القائمة الرئيسية

التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: المقدمة والإطار النظري (1-4)

التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي: المقدمة والإطار النظري (1-4)
ملخص المقال

هذا الجزء من الدراسة يناقش كيف يضع الذكاء الاصطناعي النظام التعليمي أمام مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد مجرد أداة رقمية، بل أصبح شريكاً فكرياً يغيّر جذرياً طرق التعلّم والتعليم. كما يعرض أهمية “التفكير المشترك” ككفاءة محورية عابرة للتخصصات، ويبرز ضرورة بناء وعي أخلاقي ورقمي لدى الطلاب والمعلمين لمواكبة هذا التحول.

الملخّص التنفيذي

في الوقت الذي يتفاعل فيه آلاف الأطفال يومياً مع الذكاء الاصطناعي (AI)، غالباً دون توجيه أو إعداد مسبق، يقف نظامنا التعليمي على أعتاب تحوّل حتمي بقدر ما هو ضروري.
تخيّل سويسرا حيث يتقن كل طالب فنّ التفكير المشترك مع الذكاء الاصطناعي كما يتقن الكتابة أو الرياضيات. هذا هو الأفق الذي تتصوره AI Swiss لمستقبل التعليم السويسري.
إنّ التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي — أي القدرة على التواصل مع أنظمة الذكاء الاصطناعي لتعزيز القدرات الذهنية مع تطوير ""حاسة سادسة"" لتمييز التناقضات المعرفية — سيُرسَّخ ككفاءة أساسية منذ السنوات الأولى للتعليم.

تمت صياغة هذا المفهوم واختباره ميدانياً من قبل AI Swiss مع الشركات والجمهور، وهو مستوحى من عناصر التفاعل الإنساني–الاصطناعي التي أثبتت فوائدها في القطاعات الأكاديمية والاقتصادية المتقدّمة.
ويختلف جوهرياً عن النماذج السائدة لاستخدام الذكاء الاصطناعي اليوم: فهو ليس أداة للتفاعل السلبي، ولا نظاماً يُفوَّض له كامل العمليات الذهنية، ولا مجرد مُدرّس يقدّم مسارات تعلم شخصية. بل هو تطوير لمستوى من الوعي الاصطناعي يمكّن الفرد من التعامل مع أي نظام ذكاء اصطناعي يمكن محاورته بلغة طبيعية.

يتجاوز التفكير المشترك أساليب التفاعل المعتادة التي تفضّلها الواجهات الحالية مثل ChatGPT أو Claude أو Gemini. فهو يقرّ بالقيود الجوهرية لأي نظام محادثة اصطناعي — الآن وفي المستقبل: مثل الإنسان، لا يستطيع الذكاء الاصطناعي قراءة نوايانا من أفكارنا. كما أنه غير قادر على تقييم أو التحقق من الجوانب التي تتطلّب خبرة إنسانية مُجسَّدة — مثل الأحكام السياقية أو التفكير الأخلاقي المعقد. وهذه القيود تستوجب تعليم أنماط تفاعل تحافظ على الدور الأساسي للإنسان في التقييم والتحقق في كل الأوقات، مع تطوير قدرته على التواصل الفعّال مع الذكاء الاصطناعي رغم التباينات المعرفية، مهما كان النظام المستخدم.

إن التفكير المشترك هو قبل كل شيء مقاربة تربوية لفهم كيفية التفاعل مع أي نوع من الذكاء، اصطناعياً كان أم غير ذلك، شريطة أن نفهم لغته حتى لو اختلفت طبيعته المعرفية عن الإنسان — أحياناً بطرق دقيقة جداً. ويمكن ترسيخ أسسه من دون أدوات رقمية، لا سيما عبر التأملات فوق المعرفية وألعاب المحاكاة التي يؤدي فيها البشر دور أنظمة الذكاء الاصطناعي. ورغم أن هذا ضروري للتعامل مع الأنظمة الحالية، إلا أنه يكشف عن كامل إمكاناته العملية عند تطبيقه على أنظمة مصممة خصيصاً لتعزيز التكامل البنّاء بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، مع الحفاظ على الاستقلالية الذهنية للإنسان.


