- الأسمنت والخرسانة مسؤولان عن ما يقارب 8% من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون.
- إزالة الكربون من هذا القطاع تتطلب تحوّلاً شاملاً عبر سلسلة القيمة كاملة، من المواد الخام إلى الخرسانة المصبوبة في موقع البناء، وصولاً إلى كيفية التصميم لإعادة الاستخدام والدائرية.
- الجهات الممولة وصانعو السياسات والمبتكرون الذين يتحركون الآن سيعملون على تنظيف أحد أكثر القطاعات تلوثاً، والمساهمة في إعادة تشكيل أسس الاقتصاد العالمي.
الأسمنت والخرسانة هما أكثر المواد الصناعية استخداماً في العالم، وثاني أكثر مادة استهلاكاً على الأرض بعد الماء. لكنهما مسؤولان أيضاً عن ما يقارب 8% من الانبعاثات العالمية لثاني أكسيد الكربون. ولو كان قطاع الأسمنت دولة، لكان ثالث أكبر باعث للانبعاثات في العالم بعد الصين والولايات المتحدة.
في الوقت الذي تجذب فيه مصادر الطاقة المتجددة والسيارات الكهربائية وغيرها من التقنيات النظيفة مليارات الدولارات من الاستثمارات والدعم السياسي، يظل قطاع الأسمنت والخرسانة متأخراً كثيراً من حيث التمويل والاهتمام. وفي أسبوع المناخ في نيويورك (21-28 سبتمبر 2025)، قد لا يتصدر هذا القطاع العناوين – لكن من دون تحوّله، لن يحقق العالم هدف الحياد الكربوني.
إزالة الكربون من الأسمنت والخرسانة ليست مهمة سهلة. إنها تتطلب تحولاً كاملاً على مستوى سلسلة القيمة، من المواد الخام في الأفران إلى الخرسانة المصبوبة في المواقع، وصولاً إلى التصميم لإعادة الاستخدام والدائرية. ولن يتحقق ذلك عبر تقنية واحدة أو جهة واحدة فقط، بل يحتاج إلى نشر منسّق لرأس المال، وتوافق السياسات، وإجراءات لتشكيل الأسواق تغطي كامل النظام البيئي.
لماذا يصعب إزالة الكربون من الأسمنت والخرسانة؟
التحدي مزدوج:
انبعاثات العمليات
حوالي 60% من الانبعاثات تأتي من التفاعل الكيميائي عند تسخين الحجر الجيري (الكَلْسَنة) الذي يطلق ثاني أكسيد الكربون.انبعاثات الوقود والطاقة
حوالي 40% تأتي من الحرارة العالية جداً اللازمة لهذه العملية – والتي يتم توفيرها تقليدياً عبر الفحم أو فحم البترول (Petcoke).
استبدال الوقود الأحفوري في الأفران يساعد، لكن من دون معالجة انبعاثات العمليات يبقى من المستحيل الوصول إلى خفض عميق للانبعاثات. ولهذا تمتد مساحة الحلول من تطوير تركيبات كلنكر منخفضة الكربون، ومصادر حرارة كهربائية، إلى تقنيات احتجاز الكربون، وإنتاج الخرسانة الدائرية، وأدوات المراقبة والتحقق المتقدمة.
النظر عبر سلسلة القيمة
توضح نظرة شاملة لسلسلة القيمة أين يمكن أن تحقق الابتكارات والتمويل أكبر فرق:
المواد الأولية وعمليات الأفران: روابط جديدة، وقود بديل، وتقنيات احتجاز الكربون واعدة، لكن توسيع نطاقها يتطلب تحديثات واسعة النطاق واستثمارات بمليارات الدولارات.
معالجة المواد وتوزيعها: تحسين الخدمات اللوجستية ومعالجة المواد البديلة يمكن أن يخفض الانبعاثات والتكاليف، لكنه يحتاج إلى تحديثات متوسطة الحجم للبنية التحتية.
إنتاج الخرسانة وتحسين الخلطات: أدوات رقمية لتصميم الخلطات والمواصفات القائمة على الأداء تسمح بخلطات أقوى وأقل انبعاثاً للكربون، لكنها تتطلب تحديثات في المصانع ودمج برمجي.
المشتريات واعتماد السوق: معايير شراء منخفضة الكربون وأنظمة تحقق من الانبعاثات يمكن أن تولد إشارات طلب موثوقة، مما يتطلب استثماراً في منصات الشفافية وأنظمة تداول السمات.
الدائرية ونهاية العمر الافتراضي: إعادة تدوير الركام، إعادة الكربنة، والتعدين الحضري يمكن أن يغلق الحلقة، لكنه يتطلب مصانع تدوير جديدة وتقنيات مبتكرة لإعادة الاستخدام.
كل مرحلة من هذه المراحل تمثل فرصة للممولين وصانعي السياسات والمبتكرين – ويجب أن يتحقق التقدم بشكل متوازٍ.
