القائمة الرئيسية

فهم دماغ الشخصية القلقة

فهم دماغ الشخصية القلقة
ملخص المقال

يروي المقال قصة دراسة طويلة قادها عالم النفس جيروم كاغان بدأت عام 1989 لتقصّي العلاقة بين المزاج الفطري والقلق، وارتكزت على تتبع استجابات الأطفال لمحفزات جديدة منذ الطفولة وحتى البلوغ. أظهرت الطفلة رقم 19، التي مثلت نقطة تحول في الدراسة، استجابة شديدة التفاعل، وهو ما اقترن لاحقًا بسمات شخصية قلقة. أكدت الدراسات أن حوالي 15–20% من الأطفال يولدون بمزاج شديد التفاعل، ما يجعلهم أكثر عرضة للقلق لاحقًا، إلا أن هذا المزاج لا يؤدي بالضرورة إلى اضطراب نفسي، بل يتأثر بالسياق والبيئة والدعم والتكيف. كشفت أبحاث التصوير الدماغي عن اختلافات فسيولوجية لدى هؤلاء الأطفال، مثل فرط نشاط اللوزة الدماغية وسماكة قشرة الفص الجبهي، لكن العلاقة بين هذه العلامات والسلوك الفعلي معقدة وغير حتمية. يسلّط المقال الضوء على التفاعل بين العوامل البيولوجية والبيئية، وعلى قدرة بعض الأشخاص على تجاوز ميولهم القلقة عبر التكيف والدعم، مؤكدًا أن المزاج لا يحدد المصير، بل يخلق ميلاً يمكن تغييره.

من نيويورك تايمز

جاءت لحظة الإدراك لجيروم كاغان عندما وصل للطفلة رقم 19، إذ بدأ كاغان -أستاذ علم النفس في جامعة هارفارد- عام 1989م بدراسة مطوّلة عن المزاج وتأثيراته، فالمزاجُ شيء معقد ومتعدد الطبقات، ومن أجل تقديم نتائج واضحة، تتبع كاغان المزاج عبر بُعد واحد: ما إذا كان الأطفال ينزعجون بسرعة عند عرض أشياء جديدة عليهم. لقد اختار هذه الخاصية لأنها قابلة للقياس، ويبدو أنها تفسر كثيرًا من الاختلافات البشرية الطبيعية، فقد شكّ بعد إكمال دراسة أخرى على الأطفال الصغار في أن الأطفال الأكثر اضطرابًا هم أكثر عرضة لأن يتسموا بالقلق والخجل عندما يكبرون. متحمسًا لاستخلاص النتائج المبدئية، بدأ بمشاهدة مقاطع الفيديو لأوائل الأطفال الذين خضعوا للدراسة؛ بحثًا عن السلوك العصبي الذي وصفه لاحقًا بأنه يشير إلى “التفاعل الشديد”.

إلا أنه لم يجد أي سلوكيات تشير إلى “التفاعل الشديد” في الثمانية عشر الأوائل؛ إذ كانوا يحدقون بهدوء في الأشياء غير المألوفة، إلا أن الطفلة التاسعة عشر كانت مختلفة، فقد أظهرت الانزعاج من غير المألوف، -انزعجت من الأصوات الجديدة، وأصوات الأشخاص غير المألوفة، والألعاب الجديدة، والروائح الغريبة- وأظهرت ذلك الانزعاج عن طريق تحريك ساقيها وتقويس ظهرها والبكاء. هذا ما كان يبحث عنه كاغان ولم يكن متأكدًا من أنه سيجده: طفلٌ ينهار عند عرض أي شيء جديد عليه.

كبرت الطفلة رقم 19 لتُأكد فرضية كاغان. في الصيف الماضي، عرض عليّ كاغان مقطع فيديو لها من عام 2004م، عندما كانت تبلغ من العمر 15 عامًا. جلسنا في إحدى غرف قاعة ويليام جيمس في جامعة هارفارد، وهو مبنى سُمي بالصدفة نسبة إلى عالم النفس الذي عاش في القرن التاسع عشر، والذي وصف صراعاته مع القلق بأنها “كالرعب الرهيب في معدتي، يدفعني إلى الشعور بعدم الأمان في الحياة”. كان كاغان ضئيلًا وأصلع الرأس ويرتدي نظارة طبية، ولا يتصرف بطريقةٍ توحي بأنه يبلغ من العمر 80 عامًا، إلا أنه أحد أكثر علماء النفس التنموي تأثيرًا في القرن العشرين.

على الشاشة، كانت الطفلة رقم 19 مراهقة ذات مظهر عادي تختبئ خلف شعرها الطويل الداكن. تبدأ المقابلة -التي أجريت مع الأطفال جميعهم البالغين من العمر 15 عامًا آنذاك في الدراسة المطولة- بأسئلة حول المدرسة. تجيب بصوت خافت أن لديها عددًا قليلًا جدًا من الأنشطة غير المتعلقة بالدراسة، لكنها تحب الكتابة والعزف على الكمان. كانت تتململ بطريقة مستمرة تقريبًا في أثناء حديثها، تلعب بشعرها وتلمس أذنها وتهز ركبتها. قال لي كاغان وهو يقف بالقرب من الشاشة حتى يتمكن من تسريع الفيديو ليصل إلى الأجزاء الجيدة: “هذا ما ينتج عن طبيعتها شديدة التفاعل”.

وصلنا أخيرًا إلى أحد الأجزاء الجيدة: سُئلت الطفلة رقم 19 عمّا يقلقها.

بعد توقف طويل، أجابت: “لا أدري”، وهي تلعب بشعرها بشكل أسرع وتلمس وجهها وركبتيها. ابتسمت قليلًا، وهزّت كتفيها، ثم توقفت للحظات قبل أن تبدأ بالبوح بقائمة المشكلات: “أقلق عندما لا أعرف تمامًا ما يجب فعله، يكون الأمر مربكًا حقًا وأشعر بعدم الارتياح، خاصةً إذا كان الأشخاص من حولي يعرفون ما يفعلونه. أفكر دائمًا، هل يجب أن أذهب إلى هنا؟ هل يجب أن أذهب إلى هناك؟ هل أنا أعترض طريق شخص ما؟ أشعر بالقلق بشأن عديد من الأشياء، مثل إنجاز المشاريع، وأفكر، هل سأنجح في إنجازها؟ وكيف سأفعل ذلك؟ أشعر بالتوتر الشديد بشأن ما سأفعله وأقوله، وما سيفعله ويقوله الآخرون عندما أكون في وسط حشد كبير”. ضغطت على يديها وقالت: “أقلق عندما أفكر في كيف سأتعامل مع العالم عندما أكبر، وهل سأحقق شيئًا له مغزى؟”.

انخفض صوتها وهي تُعرب عن رغبتها في أن تحدث فرقًا، وتشعر بالقلق بشأن ما إذا كانت ستحقق ذلك أم لا، “لا أستطيع التوقف عن التفكير في ذلك”.

شعر كاغان بإثارة إعادة الاكتشاف وهو يشاهد هذا المقطع مرة أخرى، إذ جلست أمام عدسة الكاميرا الفتاة الصغيرة التي جسدت له في طفولتها ما يعنيه أن يكون القلق في فطرتك. استمر كاغان في العثور على عديد من هؤلاء الأطفال شديدي التفاعل، وشاهد عددًا كبيرًا منهم يواجه مشكلة القلق، أو مشكلات أخرى في أثناء نُموهم.

يُمكن لسطحية الحياة الحديثة أن تُرهق أي شخص، وعند النظر في الأزمات التي نعيشها يوميًا -إذ يفقد الآلاف وظائفهم ومنازلهم، ويتعرض مستقبلنا للتهديد من كل شيء، بدءًا من نقص الأجور ووصولًا إلى ظاهرة الاحتباس الحراري- غالبًا ما يبدو الأمر كأنّ عصرنا هو “عصر القلق”. لكن بعض الناس، بصرف النظر عن مدى ثرائهم أو مدى صحة أطفالهم، يستعدون ذهنيًا للأسوأ على الدوام. لقد وُلدوا قلقين، ودائمًا ما تتوقع أدمغتهم حدوث كارثة. على مدى السنوات العشرين الماضية، تابع كاغان وزملاؤه المئات من الأشخاص بدءًا من مرحلة الطفولة لمعرفة ما يحدث لأولئك الذين يعانون من قلقٍ متأصل، والآن بعد أن وصل هؤلاء الأطفال لمرحلة البلوغ، قدّمت الدراسات معلومات جديدة حول الشخصية القلقة.

