكاليف التصنيع ويجعل سلاسل التوريد أكثر أماناً عبر تقليل الاعتماد على المواد المستوردة – وهي خطوة ضرورية لحماية القدرة التنافسية العالمية لأوروبا مستقبلاً.
كما يجب على المشرعين ضمان مواءمة التشريعات الحالية مع واقع الاقتصاد الدائري لمنع أي عوائق محتملة.
اليوم، تواجه الشركات الكثير من العقبات التنظيمية في طريقها نحو الدائرية. لدى المفوضية الأوروبية الحالية طموح لإزالة هذه العوائق وضمان تكافؤ الفرص، مع تقديم تعريفات واضحة للدائرية ومعايير لنهاية النفايات. كذلك، فإن التشريعات التي تضمن أن المواد المسترجعة تلبي معايير السلامة والجودة ستساعد الشركات الدائرية على الازدهار.
استثمار مربح
سيتطلب التحول إلى الدائرية استثماراً أولياً كبيراً، يُقدّر بـ 230 مليار يورو لتكييف الأصول المادية والبنية التحتية. لكن العائد طويل الأمد سيكون ضخماً: إذ يُتوقع أن يخلق الاقتصاد الدائري قيمة اقتصادية تصل إلى 1.5 تريليون يورو بحلول عام 2040 من خلال أسواق جديدة وتوفير التكاليف وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
يمكن للحكومات أن تقدم حوافز اقتصادية للشركات، على سبيل المثال عبر دعم المنتجات والمواد التي تُمكّن من إعادة الاستخدام وإعادة التدوير والمتانة، مما يسمح لهذه المنتجات بأن تصبح تنافسية في السوق قبل أن تخفض وفورات الحجم الأسعار.
بالإضافة إلى الاستثمارات واسعة النطاق المدعومة من الاتحاد الأوروبي، يمكن للمبادرات الأصغر أيضاً أن تحقق تأثيراً ملموساً في تشجيع الدائرية، بما في ذلك حظر مدافن النفايات وحوافز بسيطة لزيادة معدلات إعادة التدوير. ففي الدنمارك، يتم إعادة تدوير 93% من الزجاجات والعلب، بفضل نظام استرداد يتراوح بين 15 و50 سنتاً لكل قطعة.
من النقاش إلى الواقع
تتبنى الشركات بشكل متزايد الاقتصاد الدائري وتعمل به بالفعل.
في شركة VELUX، على سبيل المثال، نستثمر في الابتكار الدائري في جميع جوانب عملياتنا، بالإضافة إلى تطوير نماذج أعمال جديدة.
في هولندا، نوسع خدماتنا لجمع وتفكيك نوافذ VELUX المستعملة، لضمان إعادة المواد عالية الجودة إلى سلسلة التوريد. وفي الدنمارك، ندرس كيفية صيانة النوافذ القديمة لتمديد فترة استخدامها، بينما في ألمانيا نستكشف كيف يمكن للصيانة المنتظمة لتركيباتنا أن تضمن أداءً مثالياً لفترة أطول.
الاستفادة من شبكة المنتدى الاقتصادي العالمي للتغيير
التحول إلى الدائرية ليس مجرد قرار بيئي، بل هو أيضاً قرار استراتيجي للأعمال ومسار نحو تعزيز القدرة التنافسية.
تسلط شبكة المنارات العالمية التابعة للمنتدى الضوء على الشركات التي تحقق خطوات مهمة نحو سلاسل توريد أكثر دائرية وإنتاجية وتنافسية على مستوى العالم. ونجاحها يدعم فكرة أن التحول إلى الدائرية ليس مسألة "إن كان سيحدث"، بل "متى سيحدث".
في النهاية، سيكون التحول إلى الدائرية مفيداً للأعمال والمناخ والمستهلكين معاً. وبينما نحتاج بالفعل إلى استثمارات أولية، فإن الأهم ربما هو تحدي طريقة التفكير التقليدية.
باختصار، الاختيار بين البقاء على الوضع الراهن أو الاستثمار في الدائرية ليس قراراً صعباً – فالاقتصاد الدائري يمثل سيناريو مربحاً للجميع، يسمح لنا بزيادة الازدهار مع تحقيق أهدافنا المناخية.
ستكون الدائرية على رأس جدول أعمال شركة VELUX في القمة السنوية لتحول المدن التي ينظمها المنتدى الاقتصادي العالمي في سان فرانسيسكو.
