من متطلبات الكهرباء اللازمة لبناء وتشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، إلى البرمجيات، والخدمات، والرواتب المطلوبة لإدارة الحلول على نطاق واسع، تُعد التكلفة عاملًا جوهريًا عند الحديث عن الذكاء الاصطناعي.
فقد أنفقت Google مبلغ 8 مليارات دولار أمريكي في الربع الثالث من عام 2023 وحده، وكان الذكاء الاصطناعي الدافع الرئيسي لهذا الإنفاق.
أما تدريب نموذج GPT-4 التابع لشركة OpenAI فقد تطلّب 78 مليون دولار من طاقة الحوسبة، بينما بلغت تكلفة تشغيل نموذج Gemini Ultra من Google نحو 191 مليون دولار.
ويُشكّل العتاد (Hardware) مصدرًا رئيسيًا للتقلبات في الأسعار، لا سيما الطلب المتزايد على وحدات معالجة الرسوميات (GPUs).
يقول كولينز:
""الذكاء الاصطناعي مكلف جدًا، ليس فقط في تطوير النماذج وتدريبها، بل أيضًا في التشغيل وتكاليف العتاد، وخصوصًا وحدات الـGPU. الوحدات الأحدث أغلى ثمناً، يصعب الحصول عليها، ولها عمر افتراضي محدود مما يستدعي تكاليف رأسمالية متكررة.""
ويضيف:
""الذكاء الاصطناعي ليس رخيصًا. الكثير من عملائنا يُصابون بالدهشة عندما يدركون حجم البنية التحتية اللازمة لتحقيق الأداء المطلوب.""
ورغم أن شركات التكنولوجيا تتحمّل الجزء الأكبر من الإنفاق على العتاد والحوسبة في سباقها نحو التفوق في السوق، إلا أن الشركات الأخرى لا مفر لها من مواجهة تكاليفها الخاصة، خاصة في مجالات مثل إدارة البيانات والمراقبة، والتي نادرًا ما تكون مضمنة في النماذج اللغوية العامة منخفضة التكلفة.
كما يتعين عليها أيضًا الاستثمار لضمان الامتثال للمتطلبات التنظيمية، وغيرها من الجوانب المتعلقة بالأمان والحوكمة.
كما يجب على الشركات أيضًا تخصيص ميزانية للصيانة والامتثال للوائح التنظيمية الخاصة بكل شركة، بما يضمن بقاء الأنظمة التي تقوم ببنائها محدثة وملائمة لحالات الاستخدام المستهدفة.
ويشمل ذلك أيضًا تغطية تكاليف الطاقة المتزايدة الناتجة عن تشغيل حلول الذكاء الاصطناعي.
أما على مستوى المواهب، فالتكلفة تتضمن إما توظيف خبراء في الذكاء الاصطناعي أو تأهيل وتدريب الكفاءات الداخلية.
توقعات الإنفاق
تشير الاستطلاعات إلى أن الشركات الأكبر من حيث الإيرادات هي الأرجح أن يكون لديها تطبيقات فعلية للذكاء الاصطناعي، مما يُلمّح إلى أن القيود المالية قد تُبطئ تبني الشركات الصغيرة والمتوسطة لهذه التقنيات.
وتُظهر تحليلات شركة CCS Insights أن التكلفة ستُسهم في تباطؤ تبنّي الذكاء الاصطناعي التوليدي طوال عام 2024.
ومع تراجع الضجة الإعلامية، قد يُصبح صنّاع القرار أكثر حذرًا، لا سيما أن عوائد الإنتاجية من الذكاء الاصطناعي التوليدي قد لا تظهر إلا بعد سنوات.
وتؤكد نتائج استطلاعنا هذا الاتجاه، حيث وجدنا صلة واضحة بين حجم الشركة ومستوى إنفاقها.
فقد كانت القيود الميزانية هي العائق الأكبر أمام سرعة تنفيذ الذكاء الاصطناعي بالنسبة للشركات المتوسطة (ذات الإيرادات السنوية بين 500 مليون دولار و1 مليار دولار)، إذ أشار 47% من المشاركين من هذا الشريحة إلى هذه المشكلة، مقارنةً بمتوسط 22% بين جميع المشاركين.
وهذا يشير إلى وجود شريحة ""عالقة في المنتصف"" من الشركات: فهي تحتاج لتبنّي الذكاء الاصطناعي للبقاء قادرة على المنافسة، ولكن تكاليف الدخول مرتفعة جدًا بالنسبة لها.