أدّت هذه النتائج لافتراضات مثبتة حول المزاج الفطري؛ إذ أثبت علماء النفس أن بعضًا منا يولد قلقًا -مثل الطفلة رقم 19- أو بطريقة أكثر دقة، يولد بميول قلقة. يتم الآن إجراء أربع دراسات مطولة مهمة: اثنتين في جامعة هارفارد بدأهما كاغان، واثنتين في جامعة ميريلاند تحت إشراف ناثان فوكس، وهو طالب دراسات عليا سابق درسه كاغان. مع اختلافات طفيفة، توصلت الدراسات كلّها إلى استنتاجات مماثلة: أن الأطفال يختلفون وفقًا لمزاجهم الفطري، وأن 15% إلى 20% منهم يتفاعلون بشدة مع الأشخاص أو المواقف الجديدة، وأن الأطفال شديدي التفاعل أكثر عرضة للاتسام بشخصيات قلقة في الكبر.

أظهرت الدراسات كذلك أن السلوك المرتبط بالمزاج الفطري لا يستمر دائمًا على الرغم من عدم تغيّر المزاج الفطري. كثيرًا ما يتحدث كاغان عن الطرائق الثلاث لتحديد المشاعر: حالة الدماغ الفسيولوجية، والطريقة التي يصف بها الفرد شعوره، والسلوك الذي يؤدي إليه ذلك الشعور. لا تُثير كل حالة دماغ التجربة الذاتية نفسها؛ فقد يصف أحد الأشخاص دماغه شديد التفاعل بطريقة سلبية، كمحفز للشعور بالقلق أو التوتر، في حين قد يستمتع شخص آخر بهذا الإحساس، ويستخدم بدلًا من ذلك كلمات إيجابية مثل “أشعر بالتنبيه”. كذلك كل حالة دماغية لا تثير السلوك المتأصل نفسه: فقد يكبت بعض الأشخاص المشاعر السيئة ويتصرفون بشكل طبيعي، في حين قد يضعُف الآخرون أمام مشاعرهم، ولكن في حين أن السلوك والتجربة الذاتية المرتبطة بشعور مثل القلق قد تكون تحت سيطرة وعي الشخص، حالة الدماغ الفسيولوجي عادةً لا تكون كذلك، وهذا ما يسميه كاغان “الظل الطويل للمزاج”. أكبر الأشخاص شديدي التفاعل في دراسات كاغان وفوكس، مثل الطفلة رقم 19، هم في العشرينيات من عمرهم الآن، وبالنسبة لعديد منهم، بصرف النظر عن مدى تمكنهم من تجنب الظهور بمظهر قلق أمام شخص غريب، ما تزال مخاوفهم تبقيهم مستيقظين في الساعة الثالثة فجرًا. يلازمهم القلق، وتظل أدمغتهم اللاواعية مضطربة وشديدة اليقظة، وغير قادرة على تشتيت الانتباه بعيدًا عن التهديدات المتصورة التي ليست موجودة بالفعل.

إن القلق لا يماثل الخوف؛ لأن الخوف يتركز على شيء أمامك مباشرةً، خطر حقيقي ومادي. أما القلق فهو خوفٌ جامح، أيْ: شعور عام بالخوف من شيء يبدو خطيرًا بالنسبة لك، لكنه في الحقيقة ليس خطيرًا، وقد لا يكون موجودًا حتى، وإذا كنت من الشخصيات القلقة، فستجد صعوبة في إبعاد نفسك عن هذا الشعور، وستصبح محاصرًا في حلقة لا نهاية لها من “ماذا لو”.

وصفت الصحفية باتريشيا بيرسون في كتابها بعنوان: A Brief History of Anxiety (Yours and Mine) (تاريخ موجز للقلق (قلقك وقلقي)) هذا المستنقع العاطفي وصفًا مثاليًا: “كنت جسدًا مجردًا من الروح، ذاتًا هشة بشعة. لقد خضعت لاختبار الإيدز. لقد فحصت شاماتي. توهمت وجود آلام في ظهري. كنت أشعر بالغثيان، وكنت أشعر بالقلق من الإصابة بالسرطان، وبدأت أقرأ الأعراض بقلق شديد. كنت أستلقي في السرير كلما أمكنني ذلك، محاوِلةً إسكات صخب الرعب بالنوم”.

عندما يبدأ “صخب الرعب” في التدخل في العيش، كما حدث مع بيرسون عندما كانت تغطي الجرائم في أوائل الثلاثينيات من عمرها، يتحول القلق إلى اضطراب القلق السريري، والذي قد يظهر في عدة أشكال: الذعر، القلق الاجتماعي، الرهاب، الوسواس القهري، اضطراب ما بعد الصدمة، والشكل الأكثر عمومًا المتمثل في اضطراب القلق العام. هذه الأشكال مجتمعة تجعل من القلق المرض العقلي الأكثر شيوعًا في الولايات المتحدة، إذ يؤثر على ما يقدر بنحو 40 مليون بالغ، وفقًا للمعهد الوطني للصحة العقلية، ولا يشمل هذا العدد المجموعة الأكبر بكثير من الأشخاص الذين يعانون من القلق العادي، والأشخاص الذين يضطربون عندما يتأخر طفلهم، والذين يشعرون بالقلق عندما يسمعون صفارة الإسعاف الذي يتجه نحو منزلهم، والمتيقنين أن أي مكالمة هاتفية تأتيهم في منتصف الليل تعني وفاة شخص ما.

وفي الدماغ، يمكن إرجاع هذه الأفكار -في كثير من الأحيان- إلى فرط التفاعل في اللوزة الدماغية، وهو موقع صغير في منتصف الدماغ، تتمثل إحدى وظائفه في الاستجابة للأحداث الجديدة والتهديد. عندما تعمل اللوزة الدماغية كما ينبغي، فإنها تنظم الاستجابة الفسيولوجية للتغيرات في البيئة. تتضمن هذه الاستجابة زيادة قوة الذاكرة للتجارب العاطفية والخفقان المألوف في أثناء استجابتك للطوارئ. ولكن بالنسبة للأشخاص الذين يولدون بشبكة عصبونية غير اعتيادية، مثل عينة الأشخاص في دراسة كاغان، تكون اللوزة الدماغية شديدة التفاعل وحساسة مثل ضوء كاشف الحركة الذي يعمل عندما لا يتحرك شيء سوى قطرات المطر. يتسم الأطفال الذين يعانون من هذا التقلب في المزاج بخصائص فسيولوجية أخرى يرتبط كثير منها بفرط التفاعل في اللوزة الدماغية، إذ يتمتعون بنشاط أكثر في النصف الأيمن من الدماغ، وهو نصف الدماغ المرتبط بالمزاج السلبي والقلَق والزيادة في معدل ضربات القلب واتساع حدقة العين استجابةً للتوتر، كما يرتبط في بعض الأحيان بمستويات أعلى من هرمونيْ التوتر الكورتيزول والنورإبينفرين.

لكن وجود علامات القلق جميعها قد لا يؤدي بالضرورة إلى الشخصية القلقة. قال لي كاغان: “حالة الدماغ لا تعني دائمًا وجود اضطراب. قد توجد حالة الدماغ، وتوجد عبارة ’أنا قلق‘، إلا أن الارتباط غير كامل”. كما ذكر إمكانية معاناة شخصين من المستوى نفسه من القلق، لكن الشخص الذي لديه عمل مثير للاهتمام لإلهاء نفسه عن مشاعر التوتر قد يكون بخير، في حين يقضي الشخص الآخر الذي فقد وظيفته توًّا طوال اليوم في المنزل في حالة من الاضطراب، وقد يكون أسرع في الوصول إلى نقطة يصبح فيها صخب الرعب غامرًا. يكمن الأمر كله في السياق والتفسير والقدرة على صرف انتباهك عن القلق الموجود في داخلك. تحدث هذه الاختلافات أيضًا عندما يكبر شخص ما من كونه طفلًا قلقًا إلى شخص مضطرب أو هادئ. تمثلت أحد أهداف دراسات كاغان وفوكس المطولة في مراقبة تطور قصص حياة هؤلاء الأطفال المتوترين.

تُعد دراسة فرامنغهام للقلب -التي رسخت فكرة عوامل الخطر- دراسة مطولة جوهرية كثيرًا ما يُستشهد بها؛ إذ تمثل المعيار، وبالاستفادة من دراسة فرامنغهام، اكتشف العلماء أن ارتفاع ضغط الدم كان عامل خطر للإصابة بأمراض القلب والأوعية الدموية؛ إذ تمت متابعة الخاضعين للدراسة لمدّة كافية لاكتشاف أن أولئك الذين يعانون من ارتفاع ضغط الدم في الثلاثينيات والأربعينيات من العمر كانوا أكثر عرضة للإصابة بأمراض القلب في وقت لاحق من حياتهم.

