- تقع المحاكاة البيئية ""بيوسفير 2"" في صحراء أريزونا، وهي أكبر وأجرأ تجربة بشرية مصممة لفهم كيفية تطوّر النظم البيئية.
- ورغم أنها اعتُبرت في البداية تجربة فاشلة، إلا أن مثل هذه المنشآت أصبحت اليوم مختبراً عملياً متسارع الإيقاع لدراسة تغيّر المناخ.
- في زمن تقترب فيه الكوكب من نقاط التحوّل الحرجة، تبرز الأسئلة حول صحة النظم الكوكبية وعلاقتها بالبشر كقضية محورية.
قبل أكثر من 30 عاماً، دخلت مجموعة مكونة من ثمانية أشخاص – هيبيون سابقون تحوّلوا إلى فرقة مسرحية ثم إلى دعاة للاستدامة – طواعيةً إلى محاكاة بيئية من صنع الإنسان ليعيشوا فيها لمدة عامين.
ما كان يُنظر إليه كفشل ذريع أصبح واحداً من أشهر محاولات البشرية لإعادة خلق بيئة شبيهة بالأرض، لكنه اليوم يوفّر فرصاً بحثية ثمينة لدراسة صحة الكوكب.
بيوسفير 2: محاكاة للأرض
صُمم ""بيوسفير 2"" ليحاكي ما وصفه مبتكروه بـ ""بيوسفير 1"" – أي الأرض نفسها.
والبيوسفير هو في جوهره مجموعة من النظم البيئية للكوكب، ولهذا كان لـ""بيوسفير 2"" محيطه الخاص، وغابته المطيرة، ومستنفعاته، ومزرعته، وسافانته.
ولا يزال حتى اليوم أكبر ""ميسوكوزم"" في العالم – أي نظام تجريبي خارجي يحاكي البيئة الطبيعية تحت ظروف مضبوطة.
بيوسفير 2 وسباق الفضاء
يقع ""بيوسفير 2"" في أريزونا، لكن جذور هذا النوع من الأبحاث تعود إلى الكيميائي الجيولوجي وعالم المعادن الروسي فلاديمير فيرنادسكي، الذي أسهم عمله الريادي في تشكيل برنامج الفضاء السوفييتي في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
وكانت أول تجربة محكمة الإغلاق قد جرت عام 1965 في سيبيريا، حيث استُخدمت الطحالب لإعادة تدوير الهواء الذي يتنفسه البشر.
وبحلول السبعينيات، كان الروس يرسلون مجموعات من شخصين إلى ثلاثة أشخاص للإقامة حتى ستة أشهر في منشأة ""بيوس-3"" – وهو نظام بيئي مغلق بمساحة 315 متراً مكعباً لدعم الحياة.
أما ""بيوسفير 2""، فكان مشروعاً عملاقاً بحق، إذ تجاوزت مساحته 3 أفدنة. وربما كان حجمه الهائل، إضافةً إلى أن قاطنيه لم يكونوا علماء محترفين، السبب وراء سخرية وسائل الإعلام حينها.
لكن حقيقة أن ""البيوسفيريين"" كانوا متعلمين ذاتياً في مجال الاستدامة لا تُقلّل من قيمة الإرث المعرفي الذي تركته تجربتهم الممتدة لعامين في نمذجة النظم الحياتية، ولا من الأبحاث اللاحقة التي جرت في المنشأة وأسهمت في تقدم علوم الكوكب.
شخصيات ورؤية ودعم مالي
ما يجمع بين ""بيوسفير 2"" وخلفائه هو عنصر الرؤية الطموحة، والشخصيات الكاريزمية، والداعمين الأثرياء.
فقد كان ""بيوسفير 2"" فكرة جون ب. ألين، وهو خبير معادن وخريج ماجستير إدارة الأعمال من هارفارد، جرّب العديد من المجالات قبل أن يؤسس فرقة مسرحية بهدف تغيير العالم.
