سمير هاشمي - مراسل BBC الشون الاقتصادية
عندما حطّ دونالد ترامب في دولة الإمارات العربية المتحدة مطلع هذا العام، لم يكن محمّلًا فقط بالعناوين العريضة، بل جاء حاملًا معه صفقات طموحة، ورؤية استراتيجية، وقوة تكنولوجية تتمثل في الذكاء الاصطناعي.
وقد لقي الرئيس الأمريكي استقبالًا رسميًا فخمًا، لكن الحدث الأبرز في الزيارة كان الإعلان عن إنشاء حرم جامعي ضخم للذكاء الاصطناعي، كمبادرة مشتركة بين الإمارات والولايات المتحدة.
وصف هذا المشروع بأنه أكبر مركز لبنية الذكاء الاصطناعي التحتية خارج الولايات المتحدة، وقد شكّل خطوة جريئة من دول الخليج لتثبيت موقعها على خريطة الذكاء الاصطناعي العالمية.
كما تزامنت زيارة ترامب مع تحوّل استراتيجي في الموقف الأمريكي، حيث خففت واشنطن القيود على تصدير أقوى رقائق المعالجة من شركة ""نفيديا"" إلى كل من الإمارات والسعودية.
وجاء هذا القرار ليؤكد على تنامي قناعة الولايات المتحدة بأهمية دول الخليج كشركاء رئيسيين في تحالف تقني أوسع.
وتسعى دول الخليج اليوم إلى توظيف صناديقها السيادية وموقعها الجغرافي وميزتها في الطاقة (النفط) لتتحول إلى مراكز إقليمية وعالمية للذكاء الاصطناعي، إذ باتت التكنولوجيا في صميم رؤاها الرامية إلى تقليل الاعتماد المستقبلي على عوائد النفط.
وتتصدّر الإمارات هذا التوجه، حيث تلعب مراكز البيانات دورًا محوريًا في هذه الاستراتيجية. فقد أعلنت أبوظبي عن إنشاء مجمّع ضخم لمراكز البيانات لصالح شركة OpenAI وشركات أمريكية أخرى ضمن مشروع ""ستارغيت"".
ويُموَّل هذا المشروع الذي تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات من قبل شركة G42، وهي شركة إماراتية مرتبطة بالدولة وتعدّ من أبرز محركات الطموحات الوطنية في مجال الذكاء الاصطناعي. وستوفر شركة نفيديا شرائحها المتقدمة لتغذية هذا المشروع.
كما تشارك شركات كبرى مثل Cisco وOracle وSoftBank اليابانية في تنفيذ المرحلة الأولى من المشروع بالشراكة مع G42.
ويقول حسن النقبي، الرئيس التنفيذي لشركة ""خزنة"" – أكبر مشغل لمراكز البيانات في الإمارات: ""كما ساعدت طيران الإمارات في جعل الدولة مركزًا عالميًا للسفر الجوي، فإن الإمارات اليوم مؤهلة لأن تصبح مركزًا عالميًا للذكاء الاصطناعي والبيانات.""
وتتولى شركة ""خزنة""، المملوكة في غالبيتها لـ G42، مهمة بناء البنية التحتية لمشروع ""ستارغيت""، وهي تدير حاليًا 29 مركز بيانات في مختلف أنحاء البلاد.
وقد كشف الرئيس ترامب والشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، عن نموذج ثلاثي الأبعاد للحرم الجامعي المشترك في مجال الذكاء الاصطناعي.
وتسعى كل من الإمارات والسعودية إلى استضافة مراكز البيانات اللازمة لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة. ويعلّق محمد سليمان، زميل أول في معهد الشرق الأوسط بواشنطن:
""القدرة الحاسوبية هي النفط الجديد.""
وفي عالم الذكاء الاصطناعي، تشير ""القدرة الحاسوبية"" إلى القوة المعالجة الهائلة التي توفرها شرائح متقدمة ومراكز بيانات ضخمة – وهو المجال الذي تسعى دول الخليج إلى دخوله بقوة من خلال استثمارات بمليارات الدولارات.
وفي هذا السياق الجديد، أصبحت البنية التحتية الرقمية تمثل ""وقود العصر""، كما كان النفط في الحقبة الصناعية.
ويرى سليمان أن الشركات الخليجية التي غذّت الاقتصاد العالمي في القرن العشرين عبر النفط، تسعى اليوم لتقديم ""القدرة الحاسوبية"" كمصدر جديد لتغذية اقتصاد القرن الحادي والعشرين.
وبعد سنوات من ضخ الصناديق السيادية الخليجية لاستثمارات ضخمة في شركات تكنولوجيا أجنبية، بدأت هذه الدول تتحول من مستثمر سلبي إلى لاعب فاعل ومؤثر في هذا القطاع.