لكن مثل هذه الدراسات تستخلص استنتاجات حول الاحتمالات المبنية على الإحصائيات وليس المصائر الأكيدة، فإن قام شخص مصاب بارتفاع ضغط الدم بعلاجه مبكرًا، فيمكن تقليل خطر الإصابة بأمراض القلب بشكل كبير. وبالمثل، إذا نشأ شخص يعاني من مزاج معرض للقلق في بيئة سليمة، فقد لا يصاب أبدًا باضطراب القلق السريري.

صادف كاغان الدراسات المطولة لأول مرة بعد وقت قصير من حصوله على درجة الدكتوراه من جامعة ييل عام 1954م في أثناء عمله في معهد فيلس للأبحاث في حرم جامعة أنطاكية في أوهايو، إذ كانت تُجرى دراسة مطولة على أطفال الطبقة المتوسطة منذ حوالي 30 عامًا. وجد نفسه في غرفة ضخمة “مليئة بالملخصات التي تصف حالة الأطفال منذ عمر شهر واحد”. عرف منذ ذلك الوقت قيمة هذه البيانات.

وكان من بين هذه الملخصات، التي حولها كاغان وزميله هوارد موس إلى كتاب بعنوان: Birth to Maturity (من الولادة إلى النضج)، أوصاف تشير إلى أن الأطفال يتمتعون بمزاجات فطرية متباينة. تجاهل كاغان هذه النتيجة عمدًا؛ إذ لم تتناسب مع أفكاره ذات الميول اليسارية التي ترى أن الأفراد جميعهم يولدون متماثلين بطبيعتهم، كالصفحات بيضاء، قادرين على تحقيق أي شيء إذا أتيحت لهم الفرص الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية المناسبة. قال لي: “لقد كنت مقاومًا جدًا لفكرة منح علم الأحياء تأثيرًا كبيرًا، لدرجة عدم متابعة الحالات المزاجية الفريدة التي كنت أراها”. استغرق الأمر 20 عامًا من الاستماع إلى الحجج حول تأثير الطبيعة مقابل التنشئة، حتى اقتنع كاغان أخيرًا في احتمالية نسب بعض السلوكيات إلى الجينات.

وبحلول الوقت الذي انتقل فيه كاغان إلى جامعة هارفارد عام 1964م، انتشرت فكرة المزاج الفطري، ويرجع ذلك جزئيًا إلى النتائج التي توصلت إليها دراسة ستيلا تشيس وألكسندر توماس من جامعة نيويورك، التي قسمت الأطفال إلى ثلاث فئات: أطفال هادئون وأطفال مضطربون وأطفال لم يظهروا خصائصهم بسرعة. متذكرًا بيانات معهد فيلس، شرع كاغان في دراسته المطولة حول المزاج. وفي عام 1979م، فحص حوالي 400 طفل في مرحلة ما قبل المدرسة؛ إذ عرّفهم على ألعاب جديدة وأشخاص جدد في غرفة اللعب في المختبر، وصوّرهم بالفيديو ورمّز سلوكهم. صنّف حوالي 15% منهم في المجموعة التي وصفها كاغان بأنها “مقيدة سلوكيًا”: حذرون، هادئون، ويميلون إلى البقاء بالقرب من أمهاتهم. وكان 15% غيرهم “غير مقيدين سلوكيًا”، يتمتعون بالجرأة ويركضون في كل مكان يحاولون تجربة كل لعبة جديدة ويدردشون بسعادة مع المعايِن. يستخدم كاغان إحدى العبارات الوصفية المفضلة لديه عندما يتحدث عن هؤلاء الأطفال: “مفعمون بالحيوية”.

وعلى مدى السنوات الخمس التالية، عاد 107 من هؤلاء الأطفال -نصفهم خجولون ونصفهم جريؤون- إلى المختبر لإجراء مزيد من الاختبارات (لتقليل تأثير الاختلافات البيئية، حصر كاغان عينته على الأطفال البيض من الطبقة المتوسطة الذين تمتعوا بصحة جيدة عند الولادة). سجّل سلوكهم ورمّزه مرة أخرى، وتبين أن المزاج كان يميل إلى الاستقرار في تلك السنوات الخمس، على الأقل بالنسبة للأطفال الذين بدأوا حياتهم بمزاجٍ متطرف، إذ انتقلوا من حالاتهم المتطرفة إلى منطقة وسط بين سن الثانية والسابعة، لكن 3 أطفال فقط من أصل 107 تغيروا بالكامل من “غير مقيدين” إلى “مقيدين” أو العكس. بالإضافة إلى ذلك، أظهر الأطفال البالغون من العمر 7 سنوات من الفئة المقيدة سلوكيًّا بعض الاختلافات الفسيولوجية التي تشير إلى استجابة مبالغ فيها للإجهاد.

نشر كاغان ونانسي سنيدمان وج. ستيفين ريزنيك نتائجهم في مجلة ساينس عام ،988 وقد قادتهم القياسات الفسيولوجية إلى الاعتقاد بوجود تأثير بيولوجي على الشخصية والمزاج. كانت فرضيتهم: الأطفال المقيدون “وُلِدوا مع قدرة تحمل منخفضة” للمنبهات التي تثير مناطق مختلفة في الدماغ، خصوصًا اللوزة الدماغية ومنطقة ما تحت المهاد والمحور الوطائي-النخامي-الكظري، أيْ: الدائرة المسؤولة عن هرمون التوتر الكورتيزول.

على الرغم من أن نتائجهم تبدو بدهيّة تقريبًا اليوم، فإنّها أحدثت ضجة كبيرة في ذلك الوقت. قالت لي سوزان إنجل، عالمة النفس التنموي في كلية ويليامز، عندما ناقشتُ دراسة كاغان معها: “هناك نوعان من الأبحاث الكبيرة: الأبحاث غير البدهيّة التي تظهر لك شيئًا لم تكن لتخمنه بنفسك، والأبحاث التي توضح لك بشكل لا يقبل الجدل ما كان لديك حدس بشأنه؛ ما كنت تعتقد أنه صحيح، لكن لم يكن لديك دليل يدعمه”. كان بحث كاغان من النوع الثاني، وأضافت واصفةً الدراسة: “أجرى [كاغان] تجربة جميلة وأنيقة تُثبت الحدس القديم علميًا”.

لكن الأطفال في الدراسة كانوا في مرحلة ما قبل المدرسة عندما التقى بهم كاغان لأول مرة، أكبر سنًا من اللازم ليحدد مقدار ما يمكن أن يعزوه إلى الطبيعة بدلًا من التنشئة. ألا يمكن أن يُربّى الأطفال المقيّدون بطريقة معينة ليكونوا حذرين، بدلًا من الاعتقاد بأنهم وُلدوا بهذه الطريقة؟ لذلك؛ بدأ كاغان في العام التالي دراسةً جديدة آملًا أن تُجرى في ظروف تحد من التأثيرات البيئية، إذ اختبر أطفالًا رضعًا يبلغ عمرهم 4 أشهر فقط، وخَطط لتصنيفهم وفقًا لمزاجهم ومتابعتهم عندما يكبرون لمعرفة ما إذا كان المزاج في مرحلة الطفولة يتنبأ بأي شيء عن الشخصية اللاحقة.

لكن، كيف يمكن قياس الحالة المزاجية لدى الأطفال الصغار جدًا، في عمر يتساءل فيه الآباء عما إذا كانت الابتسامة تشير إلى السعادة أم إلى الغازات؟ لم يتمكن كاغان من قياس اللوزة الدماغية بشكل مباشر؛ فلجأ للبحث عن علامات اضطراباتها والتي قد تكون ذات معنى -وقابلة للقياس- عند الرضع. ونظرًا إلى ارتباط اللوزة الدماغية بمناطق الدماغ التي تتحكم في النشاط الحركي والجهاز العصبي اللاإرادي (مثل: نبضات القلب والتنفس وغيرها من الأفعال اللاإرادية)، فقد افترض الزيادة في النشاط الحركي والغضب والبكاء، إضافةً إلى زيادة في معدل ضربات القلب والتنفس وضغط الدم، إذا كانت اللوزة الدماغية شديدة التفاعل. 