""بالنسبة لـ AI Swiss، فإن دمج التفكير المشترك كأساس للوعي الاصطناعي في التعليم ليس رؤية مستقبلية، بل هو تطور حتمي رغم التحديات الكبيرة.""


إلى جانب تدريب المعلمين، تبرز قضايا العدالة في الوصول إلى التكنولوجيا، وحماية البيانات، والحفاظ على التوازن بين الابتكار وبين صون الأسس التربوية، فضلاً عن إدارة هذا التحوّل في نظامنا الفيدرالي.
تضع هذه الورقة البيضاء الأسس لحوار ضروري مع جميع الفاعلين في المجال التعليمي — المعماريين الحقيقيين لهذا التحوّل التربوي — من أجل جعل سويسرا رائدة عالمياً في التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي بصورة فعّالة وأخلاقية ومسؤولة.

من خلال قيادة هذا التحول بالصرامة وروح التوافق التي تميّزها، لن تكتفي سويسرا بالتميّز عن الدول التي تقتصر على اعتبار الذكاء الاصطناعي أداة مساعدة ثانوية، بل ستتمكن أيضاً من صياغة نموذج تعليمي استثنائي. وسيضع الإتقان الوطني لفن التفكير المشترك الأسس لمرحلة جديدة من التميّز السويسري، تمتد عبر النسيج الاجتماعي والاقتصادي والثقافي بأكمله، وتعزّز مكانة سويسرا في مجالات الابتكار واقتصاد المعرفة.

المقدمة: الذكاء الاصطناعي كشريك في التفكير

تمثل النماذج اللغوية الكبرى (LLMs) لحظة تاريخية فارقة: أنظمة اصطناعية تُظهر أشكالاً من الذكاء يمكن وصفها بالحدسية عبر طيف واسع من المفاهيم الإنسانية. فهي لا تتفوّق فقط في اللغة، بل تنتج أيضاً شذرات من الاستدلال والفطرة السليمة ونظرية العقل وحتى الأخلاقيات — وهي أبعاد طالما اعتُبرت المجال الحصري للذكاء البشري. هذا التحول التكنولوجي يُعيد بالفعل تشكيل العديد من القطاعات المهنية بعمق، وبدأ يُغيّر الممارسات التعليمية حول العالم.

ورغم هذا المستوى غير المسبوق من التطور، تواجه أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية قيوداً جوهرية: فهي تفتقر إلى جسد بشري يمكّنها من إدراك العالم عبر نفس الحواس والمشاعر، ولا تمتلك القدرة على التفاعل مع هذا العالم للتحقق تجريبياً من الفرضيات — وهو أساس المنهج العلمي والتعلم البشري. هذه القيود، التي من غير المرجح أن تتغير، تستوجب إطاراً للتفاعل مع الذكاء الاصطناعي: إطار يقوم على التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، حيث يبقى الإنسان قادراً على ضمان دوره المحوري في التحقق والتقييم، بينما يثري نفسه باستمرار عبر حواراته مع الذكاء الاصطناعي.


""تفتقر أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية بشكل أساسي إلى قدرات تحقق ذاتي كافية لتكون أساساً لأنظمة مستقلة تماماً. إن التفاعل الممكن الوحيد في السنوات القادمة سيكون مع الذكاء الاصطناعي كمولّد ومع الإنسان كمتحقّق؛ في دورات قصيرة، لأن البشر عموماً غير مستعدين للتحقق من كميات كبيرة من المحتوى.""
— د. شارل-إدوار باردين، نائب الرئيس والمدير العلمي لـ AI Swiss

تفرض هذه الحقيقة العلمية تحوّلاً جذرياً في نماذجنا التعليمية: فالتحدي لا يكمن في تفويض المهام الفكرية المعقدة إلى الذكاء الاصطناعي، بل في تعلّم كيفية التفكير المشترك معه بفعالية.
فالطلاب بدأوا بالفعل يستكشفون بشكل عفوي أشكالاً جديدة من التعاون الفكري، سواء في تنظيم المقالات، أو حل المشكلات المعقدة، أو تنفيذ مشاريع إبداعية مبتكرة.

