فيما يلي روايتان مختلفتان تمامًا حول الذكاء الاصطناعي، وكلتاهما تتناول استخدامه في أتمتة البرمجة الحاسوبية، لكنهما تقودان إلى نتائج متباينة كليًا.
الرواية الأولى ترى أن النماذج اللغوية الضخمة مثالية للبرمجة، نظرًا لأن الشيفرة المصدرية في جوهرها عبارة عن نص منظم بدقة، وهو بالضبط ما تتقنه هذه النماذج في إنتاجه. هذا التطابق الدقيق بين طبيعة المهمة وقدرات التقنية جعل من مجال البرمجة أول القطاعات التي تتعرض لهزة عنيفة بسبب الذكاء الاصطناعي، وكأنه ضحية أولى في مسار التحول.
وتوجد العديد من الشواهد الحديثة التي تدعم هذا التصور. منها أن بعض القيادات في مجال الذكاء الاصطناعي أفادوا بأن أدوات البرمجة المدعومة بالذكاء الاصطناعي خفّضت وقت إنجاز المهام من عدة أيام إلى ساعات قليلة، بل ويُلزمون فرقهم باستخدامها نظرًا لما توفره من سرعة مذهلة في تصحيح الأخطاء وإطلاق البرمجيات.
صحف ومجلات تقنية بارزة صرّحت بثقة أن الذكاء الاصطناعي ""غيّر كل شيء"" في عالم هندسة البرمجيات، بينما نقلت تقارير استثمارية تحذيرات عن فقدان عشرات الآلاف من الوظائف في قطاع التقنية نتيجة لهذا التقدم السريع، وأشارت إلى أن مؤسسات بارزة كانت من بين أوائل الجهات التي قامت بتقليص أعداد موظفيها، مبرّرة ذلك بأن الذكاء الاصطناعي قلّص الحاجة إلى الأيدي العاملة.
حتى المجال الأكاديمي لم يَسْلم من هذه الموجة. أحد المقالات تحدث عن ""انفجار وشيك لفقاعة علوم الحاسوب""، ملقيًا باللوم على الذكاء الاصطناعي، وواصفًا إياه بأنه التقنية المثالية لاستبدال الأشخاص الذين ابتكروه في الأصل.
وبهذه النبرة، قد يبدو أن مهنة البرمجة في طريقها للزوال، كما حدث لمهن تقليدية أخرى في الماضي. لكن عند النظر في روايات موازية ظهرت في نفس الفترة، تتبدى صورة مغايرة تمامًا.
إحدى الدراسات التجريبية المحكمة اختبرت أداء مطوّرين متمرسين، حيث أُجريت مقارنة بين من استخدموا أدوات الذكاء الاصطناعي ومن لم يستخدموها. وجاءت النتيجة مفاجئة: من استعانوا بهذه الأدوات استغرقوا وقتًا أطول بنسبة 19% — أي أن الذكاء الاصطناعي جعل الأداء أبطأ في هذه الحالة.
في المقابل، بدأ مطوّرون وخبراء تقنيون في التشكيك بالادعاءات الكبيرة حول الأثر القريب للذكاء الاصطناعي. أحدهم شبّه التخلي عن البرمجة حاليًا بسبب هذه الأدوات بالتخلي عن النجارة لمجرد اختراع منشار كهربائي. وآخر عبّر عن قلقه من تأثير هذه السرديات على المبتدئين، معتبرًا أن ما يُروَّج له يثبط عزيمة من بدأوا لتوّهم رحلتهم في تعلم البرمجة.
أما عن الأخبار المتداولة بشأن استبدال الموظفين بأدوات الذكاء الاصطناعي، فالتدقيق في بعض الحالات يكشف عن أسباب أخرى وراء قرارات تقليص عدد الموظفين — مثل إعادة هيكلة داخلية أو تحويل الموارد نحو استثمارات جديدة — لا علاقة مباشرة لها بإحلال الآلات محل البشر.
حتى انخفاض أعداد طلاب علوم الحاسوب له تفسيرات أخرى. فالمجال، مثل غيره، يتأثر بدورات السوق. ومع انكماش القطاع التقني بعد فورة إنفاق رافقت سنوات الجائحة، من الطبيعي أن يتراجع الإقبال. ولكن تاريخ هذا التخصص يُظهر أن كل انخفاض سابق تبعه ارتفاع تجاوز ما كان قبله.
هكذا نرى أن الموقف من الذكاء الاصطناعي يتأرجح بين نقيضين، حسب المقالات التي نقرأها والآراء التي نصغي إليها. فما الذي يمكن استخلاصه وسط هذا التضارب؟ ببساطة، لا أحد يعرف يقينًا ما الذي سيؤول إليه الأمر. ومع ذلك، يتحدث الجميع وكأنهم يملكون الحقيقة.
والنصيحة الأفضل في الوقت الراهن:
لا تنجر وراء الخطابات المتحمسة بشدة ولا تلك المتشائمة بإفراط.
ركّز على التغيّرات الفعلية في المجالات التي تهمك والتي يظهر فيها ارتباط واضح بالذكاء الاصطناعي. اقرأ من مصادر متنوعة وتحدث مع من تثق برأيهم.
وبشكل عام، تابع أخبار الذكاء الاصطناعي بحذر. فالمجال لا يزال في بداياته، ولا أحد يملك تصورًا واضحًا تمامًا لما يجري.