مثّل إثبات أن بعض القياسات الجسدية يمكن أن تقدم معلومات قيمة حول نفسية الطفل أحد إسهامات كاغان الكبيرة. يقول جوان كوفمان، عالم النفس في جامعة ييل، والذي كان باحثًا مساعدًا في جامعة هارفارد عندما بدأت الدراسة: “كان عمله عميقًا جدًّا، ليس بسبب المتابعة طويلة المدى فحسب، بل بسبب تفكيره في النمط الظاهري السلوكي للمزاج الفطري وتقييمه بمثل هذه الدقة”.

شارك في دراسة كاغان حوالي 500 طفل -كما كان الحال من قبل، جميعهم من البيض ومن الطبقة المتوسطة والأصحاء- وضعهم في مقاعد الأطفال الرضع في مختبره أمام كاميرا فيديو وعرّضهم لسلسلة من المحفزات الجديدة. عرض عليهم رسمة وجه تخطيطية تنبعث منها كلمات بصوت اصطناعي مصمم ليكون (كما وصفه) “غريبًا، لكن ليس مرعبًا”. كما علّق مجسمات بلاستيكية راقصة لشخصيات ويني ذا بوه على سقف المختبر -ليست مخيفة، لكنها جديدة بالنسبة لهم- وقرّب إلى أنوفهم قطعة قطن مغموسة في محلول الكحول المخفف. عُرّضوا للمحفزات الجديدة لمدة 45 دقيقة. حدّق بعض الأطفال بارتياح وهدوء طوال الوقت، في حين تحرك آخرون بطريقة مستمرة، يركلون ويحركون أذرعهم بشكل متقطع، أو يعقدون حواجبهم، أو يقوسون ظهورهم، أو يبكون إذا كانوا منزعجين بشدة.

نظر كاغان ومساعدوه مرة أخرى إلى أشرطة الفيديو ليدققوا في الحركات والصرخات المرمزة، واستنادًا إلى النتيجة النهائية؛ صُنّف كل رضيع على أنه إما منخفض أو شديد التفاعل أو ما بينهما. صنّف الفريق البحثي الأطفال الهادئين بوصفهم أطفالًا منخفضي التفاعل، أولئك الذين يستقبلون الأشياء غير المألوفة بصدر رحب. بينما كان الأشخاص شديدو التفاعل، ومن بينهم الطفلة رقم 19، يضطربون ويتذمرون عند عرض الأشياء غير المألوفة ذاتها عليهم، وبينما كانوا يتلوون في مقاعد الرضع، اتضحت حاجتهم إلى العناية ومدى صعوبة توفير الراحة لهم.

كان حوالي 40% من الأطفال منخفضي التفاعل، وحوالي 20% شديدي التفاعل، وعندما بلغوا عامًا وعامين من العمر، أعاد كاغان معظمهم، بالإضافة إلى أولئك الذين يتمتعون بمزاج معتدل، ليخضعوا إلى الاختبار مرةً أخرى. عاد حوالي نصفهم -بالأخص أولئك الذين كانت حالتهم المزاجية متطرفة- لإجراء مزيد من الاختبارات في سن الرابعة والسابعة والحادية عشر والخامسة عشر، ويستمر النمط حتى يومنا هذا (إعادة إجراء التجربة كل 3 سنوات)، حتى بعد تقاعد كاغان عام 2000م ومتابعة مساعده كارل شوارتز للدراسة، وهو طبيب نفسي للمراهقين في مستشفى هارفارد وماساتشوستس العام اختبر بعض الأطفال الذين خضعوا لدراسة كاغان تحت إشرافه عندما بلغت أعمارهم 18 أو 21 عامًا.

ظهرت أنماط سلوكية معينة منذ التقييمات المبكرة. ففي سن الرابعة؛ كان الأطفال شديدو التفاعل أكثر عرضة بأربعة أضعاف لإظهار سلوكيات مقيّدة مقارنة بالأطفال منخفضي التفاعل. بحلول سن السابعة، ظهرت أعراض القلق على ما يقرب من نصف الأطفال المضطربين -مثل الخوف من الرعد أو الكلاب أو الظلام، أو الخجل الشديد في الفصل الدراسي أو الساحة المدرسية- مقارنة بـ 10% فقط من الأطفال الأكثر هدوءًا. عانى حوالي واحد من كل خمسة أطفال شديدي التفاعل من السلوك المقيّد والخوف بطريقة مستمرة في كل زيارة حتى سن السابعة.

ويقول دانييل باين، طبيب نفسي للأطفال في المعهد الوطني للصحة العقلية: “يختلف مفهوم الخوف من شخص إلى آخر بشكل كبير”. شارك باين في الدراستين المطوّلتين في جامعة ميريلاند؛ إذ عمل على إجراء المقابلات النفسية والتصوير بالرنين المغناطيسي للخاضعين للدراسة في مراحل عدّة، وأضاف أن: “الخوف من الأشياء الاجتماعية يختلف عن الخوف من الأشياء المادية”، فمن المحتمل أن تُسهم دوائر الدماغ نفسها في كليهما، لكن المخاوف المختلفة تميل إلى الظهور في مراحل مختلفة من النمو: الخوف من أشياء مثل: المهرجين أو البالونات أو العناكب يظهر في وقت مبكر، في حين يظهر الخوف من أشياء مثل المواقف الاجتماعية مع الأقران لاحقًا. بالإضافة إلى ذلك، من السهل نسبيًا تجنب الأشياء المادية التي تخيفك، فإذا كنت تخاف من الكلاب، فيمكنك أن تسلك طريقًا مختلفًا إلى المدرسة حتى لا تمر بجوار الكلب الذي يجلس في ذلك الشارع. إلا أنه من الصعب جدًا تجنب المخاوف الاجتماعية، يمكنك تجنب الكلب في طريقك إلى المدرسة، ولكن ما يزال يتعين عليك الذهاب إلى المدرسة.

يميل الأطفال إلى السيطرة على خوفهم بطريقة أفضل مع تقدمهم في السن. بحلول مرحلة المراهقة، انخفض معدل القلق لدى الأشخاص الذين شملتهم دراسة كاغان بشكل عام، بما في ذلك المجموعة المعرضة إلى خطر كبير. وفي عمر 15 عامًا، تصرّف حوالي ثلثي المشاركين شديدي التفاعل في مرحلة الطفولة مثل أي شخص آخر تقريبًا.

كانت ميري إحدى هؤلاء الأشخاص، وهي طالبة في جامعة هارفارد تبلغ من العمر 21 عامًا حاليًا، وكانت في صغرها ضمن المجموعة شديدة التفاعل، ووُصفت بأنها تتسم بالخوف إلى حدٍ ما عندما كانت تبلغ من العمر عامًا وعامين. لم تعدّ نفسها قلقة، بل مطيعة وحرِيصة فحسب. قالت لي عندما تحدثنا عبر الهاتف مؤخرًا: “أتّبع القواعد قدر المستطاع، لكن هذا أمر طبيعي بالنسبة لي، لم يشعرني قطّ بالانزعاج. طالما كنت الطفلة التي تعمل بجد للحصول على درجات جيدة، والتي تنهي واجباتها المدرسية جميعها قبل مشاهدة التلفاز”. كما كانت ميري راقصة باليه بارعة عندما كانت طفلة، مما أعطاها منفذًا لتفريغ طاقتها وإيجاد شيء تتفوق فيه. ربما ساعدت هذه الموهبة، بالإضافة إلى نشأتها فيما أسماه كاغان “بيئة منزلية طيبة”، في تحويل سلوكيات ميري الفطرية المقيّدة إلى شيء أكثر إيجابية. لو تجسّد مزاج ميري شديد التفاعل الآن، سيتمثل في الضمير الحي والانضباط.

وجد كاغان وزملاؤه أن الأشخاص ذوي المزاج المضطرب لا يتخلصون منه عادةً بهذه السهولة، ويبقى كنوع من القلق الخفي، بمنزلة مخبأ سري للمخاوف التي ما تزال تراود مجموعة من الأشخاص شديدي التفاعل، بصرف النظر عن مدى جودة أدائهم ظاهريًا. لا يمكنهم تغيير طبيعتهم تمامًا: بوعي أو بغير وعي، يظلون الأشخاص نفسهم المضطربين في الصغر.