وحتى الآن، أبقت معظم الشركات إنفاقها على جاهزية الذكاء الاصطناعي عند مستويات ثابتة، مع ملاحظة أن الشركات الكبرى هي الأكثر احتمالًا لزيادة الإنفاق (كما هو موضح في الشكلين 2 و3).
ومع ذلك، تتوقع غالبية الشركات تعزيز الإنفاق خلال العام المقبل، حيث يتوقع 9 من كل 10 زيادة استثماراتهم بنسبة لا تقل عن 10%، ويتوقع ثلث الشركات زيادة الإنفاق بنسبة تصل إلى 49% في مجالات مثل البيانات، والاستراتيجية، والتغيير الثقافي (انظر الشكل 4).
""الذكاء الاصطناعي ليس رخيصًا. الكثير من عملائنا يُصابون بالدهشة عندما يدركون حجم البنية التحتية التي يحتاجونها لتحقيق الأداء الذي يتطلعون إليه.""
— كيفن كولينز، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة Charli AI
مع بدء الشركات في ضبط استثماراتها في الذكاء الاصطناعي، فإن ديناميكيات التكلفة ستتغير بالتأكيد.
فلا شك أن الابتكار سيُسهم في خفض التكاليف من خلال تحسين الكفاءة، كما أن منحنى تكلفة الحوسبة سينخفض تدريجيًا مع قيام الشركات الناشئة والكبرى بمعالجة قصور العتاد والنماذج الحالية.
قياس العائد على الاستثمار
لكي تتمكن المؤسسات من تقييم التكاليف المالية للذكاء الاصطناعي، لا بد أن تطور منهجيات قوية ومرنة لقياس العائد على الاستثمار (ROI)، بحيث لا تقتصر على حساب مكاسب الكفاءة الناتجة عن أتمتة المهام الروتينية، بل تشمل أيضًا القيمة الجديدة التي يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلقها.
وقد بدأت بعض الشركات فعليًا بقياس الوفورات التي يحققها الذكاء الاصطناعي.
فعلى سبيل المثال، طوّرت شركة Motorola إطارًا لقياس عدد الساعات التي يتطلبها إنجاز مهمة معينة باستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي ومقارنتها بنفس المهمة بدون الذكاء الاصطناعي.
أما شركة Klarna السويدية للتكنولوجيا المالية، فقد قدّرت إنتاجية الذكاء الاصطناعي التوليدي لديها بما يعادل عمل 700 موظف في خدمة العملاء.
لكن كما تقول Amy Machado، فإن التوجه الفكري بدأ يتغير:
""بدأت الشركات تنظر إلى الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتعزيز النمو في الإيرادات، وليس فقط كأداة لخفض التكاليف.""
ومع ازدياد إنتاجية الموظفين، تظهر فرص جديدة يصعب أحيانًا قياسها كمًّا.
فعلى سبيل المثال، يتيح الذكاء الاصطناعي لعلماء البيانات استكشاف أفكار جديدة وتطوير منتجات مبتكرة. كما أن أتمتة المهام الروتينية عبر أدوات ""المساعد الذكي"" (copilots) يمكن أن تخفف أعباء العمل، وتقلل الإرهاق، وتمنح الموظفين وقتًا أكبر للتركيز على المهام الإبداعية.
ومع انتشار الذكاء الاصطناعي على مستوى المؤسسات، ستتغير أيضًا توقعات الموظفين.
فخبراء الذكاء الاصطناعي اليوم يضعون محتوى العمل المثير والمشاريع الريادية على رأس أولوياتهم الوظيفية، على عكس الباحثين عن الوظائف التقليدية.
تُقارن شركة الاستشارات PwC بين نوعين من العائد على الاستثمار:
العائد الملموس (Hard ROI) مثل الوقت الموفر وزيادة الإنتاجية
والعائد غير الملموس (Soft ROI) مثل تحسين تجربة الموظف والقدرة على الاستجابة بمرونة للفرص الجديدة.
وبالتالي، فإن قياس العائد الحقيقي من الذكاء الاصطناعي يتطلب مؤشرات أبعد من المقاييس المالية التقليدية.
فعلى سبيل المثال، يشير كولينز إلى أن أدوات مثل تلك التي تقدمها شركة Charli AI تُحدث فارقًا كبيرًا في قدرة الشركات على فهم بياناتها وتحليلها بفعالية أكبر.
""التفكير يتحوّل نحو استخدام الذكاء الاصطناعي كوسيلة لزيادة الإيرادات، وليس فقط كأداة لتقليل التكاليف.""
— إيمي ماتشادو، مديرة أبحاث أولى، IDC