ففي السعودية، أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة ""هيومن"" الوطنية للذكاء الاصطناعي، والتي تخطط لإنشاء ""مصانع ذكاء اصطناعي"" تعتمد على مئات الآلاف من شرائح نفيديا خلال السنوات الخمس المقبلة.
أما في الإمارات، فقد دعمت شركة مبادلة مشاريع مثل G42 وMGX – وهو مشروع مشترك يركز على الذكاء الاصطناعي بقيمة 100 مليار دولار، تشارك فيه مايكروسوفت كمزود تكنولوجي رئيسي – إلى جانب مبادرات محلية أخرى.
ويشير حسن النقبي إلى أن موقع الخليج بين آسيا وأوروبا يمنحه ميزة استراتيجية في هذا المجال.
ومع ذلك، لا يزال جذب المواهب العالمية في الذكاء الاصطناعي يمثل تحديًا كبيرًا، ما دفع الإمارات إلى استقطاب الشركات والباحثين من الخارج من خلال حوافز تشمل الإعفاءات الضريبية، والتأشيرات الذهبية طويلة الأمد، وتسهيلات تنظيمية.
ويقول بغداد غراس، مؤسس شركة ناشئة ومستثمر في الذكاء الاصطناعي في الإمارات:
""إن بناء بنية تحتية رقمية وذكاء اصطناعي بمستوى عالمي سيشكل عامل جذب حيوي.""
ومع أن المنطقة لم تُنتج بعد شركة ذكاء اصطناعي عالمية مثل OpenAI أو Mistral أو DeepSeek، ولا تمتلك بعد قاعدة بحثية واسعة، فإن الأسس تُبنى بسرعة.
ويشير غراس إلى أن قلة عدد السكان – نحو 10 ملايين فقط – تمثل تحديًا في تطوير منظومة بحثية كبيرة.
ومع صعود دول الخليج كلاعب طموح في مجال الذكاء الاصطناعي، بات التنافس بين الولايات المتحدة والصين في هذا المجال يظهر جليًا في قلب الصحراء.
وقد أضفت زيارة ترامب زخمًا على الحضور الأمريكي في هذا السباق، وإن جاء ذلك بثمن. فقد اضطرت الإمارات إلى تقليص بعض المشاريع المدعومة من الصين، وتقليل اعتمادها على تقنيات هواوي.
ويؤكد التركيز على صفقات الذكاء الاصطناعي خلال الزيارة على الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لهذه التقنية في السياسات الأمريكية.
فالعلاقة التقليدية بين الولايات المتحدة ودول الخليج، التي كانت تقوم على ""النفط مقابل الأمن""، باتت تتحول الآن إلى معادلة تشمل: الطاقة، والأمن، والتكنولوجيا.
ويقول محمد سليمان من معهد الشرق الأوسط: ""هذه الصفقات لا تتعلق بالخليج بقدر ما تتعلق بالصين. إنها محاولة لضم منطقة الخليج – التي تُعد واعدة في مجال الذكاء الاصطناعي – إلى المنظومة الأمريكية للذكاء الاصطناعي، لتكون جزءًا من فريق أمريكا.""
وتشير ""المنظومة"" هنا إلى سلسلة متكاملة تشمل الشرائح، والبنية التحتية، والنماذج، والبرمجيات – وهي المجالات التي تهيمن عليها الشركات الأمريكية.
ويضيف غراس أن اختيار الإمارات للتحالف مع الولايات المتحدة بدلًا من الصين كان خيارًا عقلانيًا: ""في الوقت الحالي، يتفوق الأمريكيون في هذا المجال، لذا كان من المنطقي أن تراهن الإمارات عليهم.""
لكن وفقًا لتقرير لوكالة رويترز، فإن مشروع ""ستارغيت"" العملاق لا يزال ينتظر موافقة أمنية من واشنطن، بسبب مخاوف من احتمال تورط موظفين أو تقنيات صينية في مراكز البيانات الإماراتية. ومع ذلك، يُتوقع أن المشروع سيمضي قدمًا بدعم قوي من الشركات الأمريكية.
وعلى الرغم من ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي، يحذر سليمان من التقليل من شأن الصين: ""الصينيون يتوسعون بسرعة. لديهم منظومتهم الخاصة في الذكاء الاصطناعي. قد لا تكون بقوة المنظومة الأمريكية، لكنها أقل تكلفة. ولدى كثير من الدول، 'الجيد بما يكفي' يعتبر كافيًا.""
أما في الوقت الراهن، فكل من الولايات المتحدة ودول الخليج تبدوان في وضع رابح من هذا التعاون:
- الولايات المتحدة تعزز مكانتها في مواجهة الصين في مجال الذكاء الاصطناعي والقدرة الحاسوبية.
- ودول الخليج تحصل على شريك قوي يساعدها في بناء بديل حيوي لإيرادات النفط.
المصدر: bbc