كان أداء معظم الأطفال شديدي التفاعل في دراسة كاغان جيدًا في مرحلة المراهقة؛ إذ حصدوا درجات جيدة وذهبوا إلى الحفلات وكوّنوا صداقات. ومع ذلك، إذا خدشت السطح، ستجد أن كثيرًا منهم -وربما معظمهم- كانوا كالوعاء المليء بالتوتر. أخبرني كاغان: “لا يقول أحد غير الأشخاص شديدي التفاعل عبارات مثل: أشعر بالتوتر في المدرسة، أو أتقيأ قبل تقديم امتحان، أو لا أستطيع النوم في الليلة السابقة لرحلة صفية إلى العاصمة. اضطروا لتقبّل طبيعتهم المتوترة والتعايش معها على الرغم من عدم حبهم لها”. باستخدام مصطلحات عالم النفس كارل يونغ، وصف هذا التناقض بالفرق ما بين شخصية القناع (التجسيد الواعي للشخصية الموّجه نحو المجتمع) والأنيما (الأفكار والمشاعر الذاتية الموّجهة نحو النفس). يمكن التحكم في شخصية القناع، ولكن -في كثير من الأحيان- لا يمكن التحكم في الأنيما.

يقول ناثان فوكس من جامعة ميريلاند إنّه عند تتنشط الأنيما لدى الأطفال المعرضين لخطر القلق، فإنها غالبًا ما تأخذ شكل اليقظة المفرطة والاهتمام الذي لا يوضع في محله. في دراسته المطوّلة الأولى حول المزاج، والتي بدأت عام 1989م، تابع 180 طفلًا من سن 4 أشهر وأعطاهم مجموعة من الاختبارات النفسية العصبية عندما كانت أعمارهم بين 13 و15 عامًا. يقيس أحد الاختبارات، يسمى “spatial-cuing task” (مهمة التحفيز المكاني)، مدى اليقظة والقدرة على صرف الانتباه عن التهديد المتصور. يُعرض لهم وجهين لمدّة وجيزة على شاشة الكمبيوتر، واحد على كل جانب، يبدو الوجه نفسه مخيفًا من جانب ومريحًا من الجانب الآخر. يتلاشى الوجهان، ويظهر سهم على أحد جانبي الشاشة، أحيانًا على الجانب الذي كان عليه الوجه المخيف، وأحيانًا على الجانب الآخر. يجب أن يلحظ الخاضع للدراسة السهم، ويضغط على زر للإشارة إلى ما إذا كان السهم يشير لأعلى أو لأسفل.

كان البالغون الذين يعانون من القلق السريري أسرع في الضغط على الزر الصحيح إذا كان السهم على جانب الشاشة حيث كان الوجه المخيف، وأبطأ إذا كان السهم على الجانب الآخر (لا يظهر البالغون غير القلقين مثل هذا النمط اللاواعي). بالنسبة للأطفال الذين شملتهم دراسة فوكس، أظهر المعرضون للقلق -حتى أولئك الذين يتمتعون بالهدوء ظاهريًا- النمط نفسه عند أداء هذا الاختبار، مع إيلاء مزيد من الاهتمام لجانب الوجه المخيف، سواء قصدوا ذلك أم لا.

وتم التوصل إلى نتيجة مماثلة في اختبار آخر أجراه فوكس يُسمّى: “potentiated startle response” (الاستجابة للخوف المحفّز). في هذا الاختبار، يتم وضع المراهقين أمام شاشة وإخبارهم أنه عندما تكون الشاشة زرقاء، هناك احتمال أن تُدفع نفخة من الهواء باتجاههم -وهو إحساس مفاجئ وغير مريح، لكنه ليس مؤلمًا كما أكد لي فوكس- وعندما تكون الشاشة خضراء، فهم آمنون ولن يُدفع أي هواء باتجاههم. بعد ذلك، لتحفيز الشعور بالدهشة، يُصدر المُختبِر صوتًا عاليًا ويقيس استجابة المراهقين (طرفة عين لا إرادية). أظهر الأشخاص جميعهم استجابة قوية عند تشغيل الشاشة الزرقاء، وهو ما يعكس حقيقة توترهم تحسبًا لنفخة الهواء غير المريحة، لكنّ الأطفال المعرضين للقلق يندهشون بالقدر نفسه حتى من الشاشة الخضراء التي يفترض أنها آمنة، ويبقون على أهبة الاستعداد، قلقين ومتوترين، حتى عندما لا يكون الوضع مُهدِّدًا. مرة أخرى، تظل هذه النتيجة ثابتة بصرف النظر عن سلوك الأشخاص في الحياة الواقعية، وبصرف النظر عن شعورهم في أثناء الاختبار.

أجرى دانييل باين في ظل تعاونه مع فوكس عملية تصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي على 27 من الخاضعين للدراسة عندما كانوا مراهقين، وفي أثناء وجودهم في الماسح الضوئي، أظهر لهم باين صورًا لوجوهٍ خائفة، وكان يطلب منهم -في بعض الأحيان- أن يحاولوا قياس مدى اتساع أنف الشخص في الصورة- أيْ: التركيز على تفاصيل محايدة عاطفيًّا. وفي أحيان أخرى، طُلب منهم أن يفكروا في مدى شعورهم بالخوف عند النظر إلى الشخص الخائف في الصورة.

لم يظهر لدى المراهقين في المجموعة غير المعرضة للخطر أي زيادة في نشاط اللوزة الدماغية عندما نظروا إلى الوجه، حتى عندما طُلب منهم التركيز على خوفهم. ولكن، ظهر لدى المجموعة المعرضة لخطر كبير نشاطًا متزايدًا في اللوزة الدماغية عندما كانوا يفكرون في مشاعرهم الخاصة (ولكن ليس عندما كانوا يدققون في الأنف). ومرة أخرى، شوهد هذا النمط لدى الصغار المعرضين للقلق بصرف النظر عما إذا كانوا يعانون من مشكلات القلق في حياتهم اليومية. وفي حالة الأطفال الأكثر عرضة للخطر، حتى الهادئين ظاهريًا في معظم الأوضاع، حُفّزت لوزتهم الدماغية أكثر من الآخرين.

تظهر علامات الاضطراب المزاجي في أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلية التي تنظر إلى تشريح الدماغ بدلًا من النشاط الوظيفي أيضًا. في عام 2007م، وضع كارل شوارتز -الطبيب النفسي في جامعة هارفارد الذي تابع دراستي كاغان المطولتين- 76 شخصًا من المشاركين في دراسة كاغان في آلة التصوير بالرنين المغناطيسي. في ذلك الوقت، كان يبلغ عمرهم 18 عامًا (كانت الطفلة رقم 19 جزءًا من العينة، وطُلب من ميري المشاركة، لكنها رفضت). وُجد أن لغالبية المشاركين الذين صُنّفوا بوصفهم أطفالًا “شديدي التفاعل” عندما كانوا يبلغون 4 أشهر من العمر قشرة فص جبهي أسمك من قشرة أولئك الذين صُنفوا بوصفهم أطفالًا “منخفضي التفاعل”. قال لي شوارتز: “كان هذا الاكتشاف مذهلًا! يبدو أن المزاج الذي أظهروه عندما كانوا أطفالًا يترك بصمة في الدماغ حتى بعد 18 عامًا”.

ما يزال يحاول معرفة المعنى الدقيق لهذه البصمة؛ فهو لا يستطيع حتى الآن أن يقول مثلًا، إذا كانت القشرة السميكة مُسببة للمزاج شديد التفاعل، أو لها تأثير ناتج عنه، أو دليل على شيء آخر تمامًا. إحدى الوظائف التي تؤديها قشرة الفص الجبهي هي تقييد السلوكيات، إذ تعمل على تقييد الإشارات التي تأتي من اللوزة الدماغية. هل من الممكن أن تكون القشرة الدماغية أكثر سماكة عند الأشخاص المعرضين للقلق، لأنها مشغولة بإخماد اللوزة الدماغية مفرطة النشاط والاتصالات العصبية المتنامية الجديدة؟ أم تأتي القشرة السميكة أولًا، وتُسهم في الميل إلى القلق في المقام الأول؟

إن إحدى الطرائق التي حاول بوساطتها شوارتز تأكيد شكوكه كانت عن طريق إزالة الـ 14 شخصًا الذين جرى تشخيصهم باضطراب القلق الاجتماعي، ليتبقى بذلك 62 شخصًا في مرحلة الشباب، يتمتع جميعهم بصحة جيدة -على الأقل- بمعنى أنهم لم يعانوا قطّ من القلق الاجتماعي. استعرض شوارتز صور أدمغتهم، ولم يثبت الفرق بين سماكة القشرة الدماغية في مجموعة الأشخاص شديدي التفاعل ومجموعة الأشخاص منخفضي التفاعل فحسب، بل أصبح أكثر وضوحًا. قد يكون أحد التفسيرات لذلك أن القشرة السميكة تكون وقائية لدى الأشخاص المعرضين للقلق، ويُعتقد أن الأعراض القوية ظهرت لدى هؤلاء الأشخاص الـ 14 جزئيًا لأن قشرتهم الدماغية كانت أرق، وأن الأشخاص شديدي التفاعل الذين لم تظهر عليهم أعراض القلق الاجتماعي كانت لديهم قشرة أسمك.