تمويل المشاريع الأولى (FOAK) وفجوة السوق
الانتشار الأولي لأي ابتكار في إزالة الكربون من الأسمنت والخرسانة يواجه أعلى مستويات المخاطرة وأعلى تكاليف رأس المال. غالباً ما تجمع هذه المشاريع بين تقنية غير مثبتة على نطاق واسع، ودمج معقد في أنظمة صناعية قائمة، وقبول سوقي غير مؤكد.
لنجاح هذه المشاريع، تُعد الهياكل التعاونية للتمويل الممزوج أمراً أساسياً. ويمكن أن يشمل ذلك:
رأس مال عام أو تفضيلي لامتصاص المخاطر المبكرة.
مستثمري الأسهم الخاصة أو البنية التحتية لجلب الانضباط والحجم.
تعزيزات ائتمانية وضمانات لجذب المقرضين التجاريين.
حوافز قائمة على النتائج مرتبطة بالأداء الكربوني المثبت.
الأهم أن يظل تمويل المشاريع الأولى محايداً تكنولوجياً، فالهدف ليس اختيار الفائزين بل بناء هياكل تقلل المخاطر عبر أي مسار جاد لإزالة الكربون.
ورغم تزايد الوعي، يواجه القطاع فجوة تمويلية تُعرف بـ""الوسط المفقود"" بين سوق رأس المال المخاطر وسوق الشركات العامة/البنية التحتية. فعندما تتجاوز التكنولوجيا مرحلة التجريب، تصبح المشاريع كبيرة جداً ومكلفة بحيث لا يمكن تمويلها فقط بالأسهم – لكنها في الوقت نفسه محفوفة بالمخاطر وغير مألوفة بالنسبة للديون التقليدية.
مشكلتان هيكليتان تفاقمان هذه الفجوة:
ندرة البيانات
قلة بيانات الأداء والتكلفة على مستوى النظام تجعل من الصعب على المقرضين تقييم المخاطر بشكل دقيق.تحديات عقود الشراء المسبق
من الصعب تأمين طلبات ملزمة وقابلة للتمويل للمنتجات منخفضة الكربون، خاصة عندما يواجه المشترون قيوداً في المشتريات أو حوافز محدودة.
النتيجة أن كثيراً من القطاع المالي إما يتجاهل السوق تماماً أو يطالب بعوائد شبيهة بالأسهم على أدوات يفترض أن تكون شبيهة بالديون – وهو خلل يعيق التوسع ويبطئ التبني. سد هذه الفجوة يتطلب آليات سوق جديدة، شفافية أكبر في البيانات، وتجميع مبكر للطلب لخلق الثقة التي يحتاجها المقرضون. على سبيل المثال، يعمل تحالف المحركين الأوائل (First Movers Coalition) التابع للمنتدى الاقتصادي العالمي على تقليل مخاطر الاستثمار من خلال تقديم إشارات طلب موحدة وموثوقة من شركات ملتزمة بشراء الأسمنت والخرسانة منخفضة الكربون بحلول عام 2030.
كما تطور Concrete Transition Capital (CTC) آلية تمويل مبتكرة للمشاريع مدعومة بتحليل المخاطر، وتقييمات قطاعية، ودعم توليد الإيرادات، وتعزيزات ائتمانية لتقليل مخاطر الاستثمار في منشآت إنتاج الأسمنت والخرسانة منخفضة الانبعاثات. ومن خلال تنظيم مزودي رأس المال واستخدام أدوات التمويل الممزوج وتأمين الإيرادات المتعاقد عليها، تسعى CTC لتقليل تكاليف الاقتراض، مما يمكّن الشركات من التوسع وملاقاة قطاع التمويل في منتصف الطريق.
مطابقة التمويل مع التحدي بدعم السياسة
كل رابط في سلسلة القيمة يحتاج إلى رأس مال، لكن ليس كل رأس مال متساوياً. أكثر الاستراتيجيات فعالية تظل محايدة تكنولوجياً، وتركّز بدلاً من ذلك على مرحلة النضج وملف المخاطر:
تمويل الابتكار المبكر: منح، مسرّعات، ورأس مال مجازف أولي للأفكار والنماذج الأولية.
رأس مال التوسع: أسهم نمو أو تمويل مشاريع لتقنيات مثبتة تدخل أسواقاً جديدة أو تزيد طاقتها.
رأس مال نشر المشاريع الأولى: ديون تفضيلية، تمويل ممزوج، وضمانات ائتمانية لتشغيل أولى المصانع التجارية.
رأس مال التوسع التجاري: ديون وأسهم للبنية التحتية بمجرد إثبات التقنيات ووجود أسواق.
تمويل تفعيل السوق: أموال لبناء منصات بيانات، أنظمة تحقق، وآليات تحفيز الطلب مثل التزامات المشتريات.