أفراد الطاقم يخرجون من النظام البيئي المغلق ""بيوسفير"" عام 1994
الصورة: رويترز
كجزء من التجربة، قامت الفرقة ببناء قارب استخدمته لاستكشاف ودراسة أنواع مختلفة من النظم البيئية قبل أن تعود إلى الولايات المتحدة، حيث موّل الملياردير ورجل الأعمال والفاعل الخيري إد بَس مشروعاً لإعادة إنشاء هذه النظم تحت سلسلة من القباب العملاقة في الصحراء.
وفي الوقت نفسه، وفي ولاية يوتا، استلهم مشروع محطة أبحاث صحراء المريخ (MDRS) فكرة الحياة على الكوكب الأحمر. هذه المحطة تجذب أشخاصاً من مختلف أنحاء العالم ليعيشوا ويعملوا ويجروا تجارب في ظروف شبيهة ببيئة المريخ، وذلك ضمن مشروع مدعوم بالتبرعات يضم من بين داعميه إيلون ماسك.
سيلا أورغل، عالمة جيولوجيا ضمن بعثة Crew 125 EuroMoonMars B، تعود إلى محطة أبحاث صحراء المريخ (MDRS) في صحراء يوتا – 3 مارس 2013
الصورة: رويترز/جيم أوركهارت
في أماكن أخرى، تم إنشاء ""موائل"" بحثية داخل حفرة طينية مهجورة ضمن مشروع إيدن في المملكة المتحدة (ورغم أنه ليس نظاماً مغلقاً، فإنه يوفر مرفقاً بحثياً فريداً إضافةً إلى كونه وجهة سياحية)، وكذلك داخل بركان هاواي عبر مشروع المحاكاة والتناظرية لاستكشاف الفضاء في هاواي بدعم من جامعة هاواي ووكالة ناسا، وأيضاً عبر وكالة أسترو لاند بين الكواكب التي تتخذ من كهف إسباني مقراً لها.
وبالتوازي مع ذلك، أُعيد إنشاء موائل متخصصة لدعم البحث العلمي، مثل المحاكي البحري الوطني في أستراليا.
وعادةً ما كان الفضاء، والرغبة، وأحياناً الإيمان بضرورة استعمار عوالم أخرى، هو الدافع وراء هذه الأبحاث. ومع ذلك، فإن ""بيوسفير 2""، وبدرجة أقل ""بيوس-3"" و""مشروع إيدن""، يقدّمون فرصةً لدراسة النظم البيئية لكوكبنا الحالي.
الدروس المستفادة من تجارب النظم البيئية
تُبرز النظم البيئية المصطنعة العديد من الحقائق، من بينها صعوبة تكرار ما نملكه على كوكب الأرض. ومن الجوانب الأساسية أيضاً العلاقة التكافلية بين كل ما يوجد داخل النظام البيئي.
كما قال مارك نيلسون، أحد الأعضاء الثمانية الأصليين في ""بيوسفير"":
""في كل مرة تتنفس فيها، تكون هذه النباتات في انتظار ثاني أكسيد الكربون الذي تُخرجه. إنها رئتك الثالثة. فكرت: يا إلهي، هذا ما يُبقيني على قيد الحياة! أنا مرتبط بشكل مطلق واستقلابي بالحياة هنا.""