إذن، ماذا يقول هؤلاء الشباب الذين يعانون من أدمغة قلقة عن حالتهم؟ تذكر أن القلق يمكن أن يحدث على ثلاثة مستويات: مستوى الدماغ، والسلوكيات، والتجربة الذاتية. هل كان الأشخاص الذين بدت أدمغتهم “قلقة” في فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي يشعرون بالقلق فعلًا؟

يعاني العلماء من صعوبة الإجابة عن هذا السؤال، إذ يعوقهم عجز الناس عن التعبير عن مشاعرهم بدقة. أخبرني باين أن المشاركين في تجاربه غالبًا ما يعترفون بعد مرور مدّة من التجربة بأنهم كانوا أكثر خوفًا في أثناء التجربة مما أبلغوا آنذاك، مما يبعثه على الشك في دقة الاستنتاجات المستخلصة. وفقًا لكاغان، يتميز المزاج شديد التفاعل بالميل إلى الحساسية المفرطة تجاه الإشارات الجسدية، ألا تتوقع إذن أن الشباب المعرضين للقلق سيفهمون أدمغتهم أكثر من الباقي؟ لكن، لا تتوافق دائمًا حالة الدماغ الموضوعية مع التجربة الذاتية حتى في حالة الأشخاص المعرضين للخطر الشديد.

من الصعب أيضًا تحديد ما إذا كان يُدرك الأشخاص شديدو التفاعل بشكل عام أن أدمغتهم ملتفة بإحكام أكثر من أدمغة الآخرين. يقول شوارتز: “ما يقوله الناس حول ما يشعرون به أمر مهم، لكنه لا يمثل القصة بالكامل، فقد يكون لدى بعض هؤلاء الشباب بالفعل وعي ذاتي حول حالة أدمغتهم دون الآخرين، رغم تمتعهم بإشارات دماغية كبيرة بالقدر نفسه؛ اعتمادًا على كيفية تكيّفهم وتربيتهم وتقديم الدعم لهم”. ويضيف أنه في بعض الحالات، قد يُعيد الناس تفسير بعض الأحاسيس الجسدية التي يمكن عدّها أعراضًا للقلق -مثل الشعور بالنشاط المفرط، أو تسارع نبضات القلب- على أنها تشير إلى “الابتهاج أو الحماس نوعًا ما”.

يقول عالم النفس التنموي روبرت بلومين إنّ دراسات مثل دراسة باين وشوارتز قد لا تكشف في الواقع نتائجَ حول الأدمغة القلقة إطلاقًا، بل عن آثار التجارب المختبرية على الدماغ. يتفق بلومين، الذي يدير دراسة مطوّلة حول جينات وسلوكيات التوائم في كلية كينجز في لندن، على أن القلق يترك بصمة عصبية في الدماغ، لكنه يشك في مدى ارتباط القلق في المختبر بالقلق في الحياة اليومية، إذ قال: “لنفترض أنك تُدير في حياتك الواقعية اضطراباتك المزاجية حتى لا تشعر بالذعر، لنفترض أنك تعلمت استراتيجيات، مثل أخذ النفس العميق، لتُحسّن استجاباتك لظروف الحياة. في المقابل، لن تواجه في المختبر مواقفَ اجتماعية تعلمت السيطرة عليها، بل سيُعرض عليك بشكل مفاجئ صورة لحادث دموي”. تساءل بلومين: إذا كانت استجابتك لصورة مروعة أسرع بأجزاء من الثانية من استجابة شخص أكثر تفاؤلًا، ما الذي يقوله ذلك حقًا عن كيفية استجابة دماغك في الحياة الواقعية اليومية لموقف مثير للقلق؟

ولجعل التجربة المختبرية التي تهدف لتحفيز القلق أكثر واقعية وعاطفية؛ لفّق باين وزميلاه في المعهد الوطني للطب النفسي، إريك نيلسون وأماندا غاير، تجربة متقنة لإقناع المراهقين في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي بأن حياتهم الاجتماعية على المحك: بوساطة إدماج غرفة دردشة وهمية عبر الإنترنت في التجربة. لقد زيّفوا مجموعة من الصفحات الوهمية لمراهقين مبتسمين في موقع ماي سبيس (MySpace) ليدردش معهم الأشخاص الخاضعون للدراسة، واعتقد هؤلاء أن المراهقين الوهميين سيخبرونهم عمّا إذا كانوا يريدون الدردشة معهم أم لا. تم إجراء التصوير بالرنين المغناطيسي في حين كان الأشخاص الخاضعون للدراسة مستلقين في انتظار رد المراهقين الوهميين. بعد عدد قليل من التجارب الأولية، ثبت أن هذه التجربة تمثل تحديًا عاطفيًا كبيرًا للمراهقين الذين يعانون من القلق الاجتماعي. أظهر الشباب القلقون تفاعلًا أكبر في اللوزة الدماغية وقشرة الفص الجبهي في أثناء انتظارهم للاستماع إلى أحد المراهقين الوهميين الذين أرادوا تجنبهم، وقد أجرى باين هذه التجربة على 40 شخصًا من الخاضعين لدراسة فوكس المطولة، وهو يُحلّل حاليًا النتائج.

ومع ذلك، فإن فهم دماغ الشخصية القلقة، حتى بوساطة إجراء تجربة أكثر واقعية، يتطلب وضع الخاضع للدراسة في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي، وهو بطبيعته ليس اصطناعيًا ولا يحاكي الحياة الواقعية فحسب، بل يثير القلق أيضًا؛ لذا فإن فكرة بلومين مثيرة للاهتمام؛ فقد تعكس فحوصات الدماغ والنتائج المختبرية الأخرى شيئًا عميقًا ودائمًا يحدث في العقل القلق، ولكن إذا كنت قد تعلمت التحكم في سلوكك وتنظيم حياتك، إذ يمكنك الحد من المحفزات والتعامل مع تقلباتك العاطفية، فما مدى أهمية هذه النتائج المختبرية؟ 

يُعد الجانب السلوكي من ثلاثيّة الدماغ والسلوكيات والتجربة الذاتية أكثر الجوانب التي يمكن التدخل فيها، ويبحث العلماء الآن في كيفية تمكن ثلثي أولئك شديدي التفاعل من تجنب المشكلات. لا شك أن هناك كثيرًا من العوامل البيئية التي تلعب دورًا في هذا الأمر، بعضها مرن، وبعضها الآخر أقل مرونة. في دراسة كاغان الأولى مثلًا، وُجِد أن ترتيب الأطفال حسب تاريخ الولادة بين أشقائهم يبدو ذا صلة. كان احتمال أن يكون للأطفال المقيدين سلوكيًّا أشقاء أكبر سنًا كبيرًا: إذ كان لثلثيهم أشقاء أكبر سنًا، وبالمقابل، في مجموعة غير المقيدين سلوكيًا، لم يكن إلا لدى ثلثهم أشقاء أكبر سنًا. لقد تساءل كاغان وزملاؤه في الدراسة: هل يمكن أن يعني وجود أشقاء أكبر سنًا التعرض للمضايقة والضغط، مما يصبح مصدرًا للتوتر المزمن، والذي يؤدي بدوره إلى زيادة الاستعداد البيولوجي للتقييد السلوكي؟ لم يجد كاغان هذه النتيجة نفسها في دراساته اللاحقة، على الرغم من أنها كانت مثيرة للاهتمام، مما يوضح مدى صعوبة تحديد العوامل البيئية العرضية وذات الصلة. كما لحظ فوكس أن الأطفال شديدي التفاعل الذين التحقوا بمراكز الرعاية عندما كانوا صغارًا كانوا أقل خوفًا بشكل ملحوظ في سن الرابعة من الأطفال شديدي التفاعل الذين بقوا في المنزل مع أمهاتهم.

