القائمة الرئيسية

الاعتراف بالجهل في عصر المعرفة

الاعتراف بالجهل في عصر المعرفة
ملخص المقال

المقال يناقش ظاهرة النفور من الاعتراف بعدم المعرفة، بدءًا من تجربة شخصية في مقابلة قبول بجامعة كامبريدج حيث ساعد الاعتراف بالجهل على فتح باب التعلم، وصولًا إلى الثقافة السائدة اليوم التي تكافئ إظهار الثقة الزائفة حتى في غياب المعرفة الحقيقية. يوضح الكاتب كيف ساهمت أدوات مثل الذكاء الاصطناعي في تكريس هذا السلوك من خلال تسهيل الحصول على إجابات جاهزة أو حتى اختلاقها، تمامًا كما يفعل بعض البشر. ويحذر المقال من مخاطر هذا الاتجاه على التعلم والمصداقية المهنية، مشيرًا إلى أن الحل يكمن في استعادة الشجاعة للاعتراف بعبارة ""لا أعرف""، لأن فقدانها يعني خسارة فرص ثمينة للمعرفة وبناء الثقة.

عندما تقدمت بطلب للدراسات العليا بجامعة كامبريدج، دعيت لإجراء مقابلة القبول الأولى مع بروفيسور في الجامعة، ولما دخلت عليه دعاني للجلوس، وشبك أطراف أصابعه ببعضها، ونظر إلي بعمق، ثم ألقى علي سؤالا صاعقا: ""هل الدولة القومية في تراجع ؟""

شعرت حينها بالارتباك. ليس فقط أنني لا أعرفُ الإجابة، بل حتى لم أتمكن من فهم السؤال. ولكنني تداركت نفسي وتذكرت أنني قد سمعت نصيحة - ربما عندما كنت في المدرسة أو من الجامعة أن هذه المقابلات لا تختبر ما الذي تعرفه، بل تحاول أن تستكشف كيف تفكر"". لذلك أخذتُ نفسًا عميقًا وقلت: ""لست متأكدة من المقصود بمصطلح الدولة القومية"".

لحسن الحظ؛ سارت الأمور بشكل جيد. وكان رد البروفيسور إن هذا لا بأس به. ثم طرح علي بضعة أسئلة بسيطة لمساعدتي في استيعاب مصطلح الدولة القومية، ثم بضعة أسئلة أخرى امتدادًا للإجابة عن السؤال الأصلي. وفي النهاية، قبلت في الدراسات العليا في جامعة كامبردج.

لقد كانت تجربةً مهمة بالنسبة لي، ولا يمكن أن أنساها. ومع ذلك، كلما تقدمت بي السنين فإني أجد صعوبة بالغة بأن أعترف أنني ""لا أعرف""، ولا أعتقد أنني وحدي من يجد هذه الصعوبة. وهذا شيء متوقع، فكلما أصبحت في نظر نفسك ""خبيرا""، كلما تملكك الاعتقاد أنه يجب عليك أن تعرف، وكلما تملكك الخوف أكثر بأن مصداقيتك على المحك إذا اعترفت أنك لا تعرف.

ولكن يبدو أن هذا النفور من الاعتراف بعدم المعرفة قد انتشر بشكل مريع، حتى في تلك الأماكن التي ذهبنا إليها لنتعلم فيها. ومن الطبيعي جدا في مقعد الطالب المتعلم أن تعترف إنك لا تعرف. لكن الوضع خلاف ذلك فقد أخبرتني مؤخرا طالبة في إحدى كليات إدارة الأعمال المرموقة في الولايات المتحدة عن زميل كان يجلس أمامها خلال المحاضرات. وعندما يطرح الأستاذ سؤالاً، يسارع بكتابته خلسة في (ChatGPT)، ثم يقرأ الإجابة وكأنها إجابته الشخصية.