ومن بين النتائج التي خلصت إليها هذه المحاولات لإدارة الأنظمة الحيوية التجديدية:
صعوبة الحفاظ على نظام غذائي كافٍ ومتنوّع:
زرع أعضاء ""بيوسفير"" 80% من غذائهم، بينما تمكن الروس في ""بيوس-3"" من إنتاج نحو نصف احتياجاتهم. وبالنهاية، تحوّلت حياتهم إلى زراعة معيشية، حيث أصبح اعتمادهم الغذائي بشكل كبير على البطاطا الحلوة والشمندر، بعد أن تبيّن أن العديد من محاصيلهم الأصلية بطيئة النمو أو مرهقة للغاية في زراعتها.صعوبة الحفاظ على توازن الحيوانات:
تم اختيار الحيوانات في ""بيوسفير 2"" لدورها البيئي، وأحياناً لتكون مصدراً للغذاء. بعض الأنواع ازدهرت (خصوصاً الصراصير والنمل)، بينما انقرضت أخرى أو تراجعت أعدادها (مثل الملقّحات). وفي حالة الملقحات، قد يكون السبب أن ""بيوسفير 2"" كان في الأساس دفيئة ضخمة تحجب الأشعة فوق البنفسجية – وهي ضرورية للنحل لتحديد أماكن الأزهار. وقد وفّرت التجارب اللاحقة باستخدام أنواع مختلفة من الإضاءة معلومات حول احتياجات الشعاب المرجانية للعيش في بيئات مغلقة.دقّة إدارة الغازات على الأرض:
انخفض مستوى الأكسجين بسرعة داخل ""بيوسفير 2"". ورغم أن ذلك كان متوقعاً، إلا أن سرعة وشدة المشكلة فاجأت القاطنين. ففي حين يشكل الأكسجين نحو 21% من الغلاف الجوي للأرض، انخفض داخل ""بيوسفير 2"" إلى 14.2%. وقد اكتُشف أن بكتيريا التربة، من خلال تنفسها المفرط لثاني أكسيد الكربون، هي التي غيّرت توازن الغازات.تأثيرات أوسع على النظم الكوكبية الأخرى:
مع زيادة ثاني أكسيد الكربون في الجو، أصبح ""محيط بيوسفير 2"" حامضياً بسرعة، وهي ظاهرة لم تكن قد حظيت باهتمام علمي كبير آنذاك. وأدى ذلك إلى أبحاث لاحقة خلال التسعينيات والعقد الأول من الألفية في ""بيوسفير 2"" لشرح تأثير ارتفاع مستويات ثاني أكسيد الكربون على الكائنات البحرية، خصوصاً تلك التي تمتلك أصدافاً من كربونات الكالسيوم.تأثير مباشر على الإنسان أيضاً:
وبطبيعة الحال، أصبح قاطنو ""بيوسفير"" يعانون من الخمول وانخفاض القدرة الوظيفية مع زيادة مستويات ثاني أكسيد الكربون. والمثير للاهتمام أن دراسة روسية عام 2013 – احتُجز فيها ستة رجال في ظروف محاكاة للمريخ لمدة 520 يوماً – سجّلت مستويات أعلى من الخمول، رغم أن المشاركين كانوا ينامون لساعات أطول.
مشروع ""إيدن"" في المملكة المتحدة هو مرفق بحثي وجاذب سياحي في الوقت ذاته
الصورة: كاي جونز/أنسبلاش
من المستحيل تحقيق التوازن الكامل: لقد كان للتدخل البشري دور حاسم في صحة وصيانة هذه الأنظمة. فلم ينجح أي من التجارب في الوصول إلى مستوى من الاستقلالية يقترب حتى مما نعتبره أمراً بديهياً على كوكب الأرض.
تكلفة باهظة لمحاكاة الحياة على الأرض في مكان آخر: تشير التقديرات إلى أن العيش في ""مستعمرة"" شبيهة بـ""بيوسفير 2"" قد يكلّف نحو 82,500 دولار للشخص الواحد شهرياً، وهو ما يسلّط الضوء على ""القيمة"" غير المالية التي توفرها النظم البيئية للأرض مجاناً.
إرث ""بيوسفير 2""
تبدو الأهداف السامية لـ""بيوسفير 2"" اليوم ذات رؤية استباقية؛ فقد كان الهدف دراسة كيفية تطوّر النظم البيئية، والتعلّم كيف يمكن للبشر وتقنياتهم أن يتناغموا مع باقي عناصر الطبيعة.
ويُعد ذلك أمراً بالغ الأهمية في عصر نقاط التحوّل الكوكبية. فعندما نصل إليها، أو نتجاوزها، أو في حالات نادرة نتراجع عنها، تبرز تساؤلات محورية حول دور هذه الأنظمة الكوكبية، وكذلك حول العلاقة المتبادلة بين البشر والنظم البيئية المختلفة.