إن المحاولات المبذولة لمعرفة أي نوع من التربية يعمل بشكل أفضل مع الأطفال المعرضين للقلق يجيب على أسئلة كثيرة، لكنه يعجز عن الإجابة على القدر ذاته من الأسئلة. أيهما أفضل بالنسبة للطفل الخائف والمتوتر: الوالد الذي يدلل طفله ويطمئنه بأن كل شيء سيكون على ما يرام، أم الوالد الذي يضع حدودًا صارمة وشديدة، ولا يقبل السلوكيات القلقة؟ يمكنك أن تتخيل أن أيًّا منهما قد ينجح أو يفشل. فمن ناحية، قد يكون من الجيد حماية الأطفال من الأشياء التي تقلقهم، ومن ناحية أخرى، قد يكون من الأفضل حثهم، وربما إجبارهم على مواجهة الأشياء التي يخشونها.

لقد نظر العلماء من مختبريْ كاغان وفوكس إلى هذا السؤال بطريقة منهجية، وتوصلوا إلى نتيجتين مختلفتين إلى حد ما. تضمنت كلتا الدراستين سلسلة من الزيارات المنزلية وساعات من أشرطة الفيديو للتفاعلات ما بين الأمهات والأطفال. لكن إحدى الدراسات، التي أجرتها دورين أركوس، طالبة كاغان في برنامج الدراسات العليا في أوائل التسعينيات، أشارت إلى أن أسلوب تربية الأمهات اللاتي يضعن حدودًا صارمة ولا يندفعن بسرعة كبيرة لتهدئة أطفالهم شديدي التفاعل أفضل من غيرهن. بينما وجدت دراسة أخرى أجرتها زميلة فوكس في مرحلة ما بعد الدكتوراه إيمي أشلي هين بعد عقد من الزمن نتيجةً مختلفةً بعض الشيء: أفضل ما يناسب الأطفال الذين يعانون من توتر شديد هو الأمهات الحساسات، اللاتي يتعاملن مع أطفالهن الخائفين كما يرغبون، ويتفاعلن معهم بتقبل ودعم، دون التعدي على مساحتهم الخاصة. وفي بعض الأحيان، يفصل خط رفيع ما بين الحزم والقسوة، وما بين الداعِم والمتعدي للحدود. وهذا يصعّب بشكل خاص تحويل نتائج الأبحاث -مثل أبحاث أركوس وهين- إلى إرشادات واضحة حول أفضل السبل لرعاية الأطفال المضطربين. 

إلا أن الأسلوب الأفضل هو تربية طفل يتعلم كيف يتعامل مع توتره بمفرده بالطريقة التي تناسبه، إذ يكتشف بعض الأطفال بأنفسهم الأفضل لهم. كتب أحد الخاضعين لدراسة كاغان من مجموعة شديدي التفاعل مقالًا كشف فيه عن حكمته رغم صغر سنه: “لاحقتني المعاناة الداخلية لسنوات حتى تمكنت من تجاوزها وتهدئة نفسي بنفسي. مثلًا، عندما سمعت لأول مرة عن هجمات الجمرة الخبيثة (anthrax) في واشنطن، بدأت أشعر مباشرةً باضطراب في معدتي. أدركت أن ذلك الألم كان ببساطة ناتجًا عن قلقي. بمجرد أن أدركت ذلك، اختفت آلام المعدة. لأنني أفهم الآن استعدادي للشعور بالقلق، أستطيع أن أقنع نفسي بالتخلص من المخاوف البسيطة”. لا يستطيع كثير من البالغين، سواء أكانوا يعانون من القلق أم لا، التحكم في حواراتهم الداخلية بمستوى هذا الصبي نفسه الذي يبلغ من العمر 13 عامًا.

أما بالنسبة للأطفال الذين يحتاجون إلى المساعدة في التغلب على مخاوفهم؛ فيحاول بعض علماء النفس التدخل مبكرًا عن طريق برامج تمنح الأطفال القلقين أدوات لكبت الأفكار المخيفة التي تراودهم. غالبًا ما يُعلّم الأطفال المهارات نفسها التي يتعلمها البالغون القلقون، أيْ: يتلقون صيغة مختلفة من العلاج السلوكي المعرفي، المصمم لإيقاف حلقة اجترار الأفكار المتكررة التي لا نهاية لها، واستبدالها بصوت داخلي ذكي وعقلاني. يعلّم هذا العلاج بطريقة ما الأشخاص القلقين أن يتصرفوا كما يتصرف الأشخاص غير القلقين بشكل طبيعي.

كتبت امرأة شابة تُدعى بريتاني على المدونة الجماعية باسم We Worry، وهي واحدة من مدونات القلق: “أمزح كثيرًا حول قلقي. ففي بعض الأوقات، أجد الأمر مضحكًا بالفعل. أستطيع أن أفعل هذا لأن هناك ذلك الصوت في داخلي الذي يخبرني بأن ما يقلقني غير عقلاني، لكن رغم ذلك، أشعر بالقلق بشأن الأشياء غير العقلانية. هذه الدورة لا تنتهي أبدًا”. وكتبت أنها على الرغم من تمتعها بحس الفكاهة، تصبح الحياة “ساحقة بالنسبة لي في بعض الأحيان. تمثل الأشياء التي لا يكترث بها معظم الناس معاركَ شاقة بالنسبة لي”.

حتى أولئك الذين يعانون من القلق الطبيعي العادي -الذي لا يُشخص بوصفه اضطراب قلق سريري مثل حالة بريتاني- يجدون صعوبة في كبت أفكارهم السلبية. قالت إنجل من كلية ويليامز، والتي تعمل حاليًا على تأليف كتاب حول المزاج بعنوان: Red Flags and Red Herrings: “لدي صديقة تعمل في علم النفس السريري، ونتحدث كثيرًا عما يفعله الأشخاص بمفردهم لتقليل إحساسهم بالقلق”. قالت إنجل إنها بطبيعتها قلقة جدًّا، كما هو الحال بالنسبة لأكبر أبنائها الثلاثة، وأضافت: “نتعامل مع القلق عبر فعل كل شيء بسرعة، ولا يمكننا أن نتحمل القلق بشأن موعد نهائي يلوح في الأفق؛ إذ نقلق من التأخر لدرجة أننا نسلّم أعمالنا قبل خمسة أيام من الموعد النهائي. كان بوسعنا أن نُنجز أشياء أخرى لتخفيف القلق، مثل الشرب والمماطلة والتظاهر بأن الموعد النهائي لن يأتيَ أبدًا. أعتقد أننا محظوظان لأن أسلوب تعاملنا مع القلق فعّال ومُنتج”.

يزعم ستيفن بينكر، عالم النفس في جامعة هارفارد ومؤلف الكتاب بعنوان: The Blank Slate: The Modern Denial of Human Nature، وجود علاقة طردية ما بين مستوى الذكاء والقدرة على التعامل بفاعلية مع القلق؛ إذ يعتقد -بناءً على التخمين البحت- أن الذكاء يؤدي “للنظر إلى القلق بوصفه مشكلة يجب حلها، مما يقلل من القلق غير الضروري، ويحافظ على مستويات القلق بما يكفي لإنجاز مهامهم”. تدعم دراسة واحدة على الأقل اعتقاد بينكر، ففي مقال نشر عام 2004م بعنوان: “هل يمكن أن يصبح القلقون ناجحين؟” قدم عالمان بريطانيان استبيانات شخصية لمجموعة من مديري الخدمات المالية، فوجدا أن أولئك الذين انطبقت عليهم عديد من سمات القلق -مثل القلق بشأن الأداء الجيد في العمل- موظفون أفضل، ولكن فقط إذا كان قلقهم مصحوبًا بقدرة إدراكية عالية.

قال فوكس إنّ ما يميز الأشخاص شديدي التفاعل الذين يتعلمون التكيف مع مزاجهم المضطرب عن أولئك الذين لا يتعلمون التكيف يعود إلى شيء بسيط في كثير من الأحيان، مثل: العثور على صديق يقدم الدعم، أو ميري ورقص الباليه، العثور على هواية يجيدونها تمكّنهم من الشعور بالثقة بالنفس. ولكن، قد تكون هناك بعض الاختلافات الفسيولوجية بينهم. على سبيل المثال، واجهت الطفلة رقم 19 كثيرًا من المشكلات عندما كبرت؛ فعندما كانت تبلغ من العمر عامًا واحدًا، كانت واحدة من أكثر الأطفال خوفًا في دراسة كاغان، وقد أصيبت بنوبة اكتئاب في المدرسة الإعدادية، وشُخّصت إصابتها باضطراب القلق الاجتماعي عندما كانت مراهقة. في حين يمكن أن ترتبط هذه المشكلات بأي من العوامل البيئية، بما في ذلك انفصال الوالدين، فإنها يمكن أن ترتبط أيضًا بشيء غريب ظهر في فحص الدماغ الذي أجراه شوارتز على الطفلة رقم 19 عندما كان عمرها 18 عامًا.