وأمام هذا التحوّل الحتمي، لا تزال الأطر التعليمية الحالية — حتى الأكثر تقدماً منها — تقدّم إجابات جزئية فقط، وهو ما يتطلّب منا تجاوزها.

ما بعد الأطر الحالية: الذكاء الاصطناعي ككفاءة أساسية عابرة للقطاعات

في عام 2024، نشرت اليونسكو أطر الكفاءات الخاصة بالذكاء الاصطناعي للمعلمين والطلاب في سياق أجندة التعليم العالمية 2030 (UNESCO, 2024a, 2024b). يحدّد هذا الإطار 15 كفاءة أساسية موزعة على خمس أبعاد:

  • العقلية المتمحورة حول الإنسان

  • أخلاقيات الذكاء الاصطناعي

  • أسس وتطبيقات الذكاء الاصطناعي

  • بيداغوجيا الذكاء الاصطناعي

  • الذكاء الاصطناعي للتعلّم المهني

وكلها منظّمة وفق ثلاثة مستويات للتطور: الاكتساب، التعمّق، والإبداع. تهدف هذه المبادرة الطموحة إلى رسم خريطة لدمج الذكاء الاصطناعي في الممارسة التعليمية.

في سويسرا، كانت أمانة الدولة للتعليم والبحث والابتكار (SERI) قد حدّدت بالفعل أولويتين استراتيجيتين في عام 2019:

  1. ضمان نقل الكفاءات المناسبة

  2. ضمان الاستخدام الشفاف والمسؤول للذكاء الاصطناعي في التعليم (SERI, 2019a).

ومؤخراً، اعتمدت منظمة الجامعات السويسرية (swissuniversities) موقفاً يدعم ""الاندماج العملي والديناميكي لهذه التقنيات في التعليم والتقييم""، داعية مؤسسات التعليم العالي إلى مساعدة المجتمع الأكاديمي في تحديد الفرص والمخاطر الكامنة في هذه الأدوات الجديدة (swissuniversities, 2024). وفي سويسرا الناطقة بالفرنسية، أنشأت المديرية العامة للتعليم ما بعد الإلزامي (DGEP) فريق عمل مخصصاً للذكاء الاصطناعي في التعليم الثانوي الأعلى (DGEP, 2024).

ورغم هذه التقدّمات، يكشف أحدث تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2025 الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان عن واقع متباين على الصعيد العالمي:

""حتى الآن، عدد قليل جداً من الدول (مثل غانا، كوريا الجنوبية، هولندا) يدمج التعليم المتعلق بالذكاء الاصطناعي بشكل صريح في مناهجها؛ غالباً ما تكتفي الدول بالإشارة إلى أهمية تعليم الذكاء الاصطناعي في استراتيجياتها الوطنية للتعليم من دون توفير خطة تنفيذ تفصيلية"" (Stanford Institute for Human-Centered AI, 2025).

ويؤكد التقرير أيضاً أن:

""الدول حول العالم كانت أسرع في تطوير إرشادات وسياسات لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم، بدلاً من تطوير معايير وطنية لتدريس الذكاء الاصطناعي"" — وهو ما يعكس نهجاً تفاعلياً أكثر من كونه استباقياً تجاه هذا التحوّل الجذري.

ويظهر هذا الاتجاه حتى في التعليم العالي، حيث من المفترض أن يكون هناك مزيد من المرونة والابتكار:

""معظم السياسات والإرشادات الجامعية الحالية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي تركز على كيفية استخدام الطلاب له في الواجبات؛ بينما يتم إرجاء توجيه التعليم المتعلق بالذكاء الاصطناعي نفسه إلى مستوى الأقسام (خصوصاً أقسام علوم الحاسوب)"" (Stanford Institute for Human-Centered AI, 2025).