ما الذي يحدث لنا في عصر المعرفة؟

أحد التفسيرات المحتملة هو نقص القدوات بيننا التي تعترف بعدم المعرفة. فالذي أصبحنا نراه أن إظهار الثقة يُكافأ في الحياة العامة. فمثلا من النادر أن نسمع عبارة ""لا أعرف"" في المقابلات التلفزيونية. ولا غرابة في ذلك فإن العديد من دورات التدريب للظهور الإعلامي تعلم الناس استراتيجية ""ABC"" لتفادي الإجابة بعدم المعرفة أو للهروب من الإجابة على بعض الأسئلة. ومفاد هذه الاستراتيجية؛ أنه إذا واجهك سؤال لا تعرف أو لا تود إجابته فعليك باستراتيجية ""ABC"" :

وقد سهلت تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة ممارسة التظاهر المعرفي من خلال حصولنا السريع على الإجابات. وقد بدأ ذلك أولاً مع ظهور محركات البحث، لكن مما زاد الطين بلة تطور الذكاء الاصطناعي عبر نماذج (LLMs) مثل (ChatGPT) التي جعلت من السهل علينا ادعاء المعرفة وتجنب الشعور بالنقص عند الاعتراف أننا لا نعرف.

الغريب أيضًا أن نماذج الذكاء الاصطناعي التي صنعناها قد اكتسبت نفس عاداتنا السيئة في ادعاء المعرفة. فعندما لا تعرف هذه النماذج الإجابة على سؤال ما، كونها لا تستطيع الوصول إلى الإجابة، فإنها غالبًا ما تختلق الإجابة بدلاً من أن تقول ""لا أعرف"". وعندما اختبرت شركة (OpenAI) نموذجها (03)، وجدت أن النموذج أعطى إجابات واثقة عن صور غير موجودة أصلا بما نسبته 86.7% من الأسئلة.

الحقيقة أننا سنفقد أشياء كثيرة إذا لم تكن لدينا الشجاعة بالاعتراف بعدم المعرفة.

أولا، ستفوتنا فرصة التعلم. إذ أن معظم الخبراء الحقيقين كرماء جدا بعلمهم عندما تطرح عليهم أسئلة فضولية جادة. وقد بدأت بعض مشاريعي الصحفية بسؤال مثير للاهتمام طرحته على الخبراء ولم أكن أعرف إجابته عندما بدأت.

ثانيا، هناك مخاطرة شخصية بتقويض مصداقيتك المهنية عندما تدعي معرفة ما لا تعرفه. ربما مررنا جميعًا بتجربة كهذه في مرحلة ما عند العمل مع نوع متعالم من القادة والمسؤولين عندما تجده يتدخل في مجال تخصصي مختلف عن مجاله الأصلي، ولكنه يتمادى بالحديث عما لا يعرفه، وتدرك في نفسك أنه لا يعرف ما يتحدث عنه! قطعًا، سيساورك الشك مستقبلا في كل موضوع يتحدث عنه حتى لو كان محقاً فيه.

ويبدو أن شركات الذكاء الاصطناعي منتبهة بشكل خاص لهذا المأزق المعرفي. وتدرك أن أدواتها ستكون ذات فائدة محدودة في قطاعات متخصصة جدًا مثل القانون والطب إذا تمادت في إعطاء إجابات واثقة ولكنها فعليا خاطئة، والجهود جارية لتعليم نماذج (LLMS) كيف تقول ""لا أعرف""، أو على الأقل أن تعبر عن مستوى ثقتها في إجابة معينة. وتقول شركة (OpenAI) إنها دربت نموذجها الجديد (5-GPT) على ""التعبير عن الفشل بأسلوب دبلوماسي عند طرح مهام لا يمكنها حلها"".

لكن ليس من السهل حل هذه المشكلة بشكل كامل. والسبب الأول أن نماذج اللغات الكبيرة ليس لديها مفهوم ""الحقيقة"". أما السبب الثاني فإن هذه النماذج قد تم تدريبها من بشر مثلنا منغمسين في ثقافة ادعاء المعرفة التي أشرنا لها. وتصرح شركة (OpenAI) بالمشكلة أنه خلال تدريب هذه النماذج ومن أجل تحقيق مكافأة عالية أثناء التدريب، قد تتعلم النماذج الكذب والادعاء بإكمال مهمة بنجاح، أو تظهر أنها واثقة بشكل مفرط في إجابة غير مؤكدة"".

ربما لم نصل بعد إلى نماذج الذكاء الاصطناعي التي تحقق احتياجنا الحقيقي، لكنها فيما يظهر أنها تمثل الأدوات التي نستحقها وفقا لعاداتنا السيئة في الادعاء المعرفي!

المصدر

مقالات ذات صلة