عندما كانت الطفلة رقم 19 في جهاز التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي ورأت سلسلة من الوجوه غير المألوفة، تفاعلت لوزتها الدماغية بشدة، حوالي ثلاثة أضعاف مستوى تفاعل لوزة الأشخاص في مجموعة منخفضي التفاعل. توافقت هذه النتيجة مع ما توقعه شوارتز حول شخصٍ بمزاجها وتاريخها النفسي، لكن الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو قشرة فصّها الجبهي في فحص التصوير بالرنين المغناطيسي الهيكلي، فبدلًا من القشرة السميكة التي يمتلكها كثير من الشباب بخصائص تماثل طباعها، كانت قشرة الفص الجبهي للطفلة رقم 19 رقيقة نسبيًا.

قال لي شوارتز: “هذه هي منطقة الدماغ المسؤولة عن التنظيم العاطفي”. هل يمكن أن تكون القشرة الرقيقة في حالتها غير قادرة على تنظيم النشاط المفرط في اللوزة الدماغية، مما يؤدي إلى مشكلات أكثر تعقيدًا من المشكلات التي قد تواجه أحدًا بقشرة أكثر سمكًا؟ وأضاف قائلًا: “وعلى المستوى الفردي، يُعد استخلاص النتائج أمرًا خطيرًا دائمًا، ومستحيلًا إلى حد كبير. ولكن، قد يكون الشيء الوحيد الذي يؤثر على النتيجة هو ما إذا كانت الجينات التي تسهم في هاتين المنطقتين من الدماغ، اللوزة الدماغية والقشرة، تنتقل معًا أو بشكل منفصل”. ربما يستطيع شخص شديد التفاعل بلوزة دماغية حساسة أن يتجنب تجربة القلق السلوكية والذاتية بسبب القشرة السميكة القادرة على تهدئة الدماغ مفرط النشاط. لكن في حالة الطفلة رقم 19، قد تكون اللوزة الدماغية الحساسة مصحوبة بقشرة رقيقة أقل قدرة على تكوين استجابات تقييدية. قال شوارتز: “قد ينتج عن اجتماع العاملين مواجهة مزيد من المشاكل المعقدة”.

يثير النظر إلى القلق من منظور علم الأعصاب السؤال الحتمي حول سبب تطور السمة التي تسبب كثيرًا من الصعوبات في المقام الأول. بالنسبة للبشرية ككل، من المرجح أن يكون هناك جانب إيجابي لوجود بعض الأشخاص في حالة مستمرة من اليقظة المفرطة، يرون كل شيء بمنزلة تهديد، ويكونون دائمًا على استعداد لإطلاق صفارة الإنذار واتخاذ الإجراءات اللازمة. ولكن، بالنسبة للفرد، قد يعني ذلك -على سبيل المثال- التمتع بفرص أقل للاستقرار مع شريك، ناهيك عن العبء النفسي والإرهاق الناتج عن امتلاك عقلٍ مبرمج ليكون دائمًا في حالة تأهب قصوى.

وفي العالم الحديث، هناك فوائد عديدة للتمتع بشخصية قلقة، مثل:الحذر والتأمل والقدرة على العمل بشكلٍ مستقل، وقد تساعد هذه السمات على التعايش مع القلق. لحظ كاغان أن الأشخاص شديدي التفاعل في عينته يميلون إلى تجنب المخاطر التقليدية لمرحلة المراهقة، نظرًا إلى كونهم أكثر تحفظًا من أقرانهم الأكثر طيشًا؛ فالأطفال شديدو التفاعل أقل عرضة لتجربة المخدرات، أو التعرض لحالات الحمل غير المخطط له، أو القيادة بتهور. يقول إنهم يكبرون ليصبحوا مثل شخصية فيليكس أنغار الحذرة (من سلسلة أفلام The Odd Couple)، يتركون المجال للشخصيات المتهورة مثل أوسكار ماديسون.

الأشخاص شديدو التفاعل -طالما أنهم لا يعانون من اضطراب سريري- عادةً ما يكونون واعين وحذرين لدرجة الهوس تقريبًا. من المرجح أن يكون القلقون هم العمال الأكثر دقة والأصدقاء الأكثر مراعاة للآخرين. سيخطط الشخص الذي يشعر بالقلق من التأخر للوصول إلى الأماكن مبكرًا، وسيبذل الشخص القلق بشأن إلقاء محاضرة جهدًا أكبر للتحضير لها. يمكن أن يؤدي القلق في أثناء إجراء الاختبارات المدرسية إلى دراسة أفضل، ويمكن أن يؤدي الخوف من السفر إلى التخطيط للرحلة بدقة.

أخبرني كاغان أنه عيّن ما لا يقل عن 200 مساعد بحثي خلال الـ 40 سنة التي عمل فيها في جامعة هارفارد، وقال: “كنت أبحث دائمًا عن شديدي التفاعل. إنهم ملتزمون، ولا يرتكبون الأخطاء، ويتوخون الحذر في عملية ترميز البيانات”. كما راهن على أن الولايات المتحدة ترسل من كانوا أطفالًا منخفضي التفاعل إلى الفضاء بوصفهم رواد فضاء شجعانًا جريئين، في حين تكوّن طاقم التحكم في المهمة على الأرض، المسؤول عن الأعمال التفصيلية التي تحدد نجاح المهمة، من أفراد شديدي التفاعل.

وقد يؤدي القلق وظيفة أهم. قال كاغان: “ثقافتنا لديها هذا الوهم بأن القلق سام.” لكن من دون الأشخاص ذوي التوجه الداخلي نحو العزلة، من أين سنحصل على الكتّاب والفنانين والعلماء ومبرمجي الكمبيوتر الذين يجعلون المجتمع ينبض بالحياة؟ يحب كاغان أن يشير إلى أن توماس ستيرنز إليوت كان يعاني من القلق، وأن سيرته الذاتية تشير إلى أنه كان طفلًا شديد التفاعل. قال كاغان: “لم يكن ليتمكن من كتابة هذا السطر: ’سأظهر لك الخوف في حفنة من الغبار‘ دون أن يشعر بالتوتر والاضطراب الدائم”.

إن هذه تعميمات مفرطة بطبيعة الحال، ومن السهل إثبات خلوها من الصحة بذكر الحالات الاستثنائية. لكن، الاستثناءات جميعها تشير في الحقيقة إلى العلاقة المعقدة بين علم الأعصاب والسلوك الذاتي. قد يكون هناك المئات من الحالات المزاجية المختلفة، ولم تبحث هذه الدراسات سوى في حالتين: الأكثر استقرارًا والأكثر قابلية للقياس. ولو كان الأمر ببساطة القول إن الرضيع شديد التفاعل سيكبر ليكون طفلًا مقيدًا سلوكيًّا ثم سيصبح بالغًا قلقًا، فإن الدراسات المتعلقة بالمزاج كلّها لن تكون سوى خرائط ترسم الطريق لطالع الأبراج.

إن القوة التنبؤية للمزاج المعرض للقلق تعمل حاليًا في اتجاه واحد فقط: لا تتنبأ بما سيصبح عليه هؤلاء الأطفال، بل بما لن يصبحوا عليه. بعد قراءة الدراسات المطولة حول القلق، كل ما يمكنك قوله بثقة: إنّ الأطفال شديدي التفاعل لن يكبروا ليكونوا مندفعين أو منفتحين أو مرحين أو جريئين، فمن شبه المؤكد أن أحدًا مثل سيلفيا بلاث لن يكبر ليصبح مثل بيل كلينتون، إما سيصبح قلقًا بميول انتحارية، أو مجرد شاعر. قد يكون المزاج مهمًا وفطريًا، لكن البيئة تتدخل في سير الحياة.

أما بالنسبة للطفلة رقم 19؛ فهي لم تتعارض مع التنبؤات بعد، ومن المرجح أنها لن تفعل ذلك أبدًا. أخبرني كاغان أنها التحقت بالدراسة الجامعية الآن، وأنها تبلي بلاءً حسنًا، لكن طبيعتها المزاجية ما تزال تظهر في شخصيتها. قال كاغان إنّها تميل إلى أن تكون “قاسية” و”كئيبة”، وما تزال قلقة، وربما ستظل كذلك دائمًا.

روبين مارانتز هينيغ: كاتبة مساهمة، وكان مقالها الأخير للمجلة عن الجهود الفيدرالية المبذولة لتشخيص الأمراض الغامضة.

المصدر 

مقالات ذات صلة