ويعكس هذا التجزؤ غياب رؤية شمولية للذكاء الاصطناعي باعتباره كفاءة أساسية عابرة للقطاعات.

وفي موازاة ذلك، تظهر موارد عملية مثل الأدلة المنهجية (EDHUMAN, 2024)، (Piekoszewski-Cuq, 2025) أو (Quiquempois & Goémé, 2025) لدعم المعلمين في التبنّي اليومي لهذه التقنيات. ورغم أن هذه الأدوات تقدّم أساساً قيّماً لتدريب الفاعلين التربويين، فإنها غالباً ما تضع الذكاء الاصطناعي في موقع المساعد للممارسات البيداغوجية القائمة، أكثر من كونه محفّزاً لتحوّل عميق في العلاقة التربوية نفسها.

ترحّب AI Swiss بهذه المبادرات، مع الإشارة إلى أنها لا تزال تمثّل استجابة جزئية فقط للتحديات التعليمية المعاصرة.


""تُظهر الأدبيات العلمية الحديثة، المفصّلة في الملحق، إلى جانب تجربة AI Swiss العملية مع الشركات السويسرية والجمهور، أن القيمة الأبرز للذكاء الاصطناعي لا تكمن في كونه مجرد أداة أو معلّم، بل في كونه شريكاً فكرياً حقيقياً — مما يضع التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي ككفاءة رئيسية لتعليم الغد.""

ما بعد المهارات التقنية: الوعي الاصطناعي للجميع

يُميّز تقرير مؤشر الذكاء الاصطناعي 2025 الصادر عن معهد ستانفورد للذكاء الاصطناعي المتمحور حول الإنسان بين ثلاثة مفاهيم غالباً ما تُخلط فيما بينها:

  • الذكاء الاصطناعي في التعليم: أي استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات التعليم والتعلّم.

  • الوعي الاصطناعي: الفهم الأساسي للآليات والاستخدامات والمخاطر المرتبطة بهذه التقنيات.

  • تعليم الذكاء الاصطناعي: وهو ما يثري الوعي الاصطناعي بالمهارات التقنية اللازمة لتصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي، بما في ذلك تحليل البيانات الأساسية وتحديد التحيّزات المحتملة (Stanford Institute for Human-Centered AI, 2025).


""تضع AI Swiss الوعي الاصطناعي عمداً في صميم رؤيتها الاستراتيجية، استناداً إلى أدلة تجريبية واضحة: فهذا النوع من الفهم الأساسي يولّد أوسع الفوائد المجتمعية.""


بينما يقدّم الذكاء الاصطناعي في التعليم تحسينات تدريجية للممارسات القائمة، ويظلّ تعليم الذكاء الاصطناعي مجالاً يخص المتخصصين التقنيين، يظهر الوعي الاصطناعي ككفاءة عالمية في عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي موجوداً في كل مكان.

ورغم أنه غالباً ما يُحصر في مجال علوم الحاسوب، يجب أن يتجاوز هذا الوعي الحدود التقليدية بين التخصصات. وعلى عكس الموقف السائد الذي يرى أن ""تعليم الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن يوجد بمعزل"" و""يجب أن يتماشى مع الجهود الأوسع لتعليم علوم الحاسوب"" (Stanford Institute for Human-Centered AI, 2025)، تدافع AI Swiss عن رؤية أكثر شمولاً:
إن الوعي الاصطناعي، الذي يبلغ ذروته في إتقان التفكير المشترك بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، يمكن ويجب أن يزدهر باستقلالية عن التقسيمات التخصصية.

وترتكز هذه القناعة على حقيقة لا جدال فيها: فكما أن مستخدم الحاسوب يخلق قيمة يومية من دون أن يتقن تصميم الدوائر الإلكترونية أو هندسة البرمجيات، فإن معرفة كيفية إنشاء الخوارزميات أو أنظمة الذكاء الاصطناعي ليست ضرورية للتفوّق في أشكال جديدة من التعاون الفكري بين الإنسان والذكاء الاصطناعي.

المصدر

مقالات ذات صلة